مقدمة
دخلت الحرب السودانية في مرحلة جديدة من التعقيد، لم تعد فيها المعركة محصورة في الجبهات العسكرية داخل السودان، وإنما أصبحت القرارات والتحركات الدولية جزءاً مباشراً من موازين الصراع.
وفي هذا السياق برز المشروع الذي طرحه مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، والمتعلق بتوسيع القيود على السلاح والطيران لتشمل مناطق أوسع من السودان، في إطار مسعى أمريكي معلن للضغط باتجاه وقف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
غير أن المشروع أثار اعتراضات ومخاوف واسعة، خصوصاً من جانب السودان ومصر والسعودية وروسيا والصين، بسبب التخوف من أن يؤدي التعامل المتساوي مع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى خلق توازن عسكري مصطنع، في وقت تشهد فيه الحرب تغيراً واضحاً في موازين القوى الميدانية.
ومن هنا تبرز القضية الأساسية:
هل يمثل مشروع بولس محاولة حقيقية لوقف الحرب، أم أنه قد يؤدي عملياً إلى تجميد الصراع وإعادة إنتاجه، ومنح قوات الدعم السريع فرصة لإعادة ترتيب صفوفها؟
أولاً: الحرب السودانية لم تعد سودانية خالصة
أثبتت تطورات أكثر من عامين أن الحرب السودانية تجاوزت إطار الصراع الداخلي.
فإلى جانب القوات السودانية وقوات الدعم السريع، أصبحت هناك شبكة واسعة من التأثيرات الإقليمية والدولية، تشمل:
تدفقات السلاح.
شبكات التمويل.
الطائرات المسيّرة.
المقاتلين الأجانب.
خطوط الإمداد العابرة للحدود.
المطارات والقواعد اللوجستية في دول الجوار.
التدخلات السياسية والدبلوماسية.
وهذا يعني أن أي محاولة لإنهاء الحرب لا يمكن أن تنجح إذا ركزت على الداخل السوداني وحده، وتجاهلت مصادر القوة والإمداد الخارجية.
ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه أمام واشنطن والمجتمع الدولي هو:
هل ينبغي معالجة مصادر الحرب الخارجية أولاً، أم فرض قيود متساوية على طرفي الصراع داخل السودان؟
ثانياً: مشروع حظر السلاح والطيران
المشكلة ليست في مبدأ حماية المدنيين أو السعي إلى وقف القتال، فهذا هدف لا خلاف عليه.
لكن الإشكالية تكمن في طريقة تطبيق الحظر وتوقيته ونطاقه.
فإذا فُرض حظر شامل على السلاح والطيران في جميع الأراضي السودانية، فإن أثره العسكري لن يكون بالضرورة متساوياً على الطرفين.
القوات المسلحة السودانية تمثل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، وتمتلك سلاح الطيران، بينما تعتمد قوات الدعم السريع بدرجة أكبر على الانتشار الأرضي، والحركة السريعة، وشبكات الإمداد، والطائرات المسيّرة.
وبالتالي فإن حظر استخدام الطيران العسكري يمكن أن يؤدي إلى تغيير المعادلة الميدانية بصورة لا تتطابق بالضرورة مع الهدف المعلن، وهو حماية المدنيين.
وهنا تظهر إحدى أهم الملاحظات الاستراتيجية:
الحياد القانوني في صياغة القرار لا يعني بالضرورة الحياد في نتائجه العسكرية.
ثالثاً: لماذا اعترضت مصر والسعودية وروسيا والصين؟
أهمية ردود الفعل الدولية المناهضة للمشروع الأمريكي تكمن في أنها لم تأت من طرف واحد.
مصر
الموقف المصري يقوم بصورة أساسية على حماية وحدة السودان وسيادته ورفض إنشاء كيانات موازية للدولة السودانية.
ومن منظور الأمن القومي المصري، فإن إضعاف مؤسسات الدولة السودانية أو فرض توازن عسكري مصطنع بين الجيش والدعم السريع يحمل مخاطر مباشرة على:
أمن الحدود المصرية.
أمن البحر الأحمر.
استقرار وادي النيل.
قضية الأمن المائي.
منع انتشار الجماعات المسلحة والمرتزقة.
لذلك فإن القاهرة تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها قضية أمن قومي، وليس مجرد نزاع سياسي داخلي.
السعودية
الموقف السعودي أكثر ارتباطاً بمسارين متوازيين: وقف الحرب وحماية الدولة السودانية.
وتملك الرياض مصلحة مباشرة في استقرار البحر الأحمر، كما أنها كانت من أهم الأطراف التي رعت مسار جدة.
ومن ثم فإن السعودية تبدو أكثر ميلاً إلى تسوية تحفظ وحدة السودان ومؤسسات الدولة، مع ممارسة الضغط على الأطراف للوصول إلى وقف القتال.
روسيا
الاعتراض الروسي على مساواة الجيش السوداني بالدعم السريع يعكس مبدأ تقليدياً في السياسة الدولية الروسية، وهو التأكيد على سيادة الدول وعدم التعامل مع الجماعات المسلحة بوصفها بديلاً للدولة.
كما أن موسكو تنظر إلى السودان ضمن حسابات استراتيجية أوسع تتعلق بالبحر الأحمر والنفوذ الدولي في إفريقيا.
الصين
أما الصين، فمصالحها الأساسية تتمثل في الاستقرار، وحماية الاستثمارات، والحفاظ على سيادة الدول وعدم تفكيك مؤسساتها.
ولهذا فإن بكين لا تبدو متحمسة لأي صيغة يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الدولة السودانية أو تحويل السودان إلى ساحة لتنافس المحاور الدولية.
رابعاً: المفارقة الأمريكية
تظهر هنا مفارقة مهمة في السياسة الأمريكية.
فواشنطن تدعو إلى وقف الحرب، وهو هدف مشروع، لكنها في الوقت نفسه تواجه انتقادات بسبب عدم التركيز بالقدر نفسه على شبكات الإمداد الخارجي التي تغذي الحرب.
وقد اتهمت جهات سودانية ودولية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي هذه الاتهامات بصورة قاطعة.
ومن الناحية البحثية، ينبغي التفريق بين الاتهام السياسي والإثبات القانوني؛ لكن وجود تقارير أممية وحقوقية وصحفية متعددة حول شبكات السلاح والتمويل والمرتزقة يجعل ملف التدخل الخارجي جزءاً لا يمكن تجاهله من أي تسوية.
ومن هنا فإن السؤال الأمريكي يجب أن يكون:
كيف يمكن وقف تدفق السلاح والمرتزقة إلى السودان، وليس فقط منع الجيش السوداني من استخدام قدراته الجوية؟
خامساً: هل الحظر يمنح الدعم السريع فرصة لإعادة ترتيب صفوفه؟
هذا هو الخطر الأكثر أهمية من الناحية العسكرية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن ضغوط وانشقاقات داخل قوات الدعم السريع في عدد من الجبهات، وعن تقدم للقوات المسلحة والقوات المتحالفة معها في مناطق من كردفان ودارفور والنيل الأزرق، فإن فرض قيود واسعة على القدرات العسكرية للجيش قد يؤدي إلى تجميد موازين الحرب بدلاً من إنهائها.
وهذا يمنح الطرف الأضعف ميدانياً فرصة لإعادة:
تنظيم قواته.
استيعاب المنشقين.
إعادة بناء خطوط الإمداد.
تطوير استخدام المسيّرات.
إعادة الانتشار.
تعزيز دفاعاته في المدن الرئيسية.
وبذلك قد تتحول الهدنة من مرحلة انتقالية إلى هدنة لإعادة إنتاج الحرب.
سادساً: الرد الروسي والصيني.. نقطة تحول
تكمن أهمية الموقف الروسي والصيني في أنه يمنع تمرير أي مشروع دولي بسهولة.
فإذا رفضت موسكو وبكين مساواة الجيش السوداني بقوة مسلحة متمردة، فإن ذلك يعكس وجود انقسام داخل مجلس الأمن حول كيفية تعريف الصراع نفسه.
وهذا الانقسام مهم للغاية.
فبعض الدول ترى أن الأولوية هي وقف إطلاق النار بأي ثمن، بينما ترى دول أخرى أن وقف الحرب لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الحفاظ على مؤسسات الدولة وسيادتها.
والفارق بين الرؤيتين كبير.
سابعاً: موقف السودان.. بين قبول الهدنة ورفض تجميد الحرب
الموقف السوداني الرسمي يبدو أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى.
فالسودان لا يرفض مبدأ الهدنة الإنسانية، لكنه يرفض أن تتحول الهدنة إلى وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة لمصلحة الدعم السريع.
كما أن الحديث عن نزع سلاح الدعم السريع وإعادة دمج عناصره بعد انتهاء الحرب يختلف جذرياً عن التعامل مع القوة المسلحة باعتبارها طرفاً عسكرياً مساوياً للدولة.
وهنا تظهر قاعدة أساسية:
السلام المستدام يحتاج إلى معالجة أصل المشكلة العسكرية، لا مجرد تجميد مواقع القوات.
ثامناً: أين تقف الإمارات في المعادلة؟
الإمارات تنفي دعم قوات الدعم السريع، ولذلك ينبغي التعامل مع جميع الاتهامات الموجهة إليها وفق معيار التحقق والأدلة.
لكن استمرار ورود اسم الإمارات في التقارير الصحفية والحقوقية والأممية المتعلقة بشبكات الدعم والإمداد يجعل القضية جزءاً مركزياً من النقاش الدولي حول الحرب.
والتناقض الذي يراه الجانب السوداني هو أن الولايات المتحدة تضغط باتجاه قيود جديدة داخل السودان، بينما لا تظهر، في نظر الخرطوم، الضغوط نفسها بالوضوح ذاته على جميع الأطراف الخارجية المتهمة بتغذية الحرب.
وهذا يخلق أزمة ثقة حقيقية في الوساطة الأمريكية.
تاسعاً: هل توجد أجندة أمريكية–إسرائيلية؟
من الخطأ منهجياً القفز إلى نتيجة تقول إن المشروع الأمريكي مؤامرة إسرائيلية أو صهيونية دون أدلة مباشرة.
لكن من المشروع دراسة تقاطع المصالح.
فالسودان يقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج وتركيا ومصر وروسيا والصين، ويجاور البحر الأحمر ومصر وليبيا وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وإريتريا.
لذلك فإن مستقبل السودان ليس شأناً سودانياً فقط، بل يرتبط بإعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
والقراءة الاستراتيجية الأفضل ليست البحث عن “مؤامرة واحدة”، وإنما دراسة شبكة المصالح المتقاطعة التي قد تدفع بعض القوى إلى دعم تسوية معينة دون أخرى.
عاشراً: السعودية ومصر وتركيا وباكستان.. هل يتشكل محور جديد؟
تزايد التقارب السوداني مع السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب الموقف المصري والروسي، يشير إلى إمكانية ظهور توازن إقليمي جديد.
تركيا تمتلك علاقات تاريخية واستراتيجية مع السودان، بينما تمتلك السعودية نفوذاً مهماً في البحر الأحمر، وترتبط باكستان بعلاقات دفاعية وعسكرية متقدمة مع الرياض.
وإذا تطورت هذه العلاقات إلى شراكات أمنية ودفاعية واقتصادية حقيقية، فقد يصبح السودان أقل اعتماداً على محور واحد.
وهنا يمكن أن تتحول الأزمة السودانية من صراع على السلطة إلى إعادة تموضع استراتيجي للسودان في النظام الإقليمي.
حادي عشر: تشاد.. الجبهة التي لا يمكن تجاهلها
يمثل تشاد أحد أكثر الملفات حساسية.
فالحدود السودانية التشادية الطويلة، والامتدادات القبلية والاجتماعية، وحركة اللاجئين والأسلحة، تجعل أي تصعيد بين الخرطوم وإنجمينا ذا تأثير مباشر على الحرب.
وتزداد الخطورة إذا أصبحت الأراضي التشادية جزءاً من منظومة الإمداد أو التحرك العسكري لأي طرف.
ولهذا فإن استقرار تشاد يمثل مصلحة سودانية، والعكس صحيح.
ثاني عشر: مجلس الأمن أمام اختبار حقيقي
مجلس الأمن يواجه اليوم اختباراً مزدوجاً:
هل يستطيع وقف الحرب؟
وهل يستطيع في الوقت نفسه حماية الدولة السودانية من التفكك؟
فالقرار الذي يفرض حظراً شاملاً على السلاح والطيران دون معالجة مصادر الدعم الخارجي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
وقد يخلق حالة من توازن الضعف، حيث لا يستطيع أي طرف حسم الحرب، ولا يستطيع المجتمع الدولي فرض سلام حقيقي.
وهذه أسوأ الحالات الاستراتيجية الممكنة؛ لأنها تعني استمرار الحرب بصورة أقل كثافة ولكن لفترة أطول.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تمرير الحظر الشامل
قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في العمليات الجوية، لكنه يحمل خطر إعادة بناء قوات الدعم السريع لقدراتها البرية والمسيّرة.
السيناريو الثاني: تعديل المشروع الأمريكي
وهو السيناريو الأكثر واقعية، بحيث يتم استثناء القوات المسلحة أو ربط الحظر بوقف متزامن لتدفق السلاح والمرتزقة من الخارج.
السيناريو الثالث: فشل المشروع في مجلس الأمن
وفي هذه الحالة تستمر الحرب مع تصاعد الجهود السياسية والوساطات الإقليمية.
السيناريو الرابع: تسوية متوازنة
وهو السيناريو الأفضل، ويقوم على وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات، ونزع سلاح الدعم السريع، وإعادة بناء الدولة، ثم إطلاق عملية سياسية سودانية واسعة.
القراءة الاستراتيجية
المعركة الحالية ليست فقط بين الجيش والدعم السريع.
إنها أيضاً معركة على طبيعة الدولة السودانية المقبلة.
هل ستكون دولة موحدة ذات جيش وطني واحد ومؤسسات مركزية؟
أم دولة متعددة المراكز العسكرية والسياسية؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق أي حديث عن الهدنة.
فالسلام الذي لا يحسم قضية تعدد الجيوش لن يكون سلاماً دائماً.
والهدنة التي لا توقف التدخلات الخارجية قد تصبح مجرد فترة لإعادة التسلح.
والحظر الذي لا يطبق على جميع مصادر السلاح قد يتحول إلى أداة لإعادة توزيع القوة، وليس إلى وسيلة لإنهاء الحرب.
الخلاصة
إن مشروع مسعد بولس بشأن توسيع حظر السلاح والطيران في السودان يمثل اختباراً حقيقياً للسياسة الأمريكية تجاه الحرب السودانية.
فالولايات المتحدة أمام خيارين:
إما أن تستخدم نفوذها للوصول إلى وقف شامل للحرب عبر الضغط على جميع مصادر السلاح والتمويل والتدخل الخارجي، مع حماية المدنيين ودعم وحدة الدولة السودانية؛ أو أن تؤدي الإجراءات غير المتوازنة إلى تجميد الصراع وإعادة إنتاجه.
أما ردود الفعل المصرية والسعودية والروسية والصينية، فتشير إلى أن المجتمع الدولي ليس متفقاً على صيغة واشنطن للحل.
وفي المقابل، فإن السودان يحتاج إلى موقف دولي واضح يقوم على مبدأين متلازمين:
حماية المدنيين، وحماية الدولة السودانية.
ولا يمكن التضحية بأحدهما من أجل الآخر.
إن إيقاف الحرب لا يتحقق فقط بإسكات الطيران، وإنما بإيقاف مصادر الحرب نفسها.
كما أن إنهاء الصراع لا يعني فقط جلوس الأطراف إلى طاولة التفاوض، وإنما الوصول إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد، وسيادة واحدة.
وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية على مستقبل السودان.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
سلسلة الحرب على السودان (53) مشروع مسعد بولس وحظر السلاح والطيران في السودان: بين هدنةٍ إنسانية وإعادة تشكيل موازين الحرب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


