Popular Now

السودان بين تصاعد الحرب، وتدويل خطوط الإمداد، واختبار الحوار السوداني–السوداني (63) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6231 (بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور) الفرق بين “الاجماع” ، وهو ما يعرقل التسوية السياسية ، و “التوافق” ، وهو المطلوب !!! “ترجمة المنشور 6231 للغة الانجليزية مرفقة”

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. عقدة الإسقاط النفسي .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان بين تصاعد الحرب، وتدويل خطوط الإمداد، واختبار الحوار السوداني–السوداني (63) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
يدخل السودان مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها ثلاثة مسارات بصورة غير مسبوقة: الميدان العسكري، والحوار السوداني–السوداني، والضغط الإقليمي والدولي. وفي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية على جبهات متعددة، تتزايد المؤشرات على اتساع البعد الخارجي للحرب، خصوصاً في ما يتعلق بالسلاح والطائرات المسيّرة والمقاتلين الأجانب وشبكات الإمداد العابرة للحدود.
وفي المقابل، يبرز الحوار السوداني–السوداني من الداخل بوصفه محاولة لإعادة القرار السياسي إلى السودانيين أنفسهم، بعيداً عن تعدد المنابر الخارجية التي لم تنجح، حتى الآن، في إنهاء الحرب.
والأخطر أن الأزمة العسكرية بدأت تنتقل بصورة أكبر إلى الأزمة الاقتصادية والمعيشية؛ إذ أصبح انهيار الجنيه وارتفاع أسعار الغذاء والوقود يمثلان تهديداً موازياً للحرب العسكرية، بما يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته “حرب التجويع غير المباشرة” إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة لتأمين الغذاء والأسواق.
أولاً: الحوار السوداني–السوداني.. هل بدأت المعركة السياسية الحقيقية؟
يظل التطور الأبرز في المشهد السوداني هو محاولة إطلاق حوار سوداني–سوداني من داخل السودان، تديره شخصيات سودانية مستقلة، بعيداً عن الوصاية الخارجية.
وقد رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي في 31 أغسطس بالمبادرة، ودعت إلى أن تشمل المشاورات جميع القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، وأن تكون العملية سودانية الملكية والقيادة. �
African Union
كما أعلنت اللجنة التحضيرية أن هدفها فتح طريق لحل سوداني للأزمة، يقوم على التوافق الوطني ورفض الإملاءات الخارجية. �
سونا
والأهم أن القيادة السودانية اتخذت خطوة عملية بإزالة أحد أكبر مخاوف المشاركين من الخارج؛ فقد صدر قرار بإسقاط البلاغات التي رفعتها الدولة ضد سياسيين سودانيين في الخارج بسبب مواقف أو آراء سياسية، مع توفير ضمانات إجرائية للمشاركين في الحوار. �
Sudan Tribune
وهنا يبرز السؤال:
إذا كانت الحكومة قد قدمت ضمانات قانونية، وإذا كان الاتحاد الأفريقي قد رحب بالمبادرة، فلماذا ترفض بعض القوى السياسية الحوار من الداخل؟
يمكن تفسير الرفض بثلاثة احتمالات:
الخشية من أن يتحول الحوار إلى منصة تمنح شرعية سياسية للسلطة القائمة.
التمسك بالمسارات الخارجية باعتبارها أكثر قدرة على الضغط على أطراف الحرب.
الخلاف الحقيقي حول شكل الدولة ومستقبل المؤسسة العسكرية وترتيبات ما بعد الحرب.
لكن في المقابل، فإن الحوار الداخلي لا ينبغي أن يكون حواراً حكومياً، بل حواراً وطنياً مستقلاً تشارك فيه القوى السياسية والمدنية والإدارات الأهلية والشباب والمرأة والمجتمع المدني، مع استبعاد من ثبت تورطه في الجرائم، وليس إقصاء القوى السياسية لمجرد اختلافها.
وهنا تكمن أهمية فلسفة “دعاة لا قضاة”: الحوار ليس محكمة سياسية، وإنما وسيلة لإنقاذ الدولة.
ثانياً: الحرب تدخل مرحلة جديدة.. من الحرب الداخلية إلى الحرب العابرة للحدود
المؤشرات الأخيرة تؤكد أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين طرفين سودانيين داخل الحدود.
فقد كشفت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة عن حجم متزايد للمشاركة الأجنبية، بما في ذلك مقاتلون ومتعاقدون أجانب وشبكات نقل أسلحة وطائرات مسيرة. وأشارت أحدث التقارير إلى توثيق انتشار ما يصل إلى 2000 متعاقد عسكري كولومبي سابق عملوا على تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية وأنظمة أسلحة متقدمة إلى جانب قوات الدعم السريع. �
Reuters +١
وهذا التطور بالغ الخطورة؛ لأنه يعني أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة أصبحت جزءاً مركزياً من الحرب السودانية.
كما سبق أن كشفت تقارير أممية عن استخدام شبكات جوية عابرة لعدة دول لنقل السلاح والمقاتلين والمرتزقة إلى قوات الدعم السريع. �
Reuters +١
وبالتالي فإن السؤال لم يعد:
من يملك السلاح داخل السودان؟
بل أصبح:
من يصنع شبكة الإمداد التي تجعل الحرب مستمرة؟
ثالثاً: الإمارات.. من الاتهام السياسي إلى الاختبار الأممي
أصبحت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع أكثر حضوراً في النقاش الدولي.
وهنا يجب التمييز علمياً بين الاتهام السياسي، والدليل الصحفي، والتحقيق الدولي، والإدانة القضائية.
فمنظمة هيومن رايتس ووتش نشرت تحقيقاً حول الدور الإماراتي في نشر مقاتلين كولومبيين ودعم قوات الدعم السريع، بينما أظهرت تحقيقات وتقارير دولية لاحقة وجود شبكات مرتبطة بنقل السلاح والمقاتلين. �
مراقب حقوق الإنسان
كما أن تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية المنشور حديثاً يتحدث عن شبكات خارجية أسهمت في استمرار الحرب، مع الإشارة إلى الإمارات وتشاد وكولومبيا وغيرها، مع استمرار نفي الإمارات لدعمها العسكري للدعم السريع. �
Reuters +١
لذلك فإن التطور المهم ليس مجرد تكرار الاتهام، وإنما تراكم الأدلة والتقارير المستقلة.
وهنا يصبح من الضروري أن تكون المطالبة السودانية واضحة:
إذا كانت هناك اتهامات موثقة بدعم عسكري خارجي لأي طرف، فيجب التحقيق فيها وفق آليات دولية مستقلة، لا التعامل معها بمنطق الانتقائية السياسية.
رابعاً: تقرير الخبراء الأممي.. لماذا يمثل محطة مهمة؟
يمثل تقرير لجنة الخبراء الخاصة بنظام العقوبات على السودان أحد الملفات الأكثر حساسية في المرحلة الراهنة.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن اللجنة قدمت تقريرها النهائي في يوليو، بينما ظل التقرير غير منشور على نطاق واسع حتى بداية سبتمبر، في وقت يستعد فيه مجلس الأمن للنظر في تجديد نظام العقوبات الخاص بدارفور. �
Security Council Report
وهنا يجب التعامل مع أي حديث عن تعطيل التقرير أو الضغط على آلية الخبراء بحذر، وعدم تحويل الادعاء إلى حقيقة قبل ظهور الوثائق الرسمية.
لكن إذا ثبت أن التقرير يحتوي على أدلة موثقة بشأن خرق حظر السلاح، فإن نشره سيكون مهماً ليس فقط للسودان، وإنما لمصداقية نظام العقوبات الدولي نفسه.
خامساً: من النيجر إلى السودان.. هل هناك شبكة إقليمية واحدة؟
من أخطر التطورات التي تحتاج إلى دراسة هادئة ما يتعلق بتدفق المعدات العسكرية عبر دول الجوار.
فالحدود السودانية مع تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا أصبحت جزءاً من مسرح الحرب.
والحديث عن وجود معدات إماراتية في دول مجاورة أو انتقالها إلى السودان يحتاج في كل حالة إلى التحقق من الطراز، والمصدر، ومسار النقل، والمستخدم النهائي قبل بناء استنتاج استراتيجي.
لكن الثابت أن الحرب السودانية أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على شبكات إمداد إقليمية ودولية، وهو ما يجعل ضبط الحدود جزءاً من الحل السياسي والعسكري.
سادساً: إثيوبيا.. الجبهة الشرقية التي لا يجوز إغفالها
تتزامن التطورات العسكرية في النيل الأزرق مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بين السودان وإثيوبيا حول دعم قوات الدعم السريع.
وهنا تظهر خطورة الموقع الجغرافي لإثيوبيا؛ فهي ليست مجرد دولة جوار، بل دولة ترتبط بالسودان بثلاثة ملفات استراتيجية:
الحدود.
المياه وسد النهضة.
الأمن الإقليمي.
وتزداد حساسية الملف مع استمرار الحرب في النيل الأزرق، وقرب مناطق القتال من الحدود الإثيوبية.
لذلك فإن استقرار الحدود الشرقية للسودان يجب أن يصبح جزءاً من الأمن القومي العربي والأفريقي، وليس مجرد قضية سودانية–إثيوبية ثنائية.
سابعاً: الأزمة الاقتصادية.. الخطر الذي قد يسبق الرصاص
ربما يكون أخطر ما يواجه السودان الآن هو أن تتحول الحرب من تدمير المدن والبنية التحتية إلى تدمير القدرة الشرائية للمواطن.
فقد وصل سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات قياسية تجاوزت 7000 جنيه للدولار في بداية سبتمبر، وفق تقارير السوق، مع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي. �
Sudan Tribune
وكانت الحكومة قد شكلت بالفعل خلية لإدارة أزمة سعر الصرف برئاسة وزير المالية، مع التركيز على زيادة الإنتاج في قطاعات الزراعة والتعدين والثروة الحيوانية، وتشجيع الصناعات التحويلية وزيادة الصادرات. �
السودان
لكن المشكلة أعمق من سعر الصرف.
فأسعار الذرة الرفيعة والدخن ارتفعت في يونيو بمتوسطات كبيرة، وأصبحت في المتوسط تقارب سبعة أضعاف مستويات ما قبل الحرب في مارس 2023، بحسب منظمة الأغذية والزراعة. �
FAOHome +١
وهنا يجب إطلاق إنذار اقتصادي واضح:
لا يكفي أن تنتصر الدولة عسكرياً إذا انهارت قدرتها على إطعام المواطن.
ولهذا يجب أن تصبح معركة الغذاء جزءاً من استراتيجية الدولة للحرب.
ثامناً: هل السودان مقبل على أزمة غذاء أكبر؟
الجواب يتوقف بدرجة كبيرة على ثلاثة عوامل:
1. الإنتاج المحلي
يجب حماية الموسم الزراعي وتأمين الوقود والمدخلات والأسواق ومناطق الإنتاج.
2. الاستيراد
السودان يحتاج إلى تأمين واردات استراتيجية من الحبوب، خصوصاً القمح والذرة، بأسعار وشروط تمويل مناسبة.
3. المخزون الاستراتيجي
يجب إنشاء مخزون حكومي حقيقي من الحبوب، بدلاً من ترك الأمن الغذائي بالكامل لتقلبات السوق.
أما التعويل على أن انخفاض أسعار الحبوب عالمياً سيحل المشكلة تلقائياً فهو غير كافٍ؛ لأن تكلفة الغذاء في السودان لا تتحدد بسعر السلعة العالمية وحده، وإنما تشمل النقل، وسعر الدولار، والتأمين، والتمويل، والرسوم، ومخاطر الحرب.
ومن المهم أيضاً الحذر من الرهان المطلق على الهند كمصدر للغذاء، إذ تشير أحدث التوقعات إلى أن الهند نفسها تواجه ضعفاً في أمطار سبتمبر بعد نقص واضح في أمطار أغسطس، بما قد يؤثر في إنتاج بعض المحاصيل وقدرات التصدير. �
Reuters
تاسعاً: السودان أمام معادلة ثلاثية
يمكن تلخيص المشهد الراهن في ثلاث معارك مترابطة:
المعركة الأولى: معركة الميدان
وتتمثل في استمرار العمليات العسكرية ومحاولة الجيش استعادة المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
المعركة الثانية: معركة السياسة
وهي الحوار السوداني–السوداني، ومحاولة بناء توافق وطني حول مستقبل الدولة.
المعركة الثالثة: معركة الاقتصاد
وهي منع انهيار العملة والأسواق والغذاء والخدمات.
والخطأ الاستراتيجي هو التعامل مع هذه الملفات منفصلة.
فالجيش يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل الدولة، والاقتصاد يحتاج إلى أمن، والسلام يحتاج إلى دولة موحدة ومؤسسات وطنية.
عاشراً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تقدم الحوار بالتوازي مع تقدم ميداني
وهو السيناريو الأكثر إيجابية، حيث يؤدي الضغط العسكري إلى تحسين شروط التفاوض، بينما يوفر الحوار مخرجاً سياسياً.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب والاستنزاف
وهو الأخطر؛ إذ تستمر الأطراف في القتال بينما تتدهور الدولة اقتصادياً وإنسانياً.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي
إذا استمرت خطوط الإمداد عبر دول الجوار، فقد تتحول الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع، خصوصاً على الحدود الشرقية والغربية.
السيناريو الرابع: تسوية خارجية مفروضة
وهو السيناريو الذي قد ينتج اتفاقاً سريعاً لكنه لا يعالج جذور الأزمة، وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة.
الخلاصة الاستراتيجية
السودان يقف اليوم أمام اختبار الدولة وليس مجرد اختبار الحرب.
فالمعركة لم تعد فقط حول مدينة أو إقليم؛ وإنما حول:
وحدة الدولة، وسيادتها، وقرارها الوطني، وحدودها، واقتصادها، وأمنها الغذائي، وشكل نظامها السياسي بعد الحرب.
ومن هنا فإن الحوار السوداني–السوداني من الداخل يمثل فرصة ينبغي ألا تضيع، لكنه لن ينجح إلا إذا كان مستقلاً، شاملاً، سوداني القيادة، واضح الأجندة، ولا يتحول إلى منصة لإقصاء طرف أو منح الشرعية لطرف آخر.
وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع الحرب السودانية بمنهج واحد: منع تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب إلى جميع الأطراف، والتحقيق في مصادر الدعم الخارجي، وحماية المدنيين، دون انتقائية أو ازدواجية.
أما اقتصادياً، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح الدولة في تحقيق مكاسب عسكرية بينما يفشل الاقتصاد في توفير الغذاء والدواء والوقود.
ولهذا فإن تأمين الحبوب يجب أن يصبح قراراً سيادياً عاجلاً، عبر الإنتاج المحلي، والاستيراد المنظم، والمخزون الاستراتيجي، وتفعيل علاقات السودان مع الدول المنتجة، ومواجهة المضاربة والتهريب.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى نهاية للحرب؛ بل يحتاج إلى نهاية للأسباب التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار.
وفي هذه اللحظة التاريخية، تبدو المعادلة واضحة:
الحوار لإنقاذ السياسة، والجيش لحماية الدولة، والاقتصاد لإطعام الشعب، والدبلوماسية لوقف التدخل الخارجي.
وهذه هي معركة السودان الحقيقية في المرحلة المقبلة.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6231 (بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور) الفرق بين “الاجماع” ، وهو ما يعرقل التسوية السياسية ، و “التوافق” ، وهو المطلوب !!! “ترجمة المنشور 6231 للغة الانجليزية مرفقة”

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *