التحديات الاقتصادية تؤكد الحوجة الضرورية إلى بناء نموذج يخرج مستحقي الزكاة من تلقي الإعانة المؤقتة إلى مفهوم التمكين الاقتصادي، وتوفير مصدر دخل يحقق الكرامة والاستقلال الاقتصادي وفرصة تمكنه من بناء مصدر دخل دائم باعتبار هذه الشريحة أهم شرائح في المجتمع.
لعل الفكرة الأساسية في هذا الطرح هي تنمية أموال الزكاة عبر شراكات حقيقة تكون نموذج تنمويًا يسعى إلى تحويل مستحق الزكاة من متلق للمساعدة إلى صاحب مشروع ومساهم في التنمية الاقتصادية.
تقوم الفكرة الأساسية بإنشاء صندوق تنموي استثماري تخصص له نسبة من أموال الزكاة وفق الضوابط الشرعية المعتمدة عبر شراكة مصرفية، يتم توظيف هذه الأموال في مشاريع إنتاجية ذات جدوى اقتصادية واجتماعية بالشراكة مع البنوك والمؤسسات المالية تعزز فيها إعداد الدراسات الاقتصادية، وإدارة المحافظ الاستثمارية، وتقديم التمويل للمشروعات المستهدفة واختيار الفئات القادرة علي العمل والإنتاج ممن يستحقون الزكاة، تتوفر كل آليات المتابعة الصارمة والمستمرة لضمان نجاح واستدامة المشروعات ليتحول مستحقي الزكاة إلى أصحاب أملاك و منتجين وتحسين مستوى المعيشة لهم.
حتى تكتمل الفكرة في إطارها التنفيذي، تتمحور هذه الشراكة في اختيار المشاريع ذات الطابع الاقتصادي، مثلاً تشمل القطاعات الزراعية، والثروة الحيوانية، والصناعات الغذائية، والحرف المهنية الصغيرة، والتجارة والخدمات. ولتوضيح الصورة يمكن إنشاء مشروع زراعي تنموي متكامل برأس مال 10 مليون دولار يتم استصلاح الأراضي الزراعية وإنتاج المحاصيل الاستراتيجية ذات العائد الاقتصادي المرتفع وإشراك الأسر المستحقة للزكاة في مراحل الإنتاج المختلفة، بتوفير نظم الري والبذور الحديثة الجيدة والآليات الزراعية ويكون جزء من عائد المشروع مخصص للأسر المستفيدة من المشروع حتى تتمكن من دخل منتظم، بالإضافة إلى فرص العمل المباشرة التي يوفرها المشروع الزراعي من نقل وتخزين وتسويق وصناعات مرتبطة، كما يمكن للبنوك والمؤسسات المشاركة في إدارة المشروع، وتقديم الخدمات المصرفية والتمويل لتتحول الفكرة من توظيف أموال الزكاة إلى تحقيق الأثر الاقتصادي مثل خفض معدلات الفقر والبطالة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين مستوى الدخل للأسر المستفيدة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحويل الأموال من الاستهلاك المباشر إلى الاستثمار والإنتاج.
وتسهم الشراكة مع البنوك في تعزيز الحوكمة، والشفافية، وإدارة المخاطر، وتوفير الخبرات الفنية اللازمة لضمان نجاح المشروعات واستدامتها. فالمؤسسات المالية تمتلك الأدوات والقدرات التي تمكنها من إدارة الموارد بكفاءة وتحقيق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي للمجتمع.
متطلبات النجاح
إن نجاح هذا النموذج يتطلب وجود إطار شرعي واضح، ونظم رقابية فعالة، وإدارة احترافية وقياساً مستمراً للأثر التنموي. كما يحتاج إلى تعاون بين مؤسسات الزكاة، والبنوك، والقطاع الخاص والجهات الحكومية من أجل بناء منظومة متكاملة تحقق أهداف التنمية المستدامة.
القيمة الحقيقية للزكاة لا تكمن فقط في توزيع الأموال على المحتاجين، وإنما في قدرتها على بناء الإنسان وتمكينه اقتصادياً. فكل مشروع ناجح ينشأ من أموال الزكاة يمثل خطوة نحو مجتمع أكثر إنتاجاً واستقراراً وعدالة، ويجسد المعنى الحقيقي للتكافل الذي جاء به الإسلام. فالزكاة ليست إعانة تُستهلك، بل رأس مال يُستثمر لبناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة، وتحويل المحتاج اليوم إلى منتج قادر على العطاء غداً. وإذا استطاعت الزكاة أن تطعم الفقير يوماً، فإن استثمار الزكاة يستطيع أن يوفر له مصدر رزق يطعمه أعواماً، ويحول المحتاج إلى منتج والمستفيد إلى شريك فاعل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالجهاز المصرفي له تجارب ثرة في هذا المجال آخرها كانت عبر شراكة مع وزارة التربية لتحسين البيئة المدرسية فكانت نموذجا ناجحاً استطاع من خلاله توفير أربعة محاور أساسية هي الكتاب المدرسي، والإجلاس، وتدريب المعلمين والبيئة المدرسية عبر شراكة وفرت أهم احتياجات التعليم الأساسية.


