Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (4) الحرب بين صراع الداخل وتدخلات الإقليم ومعركة الحفاظ على الدولة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أصل القضية | السودان.. تسوّل المكانة في سوق المهانة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6241 | الشكوى ضد مفوضية الاتحاد الأفريقي لترحيبها بلجنة قاسم بدري غير قانونية !!!!

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (4) الحرب بين صراع الداخل وتدخلات الإقليم ومعركة الحفاظ على الدولة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة أكثر تعقيدًا؛ فلم تعد المعركة محصورة في خطوط القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل الدولة السودانية، ووحدة أراضيها، وطبيعة مؤسساتها العسكرية والسياسية، ومستقبل علاقاتها مع محيطها الإقليمي والدولي.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحركات الدولية والإقليمية للضغط من أجل وقف الحرب، تظهر في الداخل السوداني محاولات لإعادة ترتيب المشهد السياسي وفتح قنوات للحوار، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من امتداد الصراع إلى الحدود الشرقية، ولا سيما في ظل التوتر المتزايد في منطقة القرن الأفريقي.
ومن هنا يأتي السؤال المركزي:
هل أصبح السودان أمام حرب على السلطة فقط، أم أمام صراع أوسع على شكل الدولة ومؤسساتها وحدودها وموقعها الإقليمي؟
أولاً: أزمة الثقة تعرقل طريق التسوية
تشير التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة إلى أن أحد أكبر العوائق أمام أي تسوية في السودان يتمثل في انعدام الثقة بين أطراف الحرب.
فحتى عندما تُطرح مبادرات لوقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى أو فتح مسارات للتفاوض، تظل الأسئلة المتعلقة بضمانات التنفيذ، وترتيبات ما بعد الهدنة، ومستقبل القوات المسلحة والدعم السريع، ومن يشارك في العملية السياسية، عقبات أساسية أمام الوصول إلى اتفاق شامل.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتحول المبادرات الخارجية إلى مسارات متوازية، لكل منها أطرافه وشروطه وأجنداته.
وهنا يجب التأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد صفقة بين القوى المسلحة، بل ينبغي أن يكون مشروعًا لإعادة بناء الدولة السودانية.
ثانياً: عبدالواحد والمؤتمر الشعبي… هل تتسع دائرة القوى الرافضة للحرب؟
من التطورات السياسية اللافتة ما أُعلن عن اتفاق بين حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور والمؤتمر الشعبي على العمل المشترك من أجل وقف الحرب وإعادة بناء الدولة السودانية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يعكس إمكانية تجاوز بعض الاصطفافات التقليدية، وفتح مساحات للتفاهم بين قوى سياسية وفكرية مختلفة حول هدف مشترك هو إنهاء الحرب والحفاظ على الدولة.
لكن قيمة أي تقارب سياسي لن تقاس فقط بعدد القوى التي تنضم إليه، وإنما بقدرته على إنتاج رؤية سودانية مستقلة للحل.
والسؤال الأهم هنا:
هل يستطيع السودانيون إنتاج مشروع وطني للسلام بعيدًا عن هندسة الخارج؟
إذا أمكن الوصول إلى توافق حول وحدة السودان، ووحدة مؤسسات الدولة، ووقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية، وإطلاق عملية سياسية شاملة، فإن مساحة التدخل الخارجي ستتراجع بصورة كبيرة.
ثالثاً: ملف الأسرى… الحرب في صورتها الإنسانية الأكثر قسوة
من أكثر الملفات حساسية ملف الأسرى والمحتجزين.
فقد كشف الفريق أول ركن ياسر العطا، بحسب ما نقلته وسائل إعلام سودانية، أن شقيقه الأصغر وأربعة من أفراد أسرته أُسروا على يد قوات الدعم السريع في الخرطوم منذ الأيام الأولى للحرب، وأن أحد أقاربه، وهو ضابط في الجيش، قُتل أثناء فترة الاعتقال.
كما قال إن شقيقه ومن معه ما زالوا محتجزين في سجن دقريس بمدينة نيالا، وإن عرضًا سابقًا جرى لمبادلتهم بأربعة من ضباط الدعم السريع، لكنه طالب بدلًا من ذلك بالإفراج عن جميع أفراد القوات المسلحة المحتجزين.
وبغض النظر عن هوية الأسرى، فإن هذه القضية تكشف الوجه الأكثر مأساوية للحرب: تحول الإنسان نفسه إلى ورقة تفاوضية.
ولذلك فإن ملف الأسرى والمفقودين والمحتجزين يجب أن يتحول إلى ملف وطني مستقل عن الحسابات العسكرية والسياسية.
فالسلام الذي لا يبدأ بحماية الإنسان لن يكون سلامًا مستدامًا.
رابعاً: عندما تصل الحرب إلى الأسرة والبيت
إن ما كشفه العطا لا ينبغي النظر إليه باعتباره قضية شخصية لمسؤول عسكري.
فالحرب السودانية أنتجت آلاف الحالات المشابهة: أسرى، مفقودون، معتقلون، قتلى، نازحون، أسر مفككة، وأطفال فقدوا آباءهم.
ومن هنا تأتي أهمية العبارة المنسوبة إلى العطا بأنه لا يرى شقيقه أعز من بقية شباب السودان.
هذه العبارة، في بعدها الوطني، يمكن أن تكون مدخلًا مهمًا لمعالجة ملف الأسرى.
فإذا كان أبناء السودان متساوين في الكرامة، فيجب أن يكونوا متساوين في الحماية والحقوق، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العسكرية.
وهذا يتطلب آلية وطنية مستقلة لحصر الأسرى والمحتجزين والمفقودين، والوصول إليهم، وضمان معاملتهم وفق القانون الإنساني.
خامساً: التحذيرات من المخاطر الإثيوبية… هل تنتقل الحرب إلى الحدود؟
من أخطر التطورات الإقليمية ما نُسب إلى رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول ركن ياسر العطا بشأن وجود مخططات إثيوبية تستهدف مناطق سودانية حدودية.
وقد تحدث العطا، في تصريحات صحفية، عن مخاوف تتعلق بمناطق الفشقة والدمازين وقيسان والكرمك، وربط هذه المخاوف بالتطورات الأمنية في القرن الأفريقي.
كما تحدث عن معلومات استخبارية بشأن استخدام مسيرات تنطلق من الأراضي الإثيوبية.
وهنا يجب التعامل مع هذه المعلومات بدقة منهجية:
هي تصريحات لمسؤول عسكري سوداني رفيع، وليست في حد ذاتها دليلًا مستقلًا نهائيًا على وجود خطة إثيوبية لاحتلال مدن سودانية.
لكن أهميتها تأتي من كونها تكشف عن ارتفاع مستوى المخاوف السودانية من انتقال الصراع إلى الحدود الشرقية.
وهذه المخاوف لا يمكن فصلها عن التوترات المتزايدة في القرن الأفريقي، خصوصًا بين إثيوبيا وإريتريا.
سادساً: إثيوبيا وإريتريا والسودان… مثلث إقليمي شديد الخطورة
السودان يقع في قلب منظومة أمنية شديدة التعقيد.
فشرق السودان يرتبط بإثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر، بينما ترتبط حدوده الغربية بتشاد وليبيا، وحدوده الجنوبية بجنوب السودان، وشماله بمصر.
ولهذا فإن الحرب السودانية إذا استمرت طويلًا فإنها قد تتحول إلى نقطة جذب لصراعات إقليمية متعددة.
وقد شهدت الفترة الأخيرة اتهامات متبادلة بين إثيوبيا وإريتريا بشأن زعزعة الاستقرار ودعم أطراف في الحرب السودانية، وهي اتهامات ينفيها الطرف الآخر.
وهنا تكمن الخطورة.
فالسودان قد يتحول من دولة تعاني حربًا داخلية إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية.
وعند هذه النقطة تصبح الحرب أكبر من قدرة أطرافها الداخلية على التحكم في مسارها.
سابعاً: حظر السلاح… بين حماية المدنيين وإضعاف الدولة
يتزامن هذا المشهد مع المعركة الدبلوماسية داخل مجلس الأمن حول توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان.
وفي 11 سبتمبر 2026، تبنى مجلس الأمن بالإجماع القرار 2828 الذي مدد نظام العقوبات الخاص بالسودان، بما فيه حظر السلاح المتعلق بدارفور، لمدة شهر واحد حتى 9 أكتوبر، مع استمرار النقاش بشأن المقترح الأمريكي لتوسيع الحظر على مستوى السودان كله.
وقد أثار المقترح الأمريكي اعتراضات من السودان وروسيا والصين، خصوصًا بشأن تأثيره على قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها، في حين دعمت الإمارات توسيع الحظر ليشمل جميع أطراف الحرب وشبكات الإمداد.
وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية:
كيف يمكن حماية المدنيين من تدفق السلاح، من دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة الشرعية بينما تستمر إمكانية وصول السلاح إلى الفاعلين غير الحكوميين عبر قنوات مختلفة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب معالجة مصادر السلاح كافة، وليس فقط فرض قيود على طرف واحد أو على الدولة وحدها.
ثامناً: الخطر الحقيقي هو تعدد مراكز القوة
إن تفكك الدول لا يحدث بالضرورة في لحظة واحدة.
قد يبدأ الأمر بإضعاف المركز، ثم ظهور قوى مسلحة موازية، ثم سلطات محلية، ثم مصادر تمويل مستقلة، ثم علاقات خارجية منفصلة، وفي النهاية تصبح الدولة عاجزة عن ممارسة سيادتها بصورة كاملة.
ولهذا فإن الخطر الاستراتيجي الأكبر في السودان ليس فقط خسارة مدينة أو إقليم.
الخطر أن تتحول الجغرافيا السودانية إلى مناطق نفوذ متنافسة.
فالجيش الوطني الواحد، والمؤسسات السياسية الموحدة، والنظام المالي الموحد، والسيطرة المركزية على الحدود، كلها عناصر أساسية لبقاء الدولة.
أما تعدد الجيوش ومراكز القرار والسلاح، فإنه يفتح الطريق أمام نموذج الدولة الهشة.
تاسعاً: الحوار السوداني… البديل عن هندسة الخارج
في مواجهة هذه المخاطر، يصبح الحوار السوداني من الداخل ضرورة استراتيجية.
لكن الحوار المطلوب يجب ألا يكون مجرد لقاء بين النخب السياسية، ولا صفقة لتقاسم السلطة، ولا وسيلة لإعادة إنتاج النظام السياسي السابق بأسماء جديدة.
المطلوب هو حوار حول الدولة.
حوار يجيب عن الأسئلة الأساسية:
كيف تتوقف الحرب بصورة نهائية؟
كيف تحمى حياة المدنيين؟
كيف يعالج ملف الأسرى والمفقودين؟
كيف يعاد توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية؟
كيف تتم معالجة جذور النزاعات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق؟
كيف تعود الدولة إلى ممارسة سلطتها على كامل أراضيها؟
كيف تتم إعادة الإعمار؟
كيف تتم محاسبة مرتكبي الجرائم وفق القانون؟
كيف يتم الانتقال السياسي؟
كيف يمنع السودان من التحول إلى ساحة للصراع الإقليمي؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في مركز أي عملية سلام.
عاشراً: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل السودان
السيناريو الأول: التسوية الوطنية
يتوصل السودانيون إلى اتفاق لوقف الحرب، وتبدأ عملية سياسية شاملة، ويتم توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، مع دعم إقليمي ودولي يحترم السيادة السودانية.
وهذا هو السيناريو الأفضل والأقل تكلفة.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب والتدويل
تستمر الحرب، ويتزايد الضغط الدولي، ويتوسع الصراع الإقليمي، وتصبح الأراضي السودانية ساحة تنافس بين القوى الخارجية.
وهذا السيناريو سيزيد تكلفة الحرب ويضعف مؤسسات الدولة.
السيناريو الثالث: التشظي
وهو السيناريو الأخطر، حيث تستمر مناطق النفوذ، وتتعدد القوى المسلحة، وتظهر سلطات موازية، وتتراجع قدرة المركز على إدارة البلاد.
وعندها قد تصبح إعادة بناء الدولة أصعب بكثير من وقف الحرب نفسها.
الخلاصة الاستراتيجية
السودان يقف أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
فالحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة بين طرفين.
إنها أصبحت صراعًا على شكل الدولة ومستقبل مؤسساتها وموقعها الإقليمي.
ومن هنا فإن الحفاظ على السودان يتطلب معادلة واضحة:
وقف الحرب + حماية المدنيين + توحيد السلاح + إعادة بناء مؤسسات الدولة + حوار سوداني شامل + تحييد التدخلات الخارجية.
كما أن التعامل مع المخاطر الإقليمية، وخاصة ما يرتبط بالحدود الشرقية والقرن الأفريقي، يجب أن يتم بعقل الدولة لا بعقل الحرب فقط.
والرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الداخل والخارج هي:
لا يمكن بناء السلام بتفكيك الدولة، ولا يمكن بناء الديمقراطية بتعدد الجيوش، ولا يمكن حماية السودان بتحويله إلى ساحة للصراع الإقليمي.
فالمطلوب في نهاية المطاف ليس أن ينتصر طرف سوداني على طرف سوداني آخر، وإنما أن ينتصر السودان كدولة.
وهذا هو التحدي الأكبر الذي ستكشف عنه المرحلة القادمة.
أضف تمهيداً يربط المقالات السابقة
افصل الوقائع عن التحليل بوضوح
وحّد ترقيم العناوين وتنسيقها

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان.. تسوّل المكانة في سوق المهانة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *