مقدمة
تدخل الحرب في السودان مرحلة جديدة تتداخل فيها التطورات العسكرية مع التحولات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة. فلم تعد المعارك تدور داخل الحدود السودانية وحدها، وإنما بدأت انعكاساتها تظهر بصورة مباشرة في دول الجوار، وعلى رأسها تشاد، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول مشروع أمريكي لتوسيع القيود المتعلقة بالطيران والسلاح، وتزايد الضغوط السياسية على الخرطوم.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه الجيش السوداني توسيع نطاق عملياته في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، بينما تحاول قوات الدعم السريع المحافظة على مواقعها وطرق إمدادها، في ظل تقارير متزايدة عن انشقاقات وضغوط عسكرية وتنظيمية.
وفي المقابل، يواصل المجتمع الدولي البحث عن صيغة لإنهاء الحرب، بينما يظل الحوار السوداني–السوداني أحد أهم المسارات المطروحة لإعادة بناء الجبهة الداخلية.
وهنا يبرز السؤال المركزي:
هل تتجه الحرب السودانية نحو الحسم العسكري، أم نحو حرب استنزاف مفتوحة تزداد فيها التدخلات الإقليمية والدولية؟
تشاد.. انتقال الحرب إلى ما وراء الحدود
يمثل التطور المتعلق باستهداف متحرك تابع لقوات الدعم السريع داخل الأراضي التشادية تحولاً بالغ الحساسية.
فإذا تأكدت الوقائع الميدانية المتعلقة بالغارة الجوية السودانية داخل الأراضي التشادية، فإن المسألة لا تعود مجرد عملية عسكرية عابرة، وإنما تصبح قضية مرتبطة بسيادة دولة أخرى وبأمن الحدود السودانية–التشادية.
وقد أصدر الاتحاد الأفريقي موقفاً بشأن الضربة، بينما أعلنت تشاد احتجاجها، في الوقت الذي دخل فيه الملف دائرة الاتصالات الأمريكية، مع حديث مسعد بولس عن الغارات خلال زيارته إلى تشاد.
وهنا يجب الفصل بين أمرين:
حق السودان في الدفاع عن أمنه القومي ومنع استخدام أراضي دول الجوار كمنصات للإمداد العسكري، وبين احترام سيادة الدول وعدم تحويل الحدود إلى ساحات مفتوحة للحرب.
وهذه المعادلة ستكون حاسمة في المرحلة المقبلة.
لماذا أصبحت تشاد جزءاً من معادلة الحرب؟
تاريخياً، تمثل الحدود السودانية–التشادية واحدة من أكثر المناطق حساسية في الإقليم.
فالحدود الطويلة، والتداخل القبلي، وحركة التجارة والسكان، والحرب في دارفور، كلها تجعل الفصل بين الأمن السوداني والأمن التشادي أمراً بالغ الصعوبة.
ومع استمرار الحرب، أصبحت مناطق الحدود جزءاً من شبكة أوسع لحركة السلاح والمقاتلين والإمدادات.
ومن ثم فإن أي وجود عسكري لقوات الدعم السريع داخل الأراضي التشادية، إذا ثبت، يمثل تطوراً استراتيجياً؛ لأنه يفتح الباب أمام:
توسيع نطاق الحرب خارج السودان.
زيادة التوتر بين الخرطوم وإنجمينا.
تدويل الأزمة بصورة أكبر.
منح أطراف دولية وإقليمية مبررات إضافية للتدخل.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
مسعد بولس.. الدبلوماسية أم تثبيت رواية واحدة؟
أثارت تحركات وتصريحات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس بشأن السودان جدلاً واسعاً.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن للضغط على السودان بشأن الطيران والمسيّرات، وتطالب بتقييد القدرات العسكرية، يبدو أن جزءاً مهماً من خطابها السياسي يركز على العمليات السودانية داخل الأراضي التشادية.
وهنا تظهر إشكالية دبلوماسية:
لماذا يكون التدخل السوداني المزعوم داخل تشاد محل تحرك أمريكي سريع، بينما تحتاج الاتهامات السودانية المتعلقة بعبور السلاح والمرتزقة عبر دول الجوار ومصادر الدعم الخارجي إلى معالجة أكثر تعقيداً؟
هذه ليست دعوة إلى تجاهل أي انتهاك للسيادة التشادية، وإنما دعوة إلى تطبيق معيار واحد على جميع الأطراف.
فإذا كان المجتمع الدولي يريد إنهاء الحرب، فعليه التعامل مع جميع مساراتها:
السلاح، والمرتزقة، والتمويل، والطيران، والحدود، والقواعد اللوجستية، والتدخلات الإقليمية.
حظر الطيران.. هل هو حل للحرب أم إعادة تشكيل ميزان القوة؟
يتزامن التطور التشادي مع مشروع أمريكي لتوسيع القيود على الطيران والسلاح في السودان.
وتكمن حساسية هذا المشروع في أنه يأتي في مرحلة تشهد تغيراً في ميزان القوة الميداني.
فالقوات المسلحة السودانية تمتلك سلاح الجو، وأصبح الطيران أحد أهم عناصر قدرتها على استهداف التحركات العسكرية وخطوط الإمداد.
وبالتالي فإن فرض قيود واسعة على الطيران قد تكون له نتائج مختلفة بحسب طريقة التنفيذ.
إذا استهدف الحظر جميع الأطراف ومصادر الإمداد الخارجية، فقد يكون أداة للحد من الحرب.
أما إذا أدى عملياً إلى تقليص قدرة القوات المسلحة وحدها على استخدام الطيران، بينما استمرت عمليات نقل السلاح والمقاتلين عبر الحدود بوسائل أخرى، فإن النتيجة ستكون مختلفة تماماً.
ولهذا فإن القضية ليست في شعار «وقف الطيران»، وإنما في منع استخدام المجال الجوي والحدود في دعم الحرب لصالح أي طرف.
إثيوبيا تدخل المعادلة من الشرق
لا يمكن قراءة التطورات في تشاد بمعزل عن الجبهة الشرقية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير عن إسقاط مسيّرة عبرت من جهة إثيوبيا، تستمر المعارك في النيل الأزرق، خصوصاً في محيط قيسان والكرمك.
وهذا يجعل السودان محاطاً بجبهات حدودية شديدة الحساسية:
تشاد غرباً، وإثيوبيا شرقاً وجنوباً شرقياً، وجنوب السودان جنوباً.
وكلما توسعت الحرب على الحدود، أصبح خطر تحولها إلى حرب إقليمية متعددة المسارات أكبر.
كما أن الوضع الداخلي الإثيوبي يزيد من حساسية الجبهة الشرقية، خصوصاً مع استمرار التوترات السياسية والأمنية في عدد من الأقاليم الإثيوبية.
ومن منظور الأمن القومي السوداني، فإن أي اضطراب داخل إثيوبيا يمكن أن ينتقل إلى السودان عبر الحدود، سواء من خلال اللاجئين أو السلاح أو الجماعات المسلحة أو النشاط التجاري غير الرسمي.
الجيش السوداني.. استعادة المبادرة
ميدانياً، تشير التطورات الواردة من كردفان ودارفور والنيل الأزرق إلى استمرار الضغط العسكري على قوات الدعم السريع.
ويحاول الجيش والقوات المتحالفة معه استثمار التفوق الجوي والتحسن في بعض خطوط الإمداد والتقدم البري لتوسيع مناطق السيطرة.
وفي المقابل، تسعى قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على مواقعها في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مع استمرار استخدام المسيّرات والهجمات بعيدة المدى.
لكن التطور الأكثر أهمية ليس السيطرة على منطقة بعينها، وإنما قدرة كل طرف على الحفاظ على تماسكه التنظيمي واللوجستي.
وهنا تبرز الانشقاقات باعتبارها مؤشراً لا يقل أهمية عن التطورات العسكرية.
الانشقاقات.. مؤشر على الضغوط الداخلية
تزايدت في الفترة الأخيرة الأخبار المتعلقة بانشقاق قيادات وعناصر عن قوات الدعم السريع وحلفائها.
ومع ضرورة التعامل بحذر مع الأخبار الميدانية التي يصعب التحقق المستقل من بعضها، فإن استمرار هذه التقارير، إذا تأكدت، يمكن أن يكون مؤشراً على وجود ضغوط داخلية متزايدة.
الحروب الطويلة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما تُحسم كذلك في:
تماسك القيادة، والقدرة على التمويل، والقدرة على التجنيد، والاحتفاظ بالحاضنة الاجتماعية، وتأمين طرق الإمداد.
ومن هنا فإن أي تراجع في أحد هذه العناصر يمكن أن تكون له نتائج استراتيجية أكبر من خسارة موقع عسكري منفرد.
الحوار السوداني–السوداني.. معركة سياسية موازية
في المقابل، تتواصل التحركات المتعلقة بالحوار السوداني–السوداني.
وقد أصبح هذا الحوار أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الساحة السياسية.
فبينما ترى قوى سودانية أن الحوار الداخلي يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء الدولة والجبهة الوطنية، ترى قوى أخرى أن الظروف الحالية لا توفر بيئة سياسية مناسبة له.
لكن استمرار الرفض دون تقديم بديل سوداني عملي يطرح سؤالاً مهماً:
إذا كان السودانيون يرفضون الحرب ويرفضون الحوار الداخلي، فما البديل؟
لا يمكن أن تكون الإجابة هي انتظار تسوية دولية تفرض من الخارج.
فالسودان يحتاج إلى عملية سياسية سودانية واسعة تشمل القوى السياسية والمجتمعية، والنازحين، والضحايا، والقوى الدينية والمجتمعية، والشباب والمرأة، وأصحاب المصلحة الحقيقيين.
الحوار والشرعية الشعبية
أكبر اختبار أمام الحوار السوداني–السوداني هو قدرته على الوصول إلى الأغلبية الصامتة التي تحملت تكلفة الحرب.
فهذه الأغلبية ليست بالضرورة منظمة في أحزاب أو تحالفات سياسية.
إنها المواطن الذي فقد منزله، والمزارع الذي تعطلت زراعته، والموظف الذي فقد دخله، والنازح الذي ينتظر العودة، والأسرة التي تبحث عن الأمن.
ومن هنا فإن شرعية أي حوار لن تقاس بعدد الأحزاب المشاركة فيه، وإنما بقدرته على التعبير عن مصالح المجتمع السوداني الحقيقي.
مجلس السيادة وعودة مؤسسات الدولة
ومن المؤشرات المهمة انعقاد اجتماعات مجلس السيادة داخل القصر الجمهوري في الخرطوم بعد سنوات من الحرب.
وإذا استمرت مؤسسات الدولة في العودة التدريجية إلى العاصمة، فإن ذلك يحمل رسالة سياسية وأمنية مهمة تتجاوز الجانب الرمزي.
فالعودة إلى الخرطوم تعني بدء الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة.
وهذا المسار يحتاج إلى إعادة تشغيل المؤسسات، والخدمات، والبنية التحتية، والاقتصاد، وإعادة النازحين، وتأمين العاصمة والمدن الكبرى.
السودان أمام أربعة مسارات
يمكن قراءة المرحلة الحالية من خلال أربعة مسارات مترابطة:
المسار العسكري: استمرار تقدم الجيش في بعض المحاور ومحاولات الدعم السريع المحافظة على مناطق نفوذه.
المسار الحدودي: ارتفاع مخاطر انتقال العمليات إلى تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.
المسار الدولي: تصاعد الضغط الأمريكي والتحركات داخل مجلس الأمن.
المسار السياسي: استمرار الجدل حول الحوار السوداني–السوداني.
والخطأ الاستراتيجي هو التعامل مع هذه المسارات بصورة منفصلة.
فالحرب أصبحت منظومة واحدة:
الميدان يؤثر في السياسة، والسياسة تؤثر في الميدان، والحدود تؤثر في الاثنين، والتدخل الدولي يعيد تشكيل البيئة كلها.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء التصعيد الحدودي
تنجح الاتصالات الإقليمية في منع تحول العمليات داخل تشاد أو على الحدود الإثيوبية إلى حرب مفتوحة، وتبقى الجبهات الخارجية تحت السيطرة.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية بالوكالة
تزداد عمليات نقل السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وتدخل دول الجوار بصورة أكبر، لتتحول الحرب السودانية إلى شبكة صراعات إقليمية.
السيناريو الثالث: استمرار الضغط الدولي
تواصل واشنطن الدفع باتجاه قيود واسعة على السلاح والطيران، بينما تستمر روسيا والصين ودول إقليمية في الاعتراض أو المطالبة بصيغة أكثر توازناً.
السيناريو الرابع: تقاطع الحسم العسكري مع الحوار
يؤدي تغير ميزان القوة الميداني إلى دفع الأطراف نحو حوار سوداني أكثر جدية، بحيث يصبح الحوار وسيلة لإنهاء الحرب وليس بديلاً عن معالجة أسبابها.
القراءة الاستراتيجية
إن أخطر تطور في الحرب السودانية هو انتقالها تدريجياً من حرب داخلية ذات امتدادات خارجية إلى صراع إقليمي تتداخل فيه الحدود والمصالح الدولية.
ولهذا فإن التعامل مع الضربة داخل تشاد، أو مشروع حظر الطيران، أو التطورات في إثيوبيا، أو التحركات السياسية في أديس أبابا، باعتبارها أحداثاً منفصلة، سيكون قراءة ناقصة.
السودان يقع في قلب منطقة جيوسياسية شديدة الحساسية:
البحر الأحمر، القرن الأفريقي، حوض النيل، الساحل، ووسط إفريقيا.
ومن ثم فإن استمرار الحرب يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية كلها.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن نجاح سياستها لن يقاس بعدد القرارات والعقوبات، وإنما بقدرتها على وقف تدفق السلاح والمرتزقة من جميع الجهات دون إضعاف مؤسسات الدولة السودانية.
الخلاصة
السودان يقف اليوم أمام لحظة استراتيجية حاسمة.
فالحرب تتوسع جغرافياً، والحدود أصبحت جزءاً من ميدان الصراع، والضغوط الدولية تتزايد، بينما يستمر الجيش في محاولة استعادة المبادرة، وتواجه قوات الدعم السريع ضغوطاً عسكرية وسياسية وتنظيمية متزايدة.
وفي الوقت ذاته، يظل الحوار السوداني–السوداني هو الاختبار الحقيقي لقدرة السودانيين على استعادة قرارهم السياسي.
إن المطلوب ليس حواراً مفروضاً من الخارج، ولا حرباً مفتوحة بلا نهاية، وإنما مسار سوداني جامع يستند إلى الواقع الميداني ويحمي الدولة ويعالج جذور الصراع ويمنع عودة الحرب.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بالابتعاد عن ازدواجية المعايير؛ فلا يمكن أن تكون حماية السيادة مبدأً عندما يتعلق الأمر بدولة، وأن تصبح قضية ثانوية عندما يتعلق الأمر بالسودان.
فالسلام الحقيقي يبدأ من قاعدة بسيطة:
وقف جميع التدخلات الخارجية، وتجفيف جميع مصادر السلاح، واحترام سيادة السودان ودول الجوار، وحماية المدنيين، ثم ترك السودانيين ليقرروا مستقبل دولتهم عبر حوار وطني شامل.
وفي نهاية المطاف، فإن المعركة الأهم ليست فقط معركة السيطرة على المدن، وإنما معركة الحفاظ على السودان دولةً موحدة ذات سيادة، ومنع تحويل الحرب إلى مشروع إقليمي دائم لتفكيك الدولة وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
سلسلة الحرب على السودان (55) السودان بين اتساع الحرب وتدويل الأزمة: تشاد، حظر الطيران، ازدواجية المعايير ومسار الحوار السوداني–السوداني .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


