يكشف تاريخ السودان، منذ عصور الممالك و السلطنات، أن المجال الممتد غربه و المتصل بتشاد و النيجر و أفريقيا الوسطى و مالي و نيجيريا و الكاميرون و غيرها، كان فضاءً اجتماعياً و ثقافياً و اقتصادياً متصلاً، تتداخل فيه القبائل و المجتمعات و المصالح و طرق التجارة و الرعي و الهجرة. و تُظهر كتب التاريخ أن هذا المجال شهد قوى بشرية و عسكرية مؤثرة تحركت، في مراحل مختلفة، من الأطراف نحو المراكز السياسية القائمة. و هذا سياق تاريخي يخص الممالك و السلطنات القديمة، و لا ينبغي خلطه بالحركات المسلحة و التمردات في السودان الحديث.
و تقدم المهدية نموذجاً بارزاً؛ فقد اكتسبت حركة محمد أحمد المهدي قوة بشرية و عسكرية كبيرة بعد وصولها إلى كردفان و انضمام مجموعات من البقارة في دارفور و كردفان، و أسهم هذا الرصيد في إسقاط النظام و الوصول إلى الخرطوم. و بعد وفاة المهدي، تعاظم اعتماد الدولة المهدية على القوى القادمة من غرب السودان.
و لا يتكرر التاريخ بأشخاصه و قبائله، و إنما قد تتكرر بعض آلياته. فقد كان غرب السودان، في مراحل كثيرة، حائط صدٍّ للمركز و خزاناً بشرياً و عسكرياً للدفاع عنه، و لم يكن التحرك نحو المركز قاعدة ثابتة، بل ارتبط بظروف سياسية و تاريخية مختلفة.
و في السودان الحديث، تقدم حالة الدعم السريع المتمرد، و المتمرد حميدتي، نموذجاً استراتيجياً يستحق دراسة عميقة. فقد تطورت قوته من سياق حروب دارفور إلى منظومة عسكرية واسعة النفوذ و الانتشار، ذات خزان بشري متجدد، قبل تمردها في 15 أبريل 2023.
وتكمن أهمية هذه الحالة في دراسة كيفية بناء القوة و إدارتها و استمرارها: كيف جُمعت الكتلة البشرية المتنوعة، و كيف رُبطت مكوناتها و نُسقت و تناغمت حتى تحركت و قاتلت كما لو كانت جسداً واحداً؟ و كيف تشكل هذا المستوى من الولاء للمتمرد حميدتي؟
و امتد هذا الولاء إلى قطاعات من الإدارة الأهلية، من عمد و مشايخ و رؤساء عشائر، أعلنت مواقف مؤيدة له، و أسهمت في التعبئة و التجييش و إرسال أبنائها إلى القتال، حتى أصبح الولاء في هذه المنظومة للمتمرد حميدتي، و ليس للدولة و مؤسساتها. و هذه حالة ماثلة تستحق الدراسة بعيداً عن التعميم على جميع المكونات.
و يستحق الجانب العسكري دراسة مماثلة: أين و كيف جرى التدريب؟ و كيف بُنيت هذه القوة و أُديرت؟ و كيف ظهر، خاصة بعد 2019، هذا العدد الكبير من المقاتلين و هذا الحجم من السلاح و العتاد؟ و كيف استمر تدفق الخزان البشري و الإمداد العسكري؟
و تستحق حالة التخفي و الإخفاء نفسها دراسة مستقلة: كيف أمكن إخفاء تدريب أعداد كبيرة و متواصلة، و بناء قوة بهذا الحجم، و توفير الدروع و المدافع و الأسلحة ذات الكثافة النارية العالية؟ و كيف أُخفيت مناطق التدريب و مسارات الإمداد، و ما أُثير حول التدريب في دول مجاورة للسودان من جهة الغرب؟ إن إخفاء هذه التحركات و هذا العتاد و هذا العدد الكبير من القوات، رغم امتدادها لسنوات، حالة استثنائية تستحق دراسة عميقة؛ لفهم كيف غابت المؤشرات عن الجهات المختصة، و كيف يمكن منع تكرار ذلك.
و تزداد أهمية هذه الدراسة مع ما ظهر من أسلحة و عتاد في مواقع مختلفة خلال الحرب، من الخرطوم و معسكراتها إلى الصالحة و جبل موية و جبرة الشيخ و غيرها. فهذه مؤشرات على منظومة بشرية و عسكرية و لوجستية تستحق التفكيك العلمي، و مراجعة منظومة الرصد و الاستطلاع و التحليل التي كان ينبغي أن تلتقط نموها قبل تحولها إلى واقع ماثل.
من الرصد إلى الاستشراف و الاستباق
من هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز أو معهد وطني للدراسات و الاستشراف الاستراتيجي، يضم باحثين و متخصصين في التاريخ و السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و الأمن و الدراسات العسكرية و التخطيط الاستراتيجي، و يرتبط بالجامعات و المعاهد الاستراتيجية و الأمنية و مراكز الدراسات العليا داخل السودان و خارجه.
وتتمثل مهمته في رصد التحولات، و بناء قواعد المعرفة و البيانات، و دراسة المجال الإقليمي و المجتمعات المتداخلة، و تحليل الاتجاهات، و استشراف المآلات، و تقديم التقديرات لصانع القرار. و يضم قسماً متخصصاً في المجال الغربي للسودان و محيطه، يدرس الامتدادات الاجتماعية و القبلية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية و الأمنية العابرة للحدود.
ولا ينبغي أن يكون المركز مؤسسة تُنشأ مع الأزمة ثم تنتهي بانتهائها، بل ذاكرة استراتيجية حية للدولة، تعمل في السلم و الحرب، و تراكم المعرفة جيلاً بعد جيل، و ترصد مؤشرات التغير في التجنيد و الولاءات و حركة السكان و مسارات السلاح و التمويل و التجارة و الرعي و التحالفات.
ولا تختزل مهمته في الأمن؛ فالمجال المتصل غرب السودان يمثل أيضاً فرصة للتنمية و التجارة و التعليم و التواصل الثقافي. ولذلك ينبغي أن يساعد الدولة في تصميم سياسات تنموية و تعليمية تتناسب مع طبيعة الرحل و الرعاة و المزارعين في دارفور و كردفان و المناطق الحدودية.
ويشمل ذلك تعليماً مرناً و متنقلاً، يستخدم الطاقة الشمسية و الوسائل الرقمية، و يراعي مواسم الحركة و الرعي و الأمطار، مع مناهج تعزز المواطنة و التكافل و التعايش السلمي و نبذ العنف، إلى جانب خدمات تتكيف مع البيئة في المياه و الصحة و الطاقة و الزراعة و الثروة الحيوانية و الاتصالات.
الحيطة و الحذر: كلفة الوقاية أقل من كلفة الحرب
لو كان مثل هذا المركز قائماً قبل الحرب، و أدى جزءاً من هذه الوظائف، لكان من الممكن أن يكشف بعض التحولات مبكراً، و يرفع الوعي الاستراتيجي داخل مؤسسات الدولة، و يدفع نحو سياسات أكثر استباقاً.
و أمام ما دفعه السودان من أرواح أُزهقت، و أعراض انتُهكت، و ممتلكات نُهبت و دُمّرت و أُحرقت، و أسر شُرّدت، و تعليم توقف، و أجيال فقدت سنوات من عمرها، فإن أي ميزانية تُخصص للرصد و الاستشراف و الوقاية تظل متواضعة أمام كلفة الحرب.
وهنا تبرز قيمة مبدأ الحيطة و الحذر (Prudence Principle): أن تقارن الدولة كلفة الاستعداد بكلفة عدم الاستعداد، و أن تستثمر في المعرفة قبل الأزمة، و التعليم و التنمية قبل التهميش، و الاستشراف قبل المفاجأة.
فالدولة الاستراتيجية ترصد ما يحدث حولها، و تقرأ اتجاهاته، و تستشرف مآلاته؛ فتستثمر فرصه قبل أن تضيع، و تواجه مخاطره قبل أن تتحول إلى تهديد.
المعرفة بالمحيط ليست ترفاً، و الاستشراف ليس انتظاراً للمستقبل؛ إنهما استثمار في حماية البلاد و العباد و صناعة المستقبل


