Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. هل تغيّرت الطاولة أم تغيّر اللاعبون؟ (٣-٣) .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (7) نحو أي مستقبل تتجه دول الساحل الافريقي؟ .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6229 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) تابع سد النهضة ( 1164 ) : وزير مياه اثيوبي سابق ، يزيد الموقف الآحادى غير القانوني ، لبلاده سوءا !!!

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (7) نحو أي مستقبل تتجه دول الساحل الافريقي؟ .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

عندما ننظر إلى خريطة دول الساحل الافريقي اليوم ، نجد أنفسنا أمام مشهد جيوبوليتيكي أشبه بلوحة تجريدية معقدة، تتقاطع فيها خطوط العنف مع خطوط الثروة، وخطوط الصراعات الدولية القديمة مع خطوط التمددات الجديدة، وخطوط صراعات التطرف العنيف مع الحروب الممتدة من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر. فمنذ أن تغيرت انظمة الحكم في مالي وبوركينا والنيجر ، ومن تحول حكومات هذه الدول الثلاث من مجرد دول هامشية إلى كيان كونفدرالي طموح، وبعيد أن قامت جماعات التطرف العنيف جبهات قتال جديده في قلب الساحل الافريقي، ومنذ أن تحولت حرب مليشيا الدعم السريع واعوانها علي الشعب السوداني من نزاع إقليمي إلى مصدر إقليمي لتدفق الأسلحة والخبرات القتالية، أصبحت المنطقة بأكملها تخضع لعملية إعادة تشكيل عنيفة تزلزل اركانها ، ظلت ملامحها النهائية غائبة عن الجميع، حتى عن الفاعلين الأساسيين فيها. وإذا كانت مقالاتنا السابقة قد رصدت بالتفصيل الوقائع والتحولات في كل دولة من دول الساحل الافريقي على حدة، وفي كل ظاهرة أمنية مستقلة، فإن هذا المقال الختامي يهدف إلى تقديم رؤية تركيبية للمشهد برمته، ومحاولة استشراف السيناريوهات الثلاثة الأكثر ترجيحاً للمستقبل القريب ، انطلاقاً من الوقائع والشواهد الماثلة ومن المقاربات النظرية التي استعرناها طوال هذه السلسلة.
أما الماثل ، كما يخبرنا التقاطع بين مقاربات المفكرين يان شيويه تونغ وميرشايمر وبوزان وويفر ودوغين، فهو مشهد متفحص مشوب بتصاريف السياسة وانضباط الفعل الاستراتيجي، يمتلك أربع سمات وملامح جوهرية لا يمكن التغافل عنها . السمة الأولى هي أزمة السيادة المتعددة الأوجه، حيث تعاني دول الساحل الثلاث من سيادة شكلية لا تملك القدرة على فرض الاحتكار العادل للقوة على أراضيها، ولا القدرة على تحصيل الضرائب من كامل ترابها الوطني، ولا القدرة على تقديم الخدمات الأساسية لغالبية سكانها، مما يجعل سيادتها أشبه بالعلم الذي يرفرف فوق المؤسسات الحكومية، بينما الأرض الفعلية مقسمة بين حكام محليين وزعماء قبائل وجماعات تطرف عنيف وتجار أسلحة وعصابات جريمة منظمة ، وهو ما يعيد إنتاج نموذج الدولة الهشة الذي حذر منه المنظر توماس بارنيت، بان تصبح المنطقة بكاملها رمادية، لا يسيطر عليها طرف يحتكر ادوات العنف ، وانما ساحة مفتوحة لكل الأطراف تتناوشها موجات الصراع ودوامة المجهول . والسمة الثانية هي بروز التنافس الدولي المتصاعد من قبل الدول المؤثره على الموارد والجغرافيا ؛ فهذه البقعة من افريقيا التي لا تتجاوز مساحتها أربعة ملايين كيلومتر مربع، تضم أكبر احتياطيات اليورانيوم في ، وثروات هائلة من الذهب والمنجنيز والنفط، إضافة إلى أنها تشكل ممراً جيوستراتيجياً بين شمال وجنوب القارة، وهو ما جعلها مسرحاً لصراع ناعم بين القوى التقليدية كفرنسا التي تخسر نفوذها، والقوى الصاعدة كروسيا التي تعزز حضورها العسكري، والصين التي توسع استثماراتها الاقتصادية بهدوء، وأمريكا التي تحتفظ بقواعدها الاستخباراتية سراً، كل ذلك في سباق محموم يذكرنا بسباق تقاسم إفريقيا في القرن التاسع عشر بعيد مؤتمر برلين المشوؤم ، لكنه هذه المرة يستخدم أدوات أكثر تطوراً وأقل وضوحاً واكثر تعقيدا .
والسمة الثالثة هي تداخل التطرف العنيف المحلي مع الصراعات الإقليمية، حيث لم يعد التطرف في الساحل الأفريقي محض ظاهرة داخلية لدول الساحل، وانما جزءاً من شبكة تطرف عنيف تمتد من بحيرة تشاد إلى القرن الإفريقي، ومن الصحراء الكبرى إلى السافانا، كما رأينا في المقالين الخامس والسادس، حيث تتدفق الأسلحة من السودان إلى مالي، ويمر المقاتلون من ليبيا إلى النيجر ثم السودان كمرتزقة اجانب يقدمون خدمات قتل الشعب السوداني لصالح مليشيا الدعمالسريع واعوانها، وتنتقل الخبرات القتالية من الصومال إلى بوركينا، في منظومة معقدة متدفقة لا يمكن فهمها إلا من خلال نظرية مجمع الأمن الإقليمي لبوزان وويفر، التي تعلّمنا أن الحدود السياسية في إفريقيا لا تتوافق مع الحدود الأمنية الحقيقية، وأن التهديدات تنتقل بحرية أكبر بكثير من قدرات الدول على احتوائها. والسمة الرابعة هي الأزمة الإنسانية الصامتة؛ فبينما تركز وسائل الإعلام على العمليات العسكرية والخطاب السياسي ، يعيش عشرات الملايين من الناس في منطقة الساحل الافريقي على حافة المجاعة، ويعاني أكثر من نصف سكان المنطقة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويضطر الملايين إلى النزوح الداخلي والهجرة غير النظامية نحو الشواطئ الأوروبية، في كارثة إنسانية هي الأكبر في القارة، لكنها تظل خارج دائرة الاهتمام الدولي لأنها لا تنتج صوراً دراماتيكية كالحروب المفتوحة، بل تنتج موتاً بطيئاً يومياً في قرى منسية لا يصلها إعلام ولا مساعدات كافية.
وانطلاقاً من هذه السمات الأربع، يمكننا رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل المنطقة، يختلف كل منها في درجة التفاؤل أو التشاؤم، وفي طبيعة التحولات المتوقعة. السيناريو الأول، وهو الأكثر تشاؤماً، يمكن أن نسميه سيناريو «التفكك الكامل»، وفيه تفشل كل محاولات بناء الدولة الوطنية في مالي وبوركينا والنيجر، وتتحول هذه الدول إلى كيانات متجزئة منقسمة علي نفسها وفقا لأسس عرقية أو مناطقية، حيث تسيطر حركة ازواد وجماعات الطوارق على شمال مالي، وتسيطر جماعات التطرف العنيف على الحواف الشرقية والغربية للنيجر، وتنهار مؤسسات الدولة المركزية ، وتتحول العواصم باماكو وواغادوغو ونيامي إلى جيوب محاصرة تفتقر إلى الأمن والغذاء. وفي هذا السيناريو، يتوقف تحالف دول الساحل عن الوجود عملياً، وتتحول المنطقة إلى ساحة صراع وتنازع مفتوح بين الدول الكبرى وفقا لاستراتجياتها المتعارضة ، تتدخل فيه روسيا لدعم أنظمة متبقية، وتدخل فيه فرنسا لتدعم فصائل معينة، وتستخدمه الصين كورقة ضغط في مفاوضاتها التجارية، بينما تصبح جماعات التطرف العنيف بما فيها ، في غياب أي سلطة مركزية، هي الفاعل الأقوى على الأرض، ممتدة من المحيط الاطلسي إلى البحر الأحمر، ومتحالفة مع المليشيات في تشاد ونيجيريا، وهو سيناريو يحمل في طياته خطر تحويل غرب إفريقيا إلى نسخة جديدة من الصومال بعد انهيار الدولة، أو أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي، مع كل ما يعنيه ذلك من موجات نزوح وهجرة جماعية وانتشار للإرهاب إلى أبعد من حدود المنطقة.
السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً في تقدير المحللين الواقعيين، يمكن أن نسميه سيناريو الجمود الهش ، وفيه تستمر الأنظمة العسكرية الحالية في الحكم، مع قدرة محدودة على استعادة السيطرة على جزء من الأراضي التي فقدتها، بمساعدة عسكرية روسية وغطاء اقتصادي صيني، لكنها تظل عاجزة عن حل الأزمات الجذرية المتمثلة في الفقر المدقع، والبطالة المتفشية، وتدهور الخدمات الأساسية. وفي هذا السيناريو، يستمر تحالف دول الساحل كإطار سياسي جامع، لكن دون قدرة حقيقية على التنسيق العسكري أو الاقتصادي، حيث تنشغل كل دولة بأزمتها الداخلية، وتظل العلاقات بينها متوترة على خلفية التنافس على الموارد والنفوذ. كما يستمر الصراع المتطرف العنيف ، لكنه يتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، لا يتحقق فيها انتصارا حاسما، ولا تستطيع الحكومات القضاء عليهم، فيما تظل هذه الجماعات منقسمة بين تنافس القاعدة وداعش، مما يقلل من خطر توحيدها، لكنه يزيد من عمليات العنف العشوائية ضد المدنيين. وفي هذا السيناريو، تظل المنطقة رمادية كما وصفها بارنيت، أي ليست تحت سيطرة الدولة ولا تحت سيطرة الفوضى الكاملة، بل تعيش في حالة من التوازن الهش الذي قد ينقلب في أي لحظة نحو الأسوأ، خاصة إذا تعرضت المنطقة لصدمة خارجية، كجفاف ممتد، أو انهيار في أسعار السلع الأولية، أو تصعيد عسكري إقليمي جديد.
السيناريو الثالث، يمكن أن نسميه سيناريو النهضة الذاتية، وفيه تنجح الحكومات فى كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر في تحويل خطابها إلى سياسات تنموية حقيقية، عبر الاستفادة من عائدات النفط والمعادن لانشاء بنية تحتية تعليمية وصحية وزراعية، وكسر حلقة التبعية الاقتصادية من خلال التصنيع المحلي، وتشكيل جيوش وطنية مهنية قادرة على حماية الحدود دون الاعتماد الكامل على المرتزقة الأجانب. وفي هذا السيناريو، يتحول تحالف دول الساحل من مجرد تحالف دفاعي إلى سوق مشتركة حقيقية، تتكامل فيها اقتصادات الدول الثلاث، وتوحد عملتها، وتنسق سياساتها الخارجية، لتصبح قطباً إقليمياً جديداً قادراً على التفاوض مع الدول الكبرى من موقع قوة، بدلاً من موقع الضعف والاستجداء. كما قد يحدث، في هذا السيناريو، تقارب بين دول الساحل والحكومة السودانيه لمواجهة التحديات المشتركة، وخاصة في ملف تهريب الأسلحة والجريمة المنظمة وقمع حركة المرتزقة الاجانب لصالح مليشيا الدعم السريع والحد من تمدد جماعات التطرف العنيف ، وهو ما قد يعيد رسم خريطة التحالفات في شمال إفريقيا بأكملها. لكن هذا السيناريو، كما يقر به حتى أكثر المتفائلين، يواجه عقبات جسيمة، أبرزها غياب الكوادر القادرة على إدارة التنمية، وفساد النخب التي قد تتحول إلى طبقة حاكمة جديدة تستنزف الثروات بدلاً من استثمارها، وضعف التماسك الاجتماعي الداخلي الذي يجعل أي مشروع وطني عرضة للاختراق من قبل المخابرات الغربية المؤثرة وصراع الفصائل القبلية والجهوية.
وبين هذه السيناريوهات الثلاثة، يظل السؤال الأصعب معلقاً دون إجابة قاطعة: هل تملك دول الساحل اليوم إرادة حقيقية لتجاوز أزمتها، أم أنها مجرد رهينة لصراعات لا نهاية لها، تحركها أيادٍ خارجية وتغذيها تناقضات داخلية لا حل لها في الأفق المنظور؟ إن النظريات التي استعرناها طوال هذه السلسلة، من يان شيويه تونغ إلى ميرشايمر، ومن دوغين إلى بوزان وويفر، لم تكن لتقدم لنا إجابة واحدة، بل قدمت لنا أدوات لفهم التعقيد، وأكدت لنا أن الساحل اليوم ليس مجرد منطقة أزمات عابرة، بل هو مرآة عاكسة للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي برمته، حيث يتراجع الغرب ببطء، وتصعد الشرق بتردد، وتفشل الدولة الوطنية في توفير الأمان لمواطنيها، وترتفع موجات الهوية والصراع الديني والعنف المسلح. وفي هذا السياق، يظل الرهان الأكبر على الشعوب نفسها، على قدرتها على الصبر والمقاومة اليومية، وعلى التمسك بالأمل رغم كل الظروف القاسية، لأن التاريخ، كما علمتنا تجارب الأمم، لا يكتبه الجنرالات والساسة وحدهم، بل تكتبه كذلك تلك الأمهات اللواتي يربين أبناءهن على قيم العيش المشترك، وأولئك الفلاحين الذين يعودون إلى حقولهم رغم نيران القنابل، وتلك الكوادر الوطنية التي تتعلم في الخارج وتعود لبناء بلادها، وكل من يؤمن بأن هذه البقعة من الأرض، التي عرفت أعظم الإمبراطوريات، قادرة مرة أخرى على انتشال نفسها من الرماد، شريطة أن تجد من يحمل المشعل في وسط هذا الظلام.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6229 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) تابع سد النهضة ( 1164 ) : وزير مياه اثيوبي سابق ، يزيد الموقف الآحادى غير القانوني ، لبلاده سوءا !!!

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. هل تغيّرت الطاولة أم تغيّر اللاعبون؟ (٣-٣) .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *