Popular Now

وجه الحقيقة | حكاية اللبن المغشوش.. إبراهيم شقلاوي

لا تهدموا البيوت فإنها مبنية بعلمِ الله وخبرته .. د. احمد الطيب السماني

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (5) .. حفتر يساند مليشيا الدعم السريع .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (5) .. حفتر يساند مليشيا الدعم السريع .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يعد الصراع محصوراً داخل حدوده الجغرافية، بل سرعان ما تمددت ارتداداته إلى الفضاء الإقليمي، ليتحول الشرق الليبي إحدى أهم منصات الإسناد الخلفي لمليشيا الدعم السريع . وفي مشهد يجسد تعقيدات التفاعلات الجيوسياسية، برزت قوات المشير خليفة حفتر، بدعم وتحفيز إماراتي، بوصفها طرفاً فاعلاً في توفير الوقود والسلاح والدعم اللوجستي لمليشيا الدعم السريع، وصولاً إلى تقارير موثقة بالمشاركة المباشرة في عمليات عسكرية داخل الأراضي السودانية جنبا الى جنب مع المليشيا . ويكشف هذا التشابك بين الأزمتين الليبية والسودانية عن ملامح لعبة إقليمية واسعة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية مع رهانات النفوذ، لتعيد رسم موازين القوة في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، وتفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود الدولتين إلى الإقليم
منذ الأيام الأولى للحرب، توالت الاتهامات الموجهة إلى قوات المشير خليفة حفتر بتقديم دعم عسكري ولوجستي لمليشيا الدعم السريع، غير أن مسار الحرب حوّل تلك الاتهامات تدريجياً إلى وقائع مدعومة بتقارير وتحقيقات دولية. ففي نوفمبر 2025، أصدرت منظمة “ذا سنتري” الأمريكية تقريراً مفصلاً خلص إلى أن قوات حفتر مثلت أحد أهم مصادر إمداد لمليشيا الدعم السريع بالوقود طوال فترة الحرب.
وتشير المعطيات إلى أن الجزء الأكبر من هذه الإمدادات اعتمد على شبكات تهريب غير مشروعة للوقود ، الأمر الذي وفر لمليشيا الدعم السريع القدرة على المناورة داخل المساحات الشاسعة لإقليم دارفور، والمحافظة على زخم عملياتها العسكرية. ولم يتوقف الدعم عند حدود الوقود، بل امتد ليشمل تسهيل حركة الأسلحة والمرتزقة الأجانب، إذ كشف تحقيق لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن استخدام الجناح العسكري لمطار الكفرة في جنوب شرق ليبيا، الخاضع لنفوذ قوات حفتر، كنقطة عبور لتدريب ونقل مرتزقة كولومبيين إلى السودان ضمن عمليات إسناد لقوات المليشيا .
أما التطور الأكثر حساسية، فتمثل في الوقائع المتعلقة بالمشاركة العسكرية المباشرة. ففي يونيو 2025 أعلنت القوات المسلحة السودانيه أن قوات حفتر شاركت بصورة مباشرة في الهجوم الذي استهدف قواته بمنطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر، بالتنسيق مع قوات الدعم السريع. كما أشارت وثائق متداولة إلى قيام الإمارات بتوجيه قوات حفتر لتحريك وحدات من معسكر (87) بمدينة بنغازي، ودفع مئات المركبات العسكرية دعماً للهجوم الذي انتهى بسيطرة قوات الدعم السريع على المثلث الحدودي ذي الأهمية الاستراتيجية، وهي عملية يرى كثير من المراقبين أنها ما كانت لتتحقق ، لولا الدعم الذي وفرته قوات حفتر والرعاية الإماراتية، إلى جانب أدوار نُسبت إلى أطراف دولية أخرى.
يثير حجم الاستثمار الإماراتي في دعم مليشيا الدعم السريع عبر الأراضي الليبية تساؤلات جوهرية حول الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراء هذا المخطط الاثم .
فمنذ عام 2014، ارتبط دعم أبوظبي لقوات المشير خليفة حفتر بمشروع إقليمي أوسع يقوم على بناء شبكات نفوذ تمتد عبر شمال أفريقيا والساحل والقرن الأفريقي. وفي هذا السياق، برزت قاعدة الكفرة باعتبارها مركز ثقل لوجستية رئيسية لتجميع ونقل الإمدادات العسكرية لصالح مليشيا الدعم السريع، وتحولت إلى نقطة ارتكاز داخل شبكة إقليمية تربط الخليج العربي بعمق القارة الأفريقية.
ولا تتوقف دوافع هذا المخطط عند الاعتبارات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية، وفي مقدمتها السيطرة على مسارات الذهب والمعادن، وما يرتبط بها من شبكات التجارة والتهريب ومن ثك ربطها باستراتجية الامارات بالاستحواذ علي الموانيء . كما يأتي هذا الدعم ضمن سياق تنافس إقليمي أوسع مع قوى أخرى فاعلة في المنطقة، بما يجعل السودان ساحة معترك اساسي لإعادة توزيع النفوذ. ومن هذا المنظور، فإن إضعاف مؤسسات الدولة السودانية يمنح أبوظبي، وفق هذه القراءة، هامشاً أوسع لترسيخ حضورها الاقتصادي والجيوسياسي في عمق القارة الأفريقية، بالتوازي مع تقليص نفوذ خصومها الإقليميين.
غير أن هذا المسار يخلق في المقابل معادلة معقدة مع مصر، التي تنظر إلى استقرار السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي. فبينما تسعى القاهرة إلى الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع انهيارها، يؤدي استمرار الدعم الموجه لقوات الدعم السريع إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد المشهد.، وهو ما أوجد تبايناً في الرؤى بين شريكين إقليميين تجمعهما ملفات مشتركة، وتفرض عليهما في الوقت ذاته حسابات أمنية مختلفة تجاه السودان.
وعلي ضوء ما تم الاشارة اليه ، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل التدخل الإماراتي–الليبي في حرب مليشيا الدعم السريع علي السودان .
السيناريو الأول يتمثل في استمرار التدخل وتعميقه، وهو الاحتمال الذي يعكس مواصلة إدارة الصراع عبر الوكلاء، مع بقاء الأراضي الليبية منصة خلفية لإمداد مليشيا الدعم السريع بالوقود والسلاح والمرتزقة . ومن شأن هذا المسار إطالة أمد الحرب، وتعميق الانقسام الليبي، وإبقاء قوات حفتر مرتبطة عضوياً بالدعم الإماراتي، في مقابل تصاعد الضغوط الدولية، وتزايد التوتر مع مصر، واتساع دائرة الانتقادات الغربية المطالبة بوقف تدفق الأسلحة إلى السودان.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على انسحاب تدريجي وإعادة تموضع استراتيجي. فمع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية، قد تجد أبوظبي أن كلفة استمرار هذا الدعم أصبحت أعلى من عوائده، الأمر الذي قد يدفعها إلى تقليص انخراطها المباشر، والبحث عن تسوية سياسية تحفظ مصالحها بأدوات أقل تكلفة. وفي هذه الحالة، قد يعيد المشير حفتر مراجعة حساباته الإقليمية، ويتجه نحو تعزيز التنسيق مع القاهرة والخرطوم. إلا أن هذا السيناريو يظل ضعيف ، نظراً لاعتماد قوات الدعم السريع بدرجة كبيرة على خطوط الإمداد القادمة من الشرق الليبي ، بما يجعل أي انقطاع مفاجئ عاملاً قد يؤثر بصورة كبيرة في قدراتها العملياتية.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو انتقال السودان إلى نموذج يشابه الحالة الليبية، من خلال تكريس سلطتين متوازيتين تتقاسمان النفوذ بدعم خارجي متباين. وإذا تمكنت مليشيا الدعم السريع من تثبيت سيطرتها على أجزاء واسعة من غرب السودان، فقد يفضي ذلك إلى واقع سياسي وعسكري منقسم، بما يحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع إقليمية متنافسة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي، خاصة في المثلث الحدودي السوداني–الليبي–التشادي، الذي قد يتحول إلى فضاء مفتوح لنشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
ويمكننا اجراء مقاربة جيوبوليتيكية للحلول ، إذا كان تشابك المصالح الإقليمية قد أسهم في تعقيد الأزمة، فإن احتواءها يتطلب رؤية شاملة تعالج جذور التداخل بين الملفين الليبي والسوداني.
وتتمثل الخطوة الأولى في فصل مساري الأزمتين، عبر تفاهمات إقليمية تحول دون استخدام الأراضي الليبية كمنصة لإدارة حرب مليشياالدعمالسريع واعوانهاعلي السودان. وفي هذا الإطار، تمتلك مصر، بحكم علاقاتها مع مختلف الأطراف، فرصة للقيام بدور محوري في الدفع نحو تفاهمات توقف خطوط الإمداد العسكرية، مقابل ترتيبات أمنية وسياسية تعزز الاستقرار داخل ليبيا.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في الدفع نحو تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية، لأن استمرار الانقسام الداخلي يظل العامل الأكثر تشجيعاً للتدخلات الخارجية. فإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والسيادية، وإجراء انتخابات وطنية، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة، تمثل جميعها متطلبات أساسية لإغلاق الفراغ الذي تستغله القوى الإقليمية.
وتتمثل الخطوة الثالثة في إنشاء آلية إقليمية مشتركة لمراقبة الحدود الليبية–السودانية–التشادية، بمشاركة الدول المعنية وبدعم من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بما يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتسيير دوريات مشتركة، وتعزيز الرقابة على المعابر، للحد من تهريب السلاح والوقود والمقاتلين.
أما الخطوة الرابعة، فتتعلق بإطلاق حوار إقليمي بين مصر والسعودية، بهدف تنسيق المقاربات تجاه السودان وليبيا، والانتقال بالمصالح الاقتصادية من ساحات الصراع إلى الأطر الرسمية المشروعة، بما يضمن حماية المصالح المشتركة دون تغذية النزاعات المسلحة أو إطالة أمدها.
خاتمة: ليبيا… من ساحة نزاع إلى منصة لإعادة تشكيل التوازنات
ختاما نقول إن ما يجري في شرق ليبيا لم يعد مجرد امتداد للأزمة السودانية، بل أصبح مؤشراً على تحولات استراتيجية أوسع تعيد رسم خرائط النفوذ في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي. فقد انتقلت ليبيا، بفعل حالة الانقسام الداخلي، من دولة تستقبل الصراعات إلى منصة تُدار عبرها صراعات الإقليم، الأمر الذي جعل أمنها الوطني يتداخل بصورة مباشرة مع مستقبل السودان واستقرار جواره.
ومن ثم، فإن معالجة الأزمة لا تقتصر على وقف تدفق الوقود أو السلاح، بل تستوجب إعادة صياغة قواعد التفاعل الإقليمي، وإخضاعها لمنطق التعاون بدلاً من إدارة الصراعات بالوكالة. فالمصلحة الاستراتيجية للدول المعنية ــ السودان وليبيا ومصر وتشاد، فضلاً عن القوى الإقليمية المنخرطة في الملف ــ تكمن في بناء بيئة مستقرة تحفظ الأمن والتنمية، لا في تكريس فضاء مفتوح للصراعات واستنزاف الموارد. ويبقى السؤال الجوهري: هل تمتلك القوى الإقليمية والدولية الإرادة السياسية لكسر هذه الحلقة المعقدة، أم أن السودان وليبيا سيظلان رهينتين لصراع الظلال وتوازنات النفوذ المتحركة؟
الخميس الموافق 16/7/2026

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… من يحكم وعينا… نحن أم الخوارزميات؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

لا تهدموا البيوت فإنها مبنية بعلمِ الله وخبرته .. د. احمد الطيب السماني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *