أكدت الخارجية الأميركية، الأحد، استعداد واشنطن لدعم “حوار سوداني شامل بقيادة مدنية”، بمشاركة السودانيين، بمن فيهم النازحون واللاجئون، وفي مكان تتوافق عليه الأطراف. ويأتي ذلك عقب مبادرة الرئيس عبد الفتاح البرهان لإطلاق حوار سوداني داخل البلاد، بما يكشف تباينًا في الرؤيتين، فواشنطن لا ترفض الحوار، لكنها تعيد تعريف شروطه وقيادته ومكانه، في إشارة تعكس حجم الضغوط الأميركية على القرار السياسي في البلاد.
لذلك لم تعد معركة الحوار السياسي أقل تعقيداً من معركة الكرامة، إذ انتقلت من الجلوس إلى الطاولة إلى امتلاك حق صناعتها، وتحديد أجندتها والمشاركة فيها. ومنذ سقوط البشير في 2019، شهدت بلادنا محاولات متكررة لهندسة الانتقال، شاركت فيها قوى دولية وإقليمية، وكانت واشنطن من أبرز الفاعلين، عبر مسارات شملت الوثيقة الدستورية ومشروع دستور المحامين والاتفاق الإطاري. بعد كل هذه التجارب، فإن تقييم النتائج كان فشلا كبيرا ولم ينتج حد أدنى من المقاربات الممكنة.
النتيجة لم تكن دولة مستقرة ولا توافقاً على الشرعية، بل استمرار الانقسام، وتعدد مراكز القوة، وانسداد المسار السياسي وصولاً إلى حرب أبريل 2023. وهذا لا يعني تحميل واشنطن وحدها مسؤولية ما حدث فالأزمة نتاج أخطاء النخب، وهشاشة الدولة والصراع على السلطة. لكن ذلك لا يعفي المقاربات والأطماع الدولية من النقد، فالتدخل الذي عجز عن بناء توافق، أسهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ في تعقيد المشهد السياسي، لذلك نحتاج اليوم إلى مراجعة جادة، لا إلى إعادة إنتاج ذات الأدوات.
من المعلوم أن الحرب أعادت، رسم خرائط القوة في السودان، فلم يعد البلد تدار أزماته من غرف السفارات. فقد تبدلت موازين الداخل، وارتفع وعي السودانيين بمخاطر تفكك الدولة، وعادت الدولة والجيش إلى مركز المشهد، بينما انكشفت محدودية قوى تضخم حضورها الخارجي على حساب غياب وزنها الشعبي، وبرز في المقابل مفهوم أوسع للمدنيين، بوصفهم قوة وطنية حقيقية في مواجهة محاولات اختطاف الدولة.
لكن هذا التحول المهم لم ينعكس، على مقاربات بعض القوى الدولية الطامعة في الموارد و النفوذ، التي لا تزال تحاول تشكيل العملية السياسية من الخارج، عبر اختيار أطراف لم تكن تملك وزناً شعبياً حقيقياً ومنحها وزناً تفاوضياً بالرعاية الدولية. وهنا تكمن خطورة إعادة إنتاج الأدوات القديمة البائسة في واقع جديد متحول، إذ لا تستطيع الرعاية الخارجية أن تصنع تمثيلاً، ولا أن تمنح الشرعية لمن لم يصنعها داخل المجتمع.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتوقف عندها واشنطن طويلاً: فالديمقراطية لا تعني أن تختار الولايات المتحدة، باسم الديمقراطية، من يمثل السودانيين. فالقرار السياسي لا يصبح ديمقراطياً إذا صُممت مكونات الحوار من الخارج، واستُبعدت قوى لا ترضي واشنطن وقدمت أخرى.
إذا كانت واشنطن تؤمن بأن مستقبل السودان يقرره أهله ، فعليها أن تترجم ذلك فعلًا، وإلا تحولت الدعوة إلى الديمقراطية إلى وصاية ناعمة.
لقد أثبتت الحرب أن الدولة التي لا تملك مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تصبح عرضة للاختطاف من أي قوة مسلحة تمتلك القدرة على فرض إرادتها. ولذلك فإن المعادلة الصحيحة ليست: الجيش أو الديمقراطية، وإنما دولة ديمقراطية بجيش وطني موحد يحتكر السلاح، يخضع للدستور ولا يحتكر السياسة، ولا تسمح الدولة في الوقت نفسه بوجود جيش موازٍ لها.
وهنا تبدو المفارقة التي يجب أن تفكر فيها واشنطن :المؤسسة التي جرى تصويرها، ضعيفة ومنقسمة وغير قادرة على الحسم، استطاعت الصمود واستعادة مساحات واسعة من ولايات البلاد. وهذا يجعل من الصعب سياسياً التعامل معها كجسم يمكن تجاوزه في ترتيبات السودان المقبلة. فصمود الدولة عسكرياً أعاد الجيش إلى قلب معادلة الدولة، باعتباره أحد مكونات بنية الوطن التي لا يمكن القفز فوقها.
مؤكد أن السودان لا يرفض المجتمع الدولي، بل يحتاج إلى دعمه الإنساني والاقتصادي والسياسي والتنموي، وإلى علاقات متوازنة مع واشنطن وموسكو وبكين والرياض والقاهرة وأديس أبابا وغيرها. لكنه يحتاجها كشراكات بين دول ذات سيادة، لا كعلاقة بين وصيّ وقاصر، فالديمقراطية تبدأ حين يملك السودانيون حق اختيار من يحاور ومن يمثل ومن يحكم.
لذلك فالحوار الذي دعا إليه البرهان هو فرصة لاستعادة السياسة السودانية من الخارج، إذا صُمم بصورة صحيحة. المطلوب حوار مفتوح، لا حواراً انتقائياً، حوار يشارك فيه السودانيون وفق معايير واضحة، لا وفق قوائم تضعها السفارات. ولا ينبغي أن يكون الهدف إعادة إنتاج حكومة محاصصة، وإنما تأسيس قواعد جديدة للدولة: جيش وطني واحد، سلطة مدنية منتخبة، مؤسسات مستقلة، سيادة قانون، وعدالة لا تستثني أحداً.
وفي الوقت نفسه، فإن على القوى السياسية أن تتحمل مسؤوليتها، أمام التاريخ فلا يمكن رفض الوصاية الأمريكية ثم الاستقواء بها في مواجهة الخصوم. ولا يمكن الحديث عن السيادة الوطنية بينما تُدار بعض المواقف السياسية من الخارج. استقلال القرار لا يتجزأ، ومن يريد أن يكون شريكاً في صناعة السودان الجديد، عليه أن يملك شجاعة الاختلاف مع الخارج كما يملك شجاعة الحوار مع الداخل، ثم الاستعداد للاحتكام للشعب.
لقد آن الأوان لأن تتعلم واشنطن درساً بسيطاً لكنه مهمًا : السودان ليس فراغاً سياسياً، والشعب السوداني ليس مادة خاماً لمشروعات الانتقال التي تصنعها مراكز التفكير والعواصم الأجنبية. قد يختلف السودانيون حول كل شيء ، لكنهم يتفقون في النهاية على حقهم في أن يكون قرارهم دخل البلاد.
أن كانت تريد واشنطن مساعدة السودان، فلتضغط على الدول التي تغذي الحرب بالسلاح، وتدعم حماية المدنيين، وتساند إعادة الإعمار، وتساعد في استعادة الاقتصاد والمؤسسات. أما تحديد من يمثل السودان، ومن يملك الشرعية، وكيف ينبغي أن تُبنى الدولة، فهذه مسائل لا تستطيع واشنطن أن تنتزعها من السودانيين دون أن تحول الديمقراطية نفسها إلى أداة نفوذ.
وبحسب #وجه_الحقيقة، أفشل السودانيون محاولات اختطاف دولتهم، ودفعوا ثمناً باهظاً ليؤكدوا أن السودان ليس مشروعاً لأحد. واليوم تبدأ معركة العملية السياسية بإرادة سودانية، لا بوصفات خارجية. فإذا أرادت أمريكا المساعدة، فلتدعم الحوار، لا أن تحاور السودانيين بالوكالة أو نيابةً عنهم، فالديمقراطية لا تُهندس من الخارج، والسلام لا يصمد ما لم يقره السودانيون . لقد دفع السودان ثمناً ثقيلاً من وصاية العواصم، وحان الوقت لتتعلم واشنطن أن الشراكة تبدأ باحترام إرادة الشعب. أمريكا… متى تتعلم أن أفضل ما تفعله للسودان هو أن تترك للسودانيين حق صناعة مستقبلهم؟
دمتم بخير وعافية.
السبت 22 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com
#أمريكا_متى_تتعلم #السودان #السيادة_الوطنية #الحوار_السوداني #القرار_السوداني #الديمقراطية_السودانية #السلام_في_السودان #الدولة_السودانية #الجيش_الوطني #السودان_أولاً

