Popular Now

السودان بين مسار الحوار وتصاعد الحرب (58) هل تتراجع مشاريع التفكيك أمام إرادة الدولة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6223 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) الرباعية والمعارضة في ماذق حرج !!

وجه الحقيقة | الصحافة لا تعود بالكلام .. إبراهيم شقلاوي

السودان بين مسار الحوار وتصاعد الحرب (58) هل تتراجع مشاريع التفكيك أمام إرادة الدولة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
دخلت الأزمة السودانية مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها التطورات العسكرية مع التحركات السياسية والدبلوماسية والإقليمية بصورة غير مسبوقة. فبينما تستمر العمليات العسكرية على عدد من الجبهات، تتقدم في الوقت نفسه فكرة الحوار السوداني–السوداني باعتبارها أحد المسارات التي يمكن أن تفتح الطريق أمام تسوية وطنية تتجاوز الاستقطاب السياسي والوصاية الخارجية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد المخاوف من اتساع دائرة الحرب خارج الحدود السودانية، ولا سيما على الجبهة الشرقية، بالتزامن مع توتر العلاقات مع إثيوبيا وظهور نقاشات جديدة حول مياه النيل وسد النهضة، في وقت تتزايد فيه الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع عبر بعض دول الجوار.
وبذلك لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة، وإنما أصبحت أزمة إقليمية ذات امتدادات جيوسياسية، ترتبط بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل وتشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا.
أولاً: الحوار السوداني–السوداني… محاولة لاستعادة القرار الوطني
أحد أهم التطورات السياسية في المشهد السوداني هو انتقال فكرة الحوار من مجرد شعار سياسي إلى محاولة لبناء مسار وطني مستقل يشارك فيه السودانيون من الداخل والخارج.
وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من كونها تسعى إلى مخاطبة القوى الاجتماعية والسياسية التي ظلت بعيدة عن مراكز القرار، وفي مقدمتها النازحون وضحايا الحرب والقيادات الأهلية والدينية والصوفية والشباب والمرأة والقوى السياسية والمدنية.
وقد أصبحت الحاجة إلى حوار داخلي أكثر إلحاحاً بعد أن أثبتت التجارب السابقة أن كثرة المبادرات الخارجية لا تعني بالضرورة الوصول إلى سلام مستدام.
فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج، وإنما يحتاج إلى توافق سوداني حول:
وحدة الدولة السودانية.
وقف الحرب.
حماية المدنيين.
نزع سلاح القوات غير النظامية.
إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية.
معالجة جذور الأزمة السياسية.
تحقيق العدالة والمساءلة.
إعادة الإعمار.
إعادة النازحين واللاجئين.
بناء نظام سياسي يستوعب جميع السودانيين.
ومن هنا فإن الحوار السوداني–السوداني يمثل اختباراً حقيقياً للنخب السودانية: هل تستطيع إنتاج حل سوداني، أم ستظل رهينة للمبادرات الخارجية؟
ثانياً: إعلان أسماء لجنة الحوار… بداية الاختبار الحقيقي
يمثل الإعلان عن أعضاء لجنة الحوار السوداني خطوة مهمة، لكنها في الوقت نفسه تضع المبادرة أمام اختبار صعب.
فالنجاح لا يتوقف على عدد المشاركين، وإنما على مدى قدرتهم على تمثيل المجتمع السوداني الحقيقي.
والتحدي الأكبر هو ألا يتحول الحوار إلى منصة جديدة للأحزاب والنخب التقليدية، بينما يتم استبعاد القوى الاجتماعية التي تحملت العبء الأكبر من الحرب.
ولهذا فإن الحوار المطلوب يجب أن يكون:
حوار مجتمع لا حوار نخبة فقط، وحوار وطن لا حوار محاور، وحوار مستقبل لا محاكمة للماضي وحده.
كما ينبغي أن يتسع للمختلفين، بما في ذلك القوى التي تنتقد الحكومة أو القوات المسلحة، ما دامت تلتزم بوحدة السودان ورفض العنف.
ثالثاً: عبد الواحد نور وموقف القوى المدنية
تأتي تصريحات عبد الواحد محمد نور الرافضة للحوار في سياق الانقسام السياسي حول طبيعة العملية السياسية.
وهنا يجب التمييز بين رفض الحوار من حيث المبدأ وبين رفض شروط أو طريقة إدارة الحوار.
فالحوار الوطني لا ينبغي أن يكون ملكاً لطرف سياسي، كما لا ينبغي أن يكون وسيلة لإعادة إنتاج الماضي.
وفي المقابل، فإن رفض الحوار بصورة مطلقة قد يؤدي إلى إطالة الحرب وإغلاق أبواب التسوية السياسية.
ومن الضروري أن تبقى أبواب الحوار مفتوحة أمام عبد الواحد نور وغيره من القوى السياسية والمسلحة، لأن السلام المستدام يحتاج إلى مشاركة واسعة، وليس إلى انتصار سياسي لطرف على آخر.
رابعاً: الكتلة الديمقراطية ومفارقة العودة إلى الماضي
إعلان الكتلة الديمقراطية أنها لن تعود إلى الماضي يعكس إدراكاً متزايداً بأن السودان لا يستطيع إعادة إنتاج الصيغة السياسية التي سبقت الحرب.
فالسودان بعد الحرب لن يكون هو السودان الذي كان قبل 15 أبريل 2023.
لقد تغيرت الخريطة الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وتغيرت أولويات المواطن السوداني.
وأصبح المواطن يريد قبل كل شيء:
الأمن، الغذاء، الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، وعودة الحياة الطبيعية.
ومن هنا يجب أن ينتقل الحوار من صراع النخب على السلطة إلى مشروع لإعادة بناء الدولة.
خامساً: الحرب في الميدان… استمرار الضغط العسكري
على المستوى العسكري، تشير التطورات اليومية إلى استمرار العمليات في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، مع محاولات كل طرف لتحسين مواقعه الميدانية.
ويمثل محور كردفان أهمية استراتيجية بالغة، لأنه يربط وسط السودان بغربه، ويشكل أحد المفاتيح العسكرية والسياسية لمعركة دارفور.
كما أن استمرار القتال في النيل الأزرق يحمل أهمية إضافية بسبب قرب المنطقة من الحدود الإثيوبية.
وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن الحرب لم تصل بعد إلى نقطة الحسم النهائي، لكنها في الوقت نفسه تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، حيث أصبح الاستنزاف والقدرة على تأمين خطوط الإمداد عاملاً حاسماً.
سادساً: الجبهة الشرقية… الخطر الذي يتجاوز حدود السودان
التطورات على الحدود السودانية–الإثيوبية تستحق اهتماماً خاصاً.
فالجبهة الشرقية ليست مجرد جبهة عسكرية جديدة، وإنما منطقة تتقاطع فيها مصالح السودان وإثيوبيا وإريتريا، فضلاً عن مصالح قوى إقليمية ودولية.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتزامن المواجهات مع اتهامات بوجود إسناد عسكري لقوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية.
وقد ظهرت تقارير عن نشاط عسكري في مناطق حدودية، من بينها الحديث عن قاعدة أسوصا، وهي معلومات تحتاج إلى التحقق المستقل قبل اعتمادها كحقائق نهائية.
لكن مجرد ظهور هذه التقارير يكشف شيئاً مهماً:
الحرب السودانية أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية عابرة للحدود.
وهذا يفرض على السودان إعادة تقييم أمنه الحدودي بصورة شاملة.
سابعاً: إثيوبيا… من أزمة الحدود إلى أزمة مياه النيل
في الوقت الذي تتوتر فيه الحدود، تظهر قضية أخرى أكثر حساسية تتمثل في مياه النيل.
فالتصريحات الإثيوبية المتعلقة بإمكان المطالبة بمقابل مالي عن مياه النيل أثارت ردود فعل غاضبة في مصر، لأنها تمس جوهر قضية تقاسم المياه والسيادة على الموارد المائية.
وتزداد حساسية الموضوع بسبب سد النهضة الإثيوبي.
فإثيوبيا ترى السد مشروعاً تنموياً واستراتيجياً لإنتاج الكهرباء والتنمية الاقتصادية، بينما تنظر مصر والسودان إلى إدارة السد وتشغيله باعتبارهما قضية مرتبطة بالأمن المائي والاستقرار الإقليمي.
ومن هنا فإن أي انتقال من مفهوم التعاون في حوض النيل إلى مفهوم تسعير المياه أو بيعها قد يؤدي إلى أزمة سياسية جديدة.
ثامناً: سد النهضة وإعادة تشكيل العلاقات المصرية–الإثيوبية
أصبح سد النهضة أحد أهم الملفات التي تعيد تشكيل العلاقات بين مصر وإثيوبيا.
فالخلاف لم يعد محصوراً في قضية السد نفسه، وإنما يتعلق بمستقبل إدارة الموارد المائية في حوض النيل الشرقي.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن السودان يقع في موقع بالغ الحساسية.
فالسودان هو الدولة الأكثر تأثراً مباشرة بالتطورات المتعلقة بالسد، بحكم موقعه الجغرافي بين إثيوبيا ومصر.
ولهذا فإن مصلحة السودان تكمن في:
حماية أمنه المائي.
ضمان سلامة السدود والمنشآت المائية.
الوصول إلى تبادل معلومات شفاف.
منع استخدام المياه كورقة ضغط سياسية.
تعزيز التعاون مع مصر وإثيوبيا.
حماية مصالحه الوطنية بعيداً عن الاستقطاب.
تاسعاً: هل تحاول إثيوبيا استغلال انشغال السودان بالحرب؟
هذا سؤال استراتيجي مشروع، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالسودان يعيش حرباً داخلية واسعة، وإثيوبيا تواجه هي الأخرى تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.
ومن ثم قد ترى بعض القوى الإقليمية أن انشغال السودان بالحرب يمثل فرصة لإعادة ترتيب ملفات الحدود والمياه والنفوذ.
لكن تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة يحتاج إلى أدلة واضحة.
والسياسة السودانية الذكية يجب ألا تقوم على الاتهام المجرد، وإنما على الرصد والتحقق وبناء الردع الدبلوماسي والعسكري في آن واحد.
عاشراً: فشل مخطط توسيع الحرب عبر الحدود
كلما اتسعت الحرب السودانية، زادت احتمالات تحولها إلى حرب إقليمية.
لكن التطورات الحالية تشير إلى أن السودان لا يزال يمتلك قدرة على منع انتقال الحرب إلى بعض دول الجوار، رغم صعوبة الظروف.
ويجب أن تكون الأولوية الاستراتيجية هي منع إنشاء ممرات ثابتة لإمداد أي طرف بالسلاح والمرتزقة عبر الحدود.
وهنا تظهر أهمية التعاون مع:
مصر، إريتريا، السعودية، تركيا، روسيا، وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا،
وفقاً لمصالح السودان وسيادته، وليس وفقاً لمحاور إقليمية متصارعة.
حادي عشر: الدعم السريع والجوار الإقليمي
تثير التقارير المتعلقة بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع قضية شديدة الحساسية.
فوجود خطوط إمداد عبر دول الجوار يمكن أن يطيل الحرب ويمنع الوصول إلى تسوية.
لكن التعامل مع هذه القضية يحتاج إلى أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية، وليس عسكرياً فقط.
ومن الضروري أن يعمل السودان على:
توثيق حركة السلاح.
توثيق حركة الطيران والشحن.
تقديم الأدلة للمنظمات الدولية.
تفعيل الدبلوماسية الثنائية.
تعزيز الرقابة الحدودية.
استخدام الآليات القانونية الدولية.
ثاني عشر: السودان أمام معادلة جديدة
المشهد الحالي يضع السودان أمام معادلة ثلاثية:
الحوار الداخلي + الحسم العسكري + الضغط الدبلوماسي.
ولا يمكن لأي مسار منفرد أن يحقق السلام.
فالحوار من دون قوة تحمي الدولة قد يتحول إلى تسوية هشة.
والعمل العسكري من دون مشروع سياسي قد يؤدي إلى حرب طويلة.
والاعتماد على الخارج قد يؤدي إلى فقدان القرار الوطني.
لذلك فإن المعادلة الأكثر واقعية هي:
قوة عسكرية لحماية الدولة + حوار وطني لصناعة السلام + دبلوماسية نشطة لحماية السيادة.
ثالث عشر: الحرب كشفت ضعف النظام الإقليمي
الحرب السودانية كشفت هشاشة النظام الأمني في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.
فالسلاح يعبر الحدود، والطائرات تنقل الإمدادات، والمرتزقة يتحركون بين الدول، بينما تعجز المؤسسات الإقليمية عن منع تدويل النزاع.
وهذا يعني أن أزمة السودان ليست اختباراً للسودان وحده.
إنها اختبار للاتحاد الإفريقي، والإيقاد، والجامعة العربية، والأمم المتحدة، والنظام الإقليمي بأكمله.
رابع عشر: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تقدم الحوار الوطني
ينجح الحوار السوداني–السوداني في استقطاب قطاعات واسعة من القوى السياسية والاجتماعية، ويتحول إلى مسار تفاوضي حقيقي.
وهذا هو السيناريو الأفضل.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب مع تقدم عسكري
يستمر الجيش في استعادة المناطق، بينما تتراجع قدرة الدعم السريع تدريجياً، لكن الحرب لا تنتهي سريعاً.
السيناريو الثالث: حرب استنزاف طويلة
تبقى خطوط القتال متحركة، ويستمر تدفق الدعم الخارجي، مما يجعل الحرب أكثر تكلفة على الدولة والمجتمع.
السيناريو الرابع: تدويل الحرب
يؤدي تصاعد العمليات عبر الحدود إلى دخول دول الجوار بصورة مباشرة، وهو أخطر السيناريوهات.
خامس عشر: الخلاصة الاستراتيجية
السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية.
فإما أن تتحول الحرب إلى بوابة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وإما أن تتحول إلى مدخل لتفكيك الدولة والمجتمع.
والحوار السوداني–السوداني يمثل فرصة مهمة لإعادة القرار إلى الداخل، لكنه يحتاج إلى الشمول والشفافية وعدم الإقصاء.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يتطلب من الدولة إدارة المعركة بصورة تمنع تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح.
أما إثيوبيا، فإن التطورات الأخيرة معها تؤكد أن السودان لا يستطيع فصل أمنه الداخلي عن أمن الحدود وأمن النيل.
ولذلك فإن السياسة السودانية المقبلة يجب أن تقوم على رؤية متكاملة:
السودان أولاً، وحدة الدولة أولاً، حماية السيادة أولاً، والسلام العادل أولاً.
إن مستقبل السودان لن تصنعه العواصم الخارجية وحدها، ولن تحدده المفاوضات الدولية، وإنما سيصنعه السودانيون عندما يتفقون على أن الدولة أكبر من الأحزاب، والوطن أكبر من المحاور، والسلام أكبر من مصالح النخب.
رسالة المقال
إذا نجح السودانيون في إدارة حوارهم من الداخل، وحافظت الدولة على تماسك مؤسساتها، وتم ضبط الحدود ومنع التدخلات الخارجية، فإن الحرب يمكن أن تتحول من مأساة وطنية إلى نقطة انطلاق لإعادة تأسيس الدولة السودانية.
أما إذا استمرت النخب في انتظار الحل من الخارج، واستمرت القوى الإقليمية في استخدام السودان كساحة للصراع، فإن الحرب قد تتحول إلى صراع مفتوح يتجاوز السودان إلى كامل إقليم القرن الإفريقي وحوض النيل.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6223 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) الرباعية والمعارضة في ماذق حرج !!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *