المشكلة ليست أننا نرى الأزمة متأخرين؛ المشكلة أننا نراها مجزأة.
في مقال الأمس، «السودان.. تسوّل المكانة في سوق المهانة»، لم نكن نتحدث عن سلوك اجتماعي معزول حين يتسابق البعض إلى التقاط صورة بجوار مسؤول أو شخصية نافذة بحثًا عن قيمة مستعارة، كنا نقرأ عرضًا من أعراض أعمق: حين تضعف معايير الإنتاج والمكانة، يبدأ المجتمع في البحث عن بدائل للمكانة.
واليوم، ربما نحتاج إلى توسيع العدسة، فالسلوك الاجتماعي لا ينشأ دائمًا من المجتمع وحده، كما أن الأزمة الاقتصادية لا تبقى اقتصادية والأزمة الأمنية لا تبدأ وتنتهي في الأجهزة الأمنية. وهذا تحديدًا ما خلصت إليه ورقة علمية قدمتها الأسبوع الماضي في مؤتمر بالمملكة الأردنية الهاشمية عبر مركز دراسات الشرق الأوسط حول التحديات الداخلية المؤثرة على الاستقرار في العالم العربي خلال الفترة ٢٠١٥م–٢٠٢٥م.
الفكرة الأساسية في الورقة بسيطة، لكنها ذات أثر استراتيجي كبير: التحديات لا تعمل منفردة، وإنما تتحرك بين منظومات مترابطة.
اقترحت الورقة أربع منظومات: الدولة، والاقتصاد، والمجتمع والتكنولوجيا وتقانة المعلومات، والبرهان ليس نظريًا.
فلنأخذ سعر الصرف مثلًا. يبدأ الأمر في ظاهره كمسألة نقدية، لكن انخفاض قيمة العملة يرفع تكلفة الاستيراد، فتتحرك الأسعار، ويتغير سلوك المستهلك، ويتراجع اليقين، ويزداد البحث عن المعلومة، ثم يدخل الفضاء الرقمي ليصبح الشائع والمعلومة الناقصة جزءًا من حركة السوق، وقد يتحول القلق الاقتصادي إلى توتر اجتماعي وأمني، هنا لم تعد لدينا «أزمة دولار» فقط، لدينا مسار أزمة.
وكمثال آخر نقص الوقود لا يعني فقط طوابير أمام المحطات؛ فهو يمس النقل، والإنتاج، والأسعار، والخدمات، وحركة المواطنين ثم المزاج العام. وما يبدأ كاختناق في سلعة يمكن أن ينتهي باعتباره أزمة ثقة.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة في طريقة تعاملنا مع المشهد السوداني حيث نرى النقطة التي انفجرت أمامنا، ولا نبحث بما يكفي عن الطريق الذي أوصل إليها.
نخفض أثرًا، ثم يظهر أثر آخر.
نعالج سعرًا، فتظهر تكلفة.
نلاحق شائعة، فتولد أخرى.
نواجه تفلتًا أمنيًا، بينما تكون بعض مقدماته قد مرت عبر الاقتصاد والمجتمع والفضاء الرقمي قبل أن تصل إلى الشارع.
وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وإدارة مسار الأزمة؛
● الأولى تسأل: ماذا حدث؟
● الثانية تسأل: كيف حدث؟ وكيف تحرك؟ ومن أين بدأ؟ وإلى أين انتقل؟ وما الذي يمكن أن يحدث بعده؟
وهنا تصبح المسألة أكبر من الجهاز التنفيذي وحده لأنها تمس منظومة الدولة ككل، بما فيها القدرة على إنتاج المعلومة، وربطها، وتحليلها، وتحويلها إلى إنذار مبكر.
فالقرار الذي يصل بعد ظهور الأزمة قد يكون قرارًا صحيحًا، لكنه يظل متأخرًا إذا كانت الأزمة قد قطعت نصف طريقها بالفعل.
والأخطر من ذلك أن طول البقاء في الأزمات قد ينشئ اقتصادًا للأزمة تتكيف معه الأسواق، وتتكون حوله مصالح، وتنتشر معه سلوكيات، وتصبح بعض مظاهره طبيعية في الحياة اليومية، وعندها لا يعود السؤال: كيف ننهي الأزمة؟ بل يصبح السؤال الأخطر: كيف تعودنا عليها؟
وهنا نعود إلى «تسوّل المكانة» الذي تناولناه بالأمس. فحين تتآكل الثقة بالمؤسسة، وتضطرب معايير القيمة ويصبح القرب من صاحب النفوذ أكثر جاذبية من الإنجاز، فهذه ليست قصة اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد أو الدولة أو المعلومة، إنها إشارة إلى أن منظومة كاملة تعيد إنتاج سلوكياتها. لهذا من الخطأ بمكان الاعتقاد أن السودان يحتاج فقط إلى مزيد من القرارات، إنه يحتاج إلى طريقة مختلفة في رؤية القرار نفسه، يحتاج إلى أن نرى الدولة والاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا باعتبارها منظومة إنذار واحدة، لا ملفات متجاورة.
هنا تتحول رؤية «الجسر والمورد» إلى منهج.
الأزمة ليست فقط شيئًا نريد التخلص منه؛ إنها بيانات تكشف لنا أين يوجد الخلل، وأين توجدالقدرة وأين توجد الفرصة.
● كل أزمة تترك خلفها أثرًا يمكن قراءته.
● وكل أثر يقود إلى مسار.
● وكل مسار يمكن التدخل فيه قبل أن يصل إلى نهايته.
لذلك ربما يكون السؤال الاستراتيجي الذي نحتاج إلى طرحه اليوم ليس متى تنتهي هذه الأزمة؟
بل:
●من أين بدأت؟
●كيف تحركت؟
●ما المنظومات التي عبرتها؟
●من الذي تأثر بها؟
●ومن الذي استطاع أن يستفيد منها؟
●وأين يمكن أن نتدخل لنغير اتجاهها؟ فالدولة التي تطارد الأزمة عند آخر محطة ستظل تدفع تكلفة ما حدث، أما الدولة التي تراقب حركة الأزمة بين المنظومات، فتستطيع أن تلتقطها وهي لا تزال في الطريق.
وهنا فقط ننتقل من رد الفعل إلى الاستباق، ومن إدارة الخسارة إلى إدارة المورد.
#أصل القضية،،
الأزمة ليست حدثًا، بل مسار. ومن يقرأ المسار لا يكتفي بإطفاء الحريق، بل يستطيع أن يقلب الطاولة، ويجعل من الأزمة قوةً وموردًا للدولة والمجتمع،
وهنا بالضبط #أصل_القضية.


