Popular Now

من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج(كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟) .. مستشار .. احمد حسن الفادني

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (3) بوركينا فاسو التجربة الجديدة واختبار السيادة .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

قراءة وتوصيف .. احزاب الطاعة العمياء .. أحمد الزبير محجوب .. 1 / 2

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (3) بوركينا فاسو التجربة الجديدة واختبار السيادة .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

إذا كانت مالي تعيش أزمة سيولة أمنية وسياسية، فإن جارتها الغربية، بوركينا فاسو، التي يعني اسمها بلاد الرجال الشرفاء، قد اختارت منذ عام 2022، وتحديداً بعد انقلاب النقيب إبراهيم تراوري، خياراً أكثر تطرفاً وجذرية، ليس فقط في قطع العلاقات مع فرنسا ، وانما في إعادة تعريف مفهوم الدولة والمجتمع ذاته. ففي يونيو من عام 2026، وبخطوة وصفتها الصحافة العالمية بالانتحار الدبلوماسي، أعلنت بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا رسمياً، متهمة إياها بالوقوف وراء الأنشطة التخريبية التي تستهدف زعزعة الاستقرار، وهو اتهام أعاد إلى الأذهان أصداء خطابات الزعماء الافارقة اوالاباء المؤسسون المؤامرات الخارجية التي يحيكها الغرب الامبريالي ، لكنه هذه المرة يحمل أبعاداً استراتيجية أكثر تعقيداً، اذ ان ذلك الخطاب لم يأتِ كرد فعل لحادث عابر فى ظروف متقلبه ، وانما جاء كتتويج لسياسة منهجية تهدف إلى إلغاء أي أثر للنفوذ الفرنسي، بدءاً من إلغاء العملة الاحتياطية المشتركة، وصولاً إلى إعادة هيكلة الجيش بالكامل خارج الأطر التدريبية الغربية التقليدية.
ولكن ما يجعل الحالة البوركينية فريدة في سياق دول الساحل الافريقي ، هو التحول الداخلي غير المسبوق الذي تجسد في حل الأحزاب السياسية ، وإعلان التوجه نحو ما أطلقت عليه تراوري ال
اسم الديمقراطية الشعبية الثورية، وهو مفهوم يمكن قراءته من خلال عدسة الفلسفة السياسية الروسية للأوراسية الجديدة، التي يتبناها ألكسندر دوغين، حيث يتم رفض النموذج الليبرالي الغربي القائم على التعددية الحزبية والانتخابات الشكلية، واستبداله بنموذج يقوم على الإجماع الشعبي المباشر والتعبئة المجتمعية الشاملة. وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة البوركينية خطة طموحة، لتجنيد مائة ألف من الشباب البوركيني ليكونوا نواة لقوات شعبية موزعة على القرى والبلدات، تهدف إلى سد الفراغ الأمني ومعاونة الجيش الوطني النظامي، وهي خطة تذكرنا بتجارب التعبئة الشعبية في الصين الثورية أو كوبا، لكنها هنا تواجه تحدياً جغرافياً هائلاً، حيث تمتد بوركينا على مساحة شاسعة من السافانا والمناطق شبه الصحراوية التي تصبح فيها هذه القوات الشعبية عرضة للاستهداف من قبل الجماعات المسلحة التي تمتلك خبرة أكبر في حرب العصابات.
وهنا يبرز السؤال النظري الجوهري الذي يضفي البعد الاستراتيجي، هل يمكن لهذا النموذج (القطيعة الشاملة) أن ينجح حيث فشل النموذج التعاوني مع الغرب؟ وفقاً لنظرية يان شيويه تونغ في الواقعية الأخلاقية، فإن قيادة ابراهيم تراوري نجحت بالفعل في اكتساب شرعية أخلاقية هائلة في الداخل، لأنها تمثل، في وعي المواطن البوركيني الفقير، صوتاً يعلو ضد الظلم التاريخي المستمر منذ عقود، وهي شرعية تعتمد على العدالة التوزيعية أكثر من العدالة الإجرائية. فتراوري لم يعد مجرد عسكري انقلابي، بل تحول إلى رمز للكرامة الوطنية، حين وقف وجهاً لوجه أمام الشركات الفرنسية التي كانت تسيطر على مناجم الذهب والمنجنيز، وطالب بإعادة التفاوض على كل العقود الاستخراجية، وهو ما جعله بطلاً شعبياً في الشارع. لكن المفكر الصيني يان نفسه يحذر من أن هذه الشرعية الأخلاقية، وإن كانت قوية في لحظة التأسيس، فإنها تصبح هشة للغاية إذا لم تُترجم إلى خدمات ملموسة في حياة الناس، فبوركينا فاسو اليوم تعاني من انقطاع الكهرباء في معظم مدنها، وتواجه أزمة مياه حادة في موسم الجفاف، وتضطر إلى استيراد المواد الغذائية الأساسية بأسعار مضاعفة بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الايكواس عقب الانقلاب، وهذه العقوبات تحاصر الدولة أكثر مما تحاصر الجماعات المسلحة.
أما على الصعيد الأمني، وهو لب الأزمة، فإن تجربة القوات الشعبية تُظهر نتائج متباينة حتى الآن؛ إذ نجحت في بعض القرى الريفية في طرد عناصر الجماعات المسلحة التي كانت تفرض إتاوات على المزارعين ، لكنها فشلت فشلاً في التصدي للهجمات الكبيرة والمُحكمة التي تشنها كتائب ولاية الساحل، المرتبطة بتنظيم داعش، والتي استهدفت مؤخراً قافلة عسكرية في منطقة السوم، مما أسفر عن مقتل العشرات من الجنود النظاميين، وهو ما يكشف عن فجوة عميقة بين الزخم الشعبي والكفاءة القتالية، وهي الفجوة التي يمكن تفسيرها عبر نظرية المناطق الرمادية لتوماس بارنيت، التي ترى أن الأسلحة الخفيفة والتطوع الشعبي لا يمكنهما حسم المعركة في مناطق شاسعة تفتقر إلى البنية التحتية للاتصالات واللوجستيات، وبالتالي تبقى هذه البقعة الجغرافية «
رمادية، لا تسيطر عليها الدولة ولا يسيطر عليها الإرهابيون بالكامل، بل تصبح ساحة مفتوحة لعمليات الكر والفر التي تستنزف القوات الحكومية أكثر مما تبلي الجماعات المسلحة.
ومع ذلك، لا يمكننا إنكار أن النموذج البوركيني، برغم هشاشته، قد قدّم درساً مهماً لباقي دول الساحل، وهو أن القطيعة مع الغرب ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يتطلب تغييراً في البنية الفكرية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما تقوم به بوركينا فاسو اليوم على نحو متدرج تلازمه عقبات وتحديات ومهددات كثيرة ، لكنه طموح. فبينما نرى دولة مالي تغرق في صراعاتها الداخلية بين الفصائل المسلحة المتناحره ، والنيجر ترهن مستقبلها لليورانيوم، فإن بوركينا تحاول، وإن بوتيرة متعثرة، بناء دولة ثورية جديدة من تحت الرماد، تتحدى فيها كل التصنيفات الغربية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتستبدلها بمفاهيم محلية كالعدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي. وهذه المحاولة، مهما كانت نتائجها النهائية، تستحق الوقوف عندها طويلاً، لأنها تمثل، في جوهرها، اختباراً حقيقياً لما يمكن أن تكون عليه السيادة الجديدة في عصر تعدد الأقطاب، وهو الاختبار الذي لا يتوقف نجاحه على البطولات الخطابية، بل على القدرة على زراعة القمح بدلاً من استيراده، وتصنيع البندقية بدلاً من شرائها، وتدريب المعلم بدلاً من تعيين المستشارين الأجانب، وهذه مهام لا تتحقق في عام أو عامين، بل تحتاج إلى عقد كامل من الصبر والتضحية.

المقالة السابقة

قراءة وتوصيف .. احزاب الطاعة العمياء .. أحمد الزبير محجوب .. 1 / 2

المقالة التالية

من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج(كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟) .. مستشار .. احمد حسن الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *