Popular Now

كلما انتصر الجيش… لماذا تظهر الأزمات واللقاءات المشبوهة والتسريبات المربكة؟ .. عادل الرفاعي ابوالحسن

عندما يصبح الغرور نرجسية… ويتحول الإنسان من قائد إلى طاغية .. د. حنان درار سيدادريس

كردفان تحت الاختبار: انسحاب الدعم السريع وأزمة القيادة والتحول من التوسع إلى الانكفاء .. (40) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

كلما انتصر الجيش… لماذا تظهر الأزمات واللقاءات المشبوهة والتسريبات المربكة؟ .. عادل الرفاعي ابوالحسن

على امتداد هذه الحرب، ظل سؤال يتردد بين السودانيين: لماذا كلما حقق الجيش تقدماً ميدانياً، ولاحت في الأفق بوادر انتصار أو انفراج، ظهرت أزمات تربك المشهد، من انقطاع الكهرباء و المياه، إلى التسريبات و اللقاءات و التصريحات التي تعيد الجدل حول أشخاص ارتبطوا بمشروع المليشيا المتمردة؟

لا نتحدث هنا عن أزمة خدمية بعينها، ولا نزعم أن كل انقطاع أو خلل يجري افتعاله سياسياً من دون دليل؛ لكن تكرار التزامن يبرر السؤال، خصوصاً عندما تأتي هذه التحركات في اللحظة التي يحتاج فيها الجيش و الشعب إلى تثبيت المعنويات و ترسيخ الثقة.

إنهم مجموعة (صمود)، وهي مجموعة من الأفراد ارتبطت منذ البداية بمشروع التمرد، و تماهت معه سياسياً و إعلامياً، و لم يكن دورها بعيداً عن ترتيبات محاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة.

فقد كانت جزءاً من الجناح السياسي الذي سوّق للمليشيا المتمردة، و روّج لفكرة استيلائها على السلطة بالقوة، و سهّل لها الطريق سياسياً، و هيّأ لها المناخ العام.

و سبقت اندلاع الحرب اجتماعات و اتصالات و ترتيبات، من بينها اجتماع جمع عدداً منهم بقائد التمرد في منزله بالخرطوم، لوضع الترتيبات و اللمسات الأخيرة، بحسب ما أُذيع في حديث لبعض قادة القوات المشتركة الموجودين في الميدان.

و عندما اندلعت الحرب، لم يتغير جوهر هذا الموقف.

فعندما بدأت المليشيا حربها على الدولة و الشعب، و شاهد السودانيون القتل و التشريد و النهب و السلب و انتهاك الأعراض و تدمير المدن و المؤسسات، واصل هؤلاء دعمهم السياسي و الإعلامي للتمرد، و سعوا إلى تخفيف الضغط عنه، و تغيير توصيف الحرب من تمرد على الدولة إلى (صراع بين جنرالين)، ثم إلى (صراع بين طرفين)، بما يضع الجيش و المليشيا في كفة واحدة.

و لم يتوقف هذا الدور عند الداخل، بل انتقل إلى الخارج، حيث جرى الترويج لروايات و اتهامات ضد الجيش في المحافل الدولية، و الدعوة إلى حظر السلاح، و تقييد استخدام الطيران، و السعي إلى تدويل الحرب و وضع السودان تحت الفصل السابع، بل و الدعوة إلى تدخل قوات دولية أو أفريقية للفصل بين ما يقدمونه بوصفه (طرفي الصراع).

و حتى اليوم، ما زالوا يواصلون دعمهم السياسي و الإعلامي، و تصدر مواقف و تصريحات تتجه إلى جهات و دول خارجية، و تتضمن اتهامات للجيش و القوات النظامية، و تقدم روايات تخدم المليشيا و تسيء إلى صورة الدولة السودانية.

فكيف يستقيم أن تقتل المليشيا و تشرد و تنهب و تنتهك الأعراض، ثم يُفتح الباب أمام من ساندها سياسياً و إعلامياً و خارجياً ليكون شريكاً في ترتيبات مستقبل السودان؟

إن القضية هنا ليست مجرد اختلاف سياسي، بل مسؤولية عن موقف ارتبط بمشروع حمل السلاح على الدولة. و لذلك فإن تجاوز هذا الموقف، و التعامل معه وكأنه صفحة سياسية عادية، يمثل ظلماً لتضحيات من وقفوا مع الدولة، و دفعوا أرواحهم و أموالهم و أبناءهم ثمناً للدفاع عنها.

و الأخطر أن فتح هذا الباب في أثناء الحرب قد لا يتوقف أثره عند السياسة؛ فقد ينعكس مباشرة على معنويات المقاتلين و سير العمليات و تماسك الجبهة الداخلية. فالمقاتل الذي يقف في الخطوط الأمامية، و يرى من قاتل مشروعه يُمهَّد له للعودة إلى المشهد السياسي، قد يرى في ذلك انتقاصاً من قيمة التضحيات التي تُبذل، و إرباكاً لمعنى الانتصار الذي يتحقق في الميدان.

وهذا النوع من الإرباك لا يخدم الجيش، و لا يخدم الشعب، و لا يخدم عملية التحرير. بل قد يزرع الشك في النفوس، و يضعف الثقة، و يربك الجبهات، و يفتح باباً لانقسام داخلي في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التماسك.

والأخطر من ذلك أن إشراك من ارتبطوا بالتمرد في ترتيبات سياسية قبل انتهاء الحرب قد يُفهم باعتباره مكافأة سياسية على موقف كان جزءاً من الأزمة نفسها، بينما لا تزال دماء السودانيين تنزف، و لا تزال المليشيا تقاتل الدولة.

وقد شهدنا، في أكثر من مناسبة، اضطرار رئيس مجلس السيادة و القائد العام للقوات المسلحة إلى نفي ما تردد عن لقاءات أو اتصالات أو ترتيبات مع هذه المجموعات.

و تكرار النفي في حد ذاته يربك المشهد؛ لأن الدولة في زمن الحرب تحتاج إلى سياسة واضحة، و رسائل واضحة، و ثبات في الموقف، لا إلى تسريبات ثم نفيها.

أما مسؤولية القيادة الآن، فهي واضحة: القوات المسلحة و معركتها.

دعم الجيش، و تسليحه و إعادة تسليحه، و تحديث قدراته و منظوماته، و إعادة بناء ما أُنهك من بنيته، و رفع جاهزيته، و توفير التدريب و التأهيل، و وضع الخطط المحكمة للعمليات، و تأمين الإمداد و التموين و التشوين و اللوجستيات، و ضمان تدفق السلاح و الذخيرة و الوقود و قطع الغيار، حتى تتمكن القوات المسلحة من أداء مهمتها كاملة.

هذه هي الأولوية.

تحرير آخر شبر من أرض السودان، و طرد المليشيا المتمردة و مرتزقتها، و استعادة الأمن و السيادة على كامل التراب الوطني.

أما المصالحات و اللقاءات و الترتيبات السياسية، فليست وقتها الآن. إن كان لها مكان، فهي تأتي بعد التحرير، و بعد حسم التمرد، و بعد أن تضع الحرب أوزارها.

وعندها يكون التشاور مع الذين دفعوا الثمن، و تجرعوا ويلات الحرب، و دافعوا عن السودان بأرواحهم و أموالهم؛ مع القوات المسلحة، و القوات المساندة، و المستنفرين، و المواطنين الذين وقفوا مع الدولة و تحملوا الحرب.

فالذين دافعوا عن السودان و ضحوا و استشهدوا، و الذين لا يزالون يدافعون عنه حتى اليوم، ليسوا مجرد متفرجين على مستقبل بلدهم؛ إنهم أصحاب التضحيات، و من حقهم أن يكون لهم صوت مسموع في تحديد كيفية إدارة السودان بعد الحرب.

وهنا رسالة واضحة إلى المسؤولين:

فرزوا الخبيث من الطيب، و ميزوا بين من وقف مع الوطن و من وقف عليه. لا تساووا بين من دافع عن الدولة و من ساهم في إضعافها، و لا تجعلوا الانتصار العسكري مقدمة لتسوية سياسية تتجاوز تضحيات من صنعوا هذا الانتصار.

المطلوب ليس الانتقام، و إنما احترام الدماء التي سالت، و الأرواح التي أزهقت، و الأعراض التي انتهكت، و البيوت التي دمرت، و التضحيات التي قدمها السودانيون دفاعاً عن وطنهم.

فالمرحلة الآن ليست مرحلة مساومات، و لا إعادة توزيع للأدوار.

المرحلة مرحلة بناء القوة، و إدارة المعركة، و استكمال التحرير.

و بعد التحرير، و بعد حسم التمرد، لكل حادث حديث.

أما أن ننتصر في الميدان، ثم نربك الانتصار في السياسة، فذلك هو الخطر الذي يجب ألا تسمح به الدولة.

لماذا كلما انتصر الجيش… ظهرت الأزمات و اللقاءات المشبوهة و التسريبات المربكة؟

سؤال يطرحه شعب دفع الثمن، و جيش يقاتل، و دولة عليها أن تكون واضحة مع شعبها، ثابتة في موقفها، و مركزة على مهمتها حتى يتحقق النصر الكامل

المقالة السابقة

عندما يصبح الغرور نرجسية… ويتحول الإنسان من قائد إلى طاغية .. د. حنان درار سيدادريس

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *