Popular Now

ماذا بعد انهيار المشروع السياسي والعسكري للدعم السريع؟ (2-2) .. العبيد أحمد مروح

عندما يصبح توفير لقمة العيش عبئاً نفسياً .. أثر الحرب وغلاء المعيشة على الصحة النفسية للأسرة السودانية .. د. حنان درار سيد ادريس

وجه الحقيقة | الحوار السوداني.. ما قبل الطاولة .. إبراهيم شقلاوي

عندما يصبح توفير لقمة العيش عبئاً نفسياً .. أثر الحرب وغلاء المعيشة على الصحة النفسية للأسرة السودانية .. د. حنان درار سيد ادريس

لم تعد الحرب في السودان أزمة أمنية أو سياسية فحسب، ولم يعد ارتفاع الأسعار مجرد مشكلة اقتصادية يمكن اختصارها في أرقام السوق. لقد امتد أثر الحرب وغلاء المعيشة إلى داخل البيوت، ووصل إلى أعماق الإنسان السوداني، فأصبح القلق جزءاً من الحياة اليومية، وأصبح السؤال عن الغد حاضراً في ذهن الأب والأم والطفل.

في كثير من الأسر السودانية، لم يعد التفكير منصباً على الرفاهية أو الكماليات، بل على الأساسيات: ماذا سنأكل غداً؟ كيف سنوفر الدواء؟ كيف سندفع إيجار المنزل؟ كيف نلبي احتياجات الأطفال؟ وكيف يستطيع الأب أو الأم الاستمرار في تحمل هذه المسؤوليات وسط ظروف تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الأسرة على الاحتمال؟

وهنا تبدأ الأزمة النفسية.

فالإنسان عندما يشعر أن قدرته على توفير الأمان لمن يعول أصبحت محدودة، قد يعيش حالة مستمرة من التوتر والقلق والشعور بالعجز. وقد لا يتحدث الأب عن خوفه، وقد تخفي الأم دموعها حتى لا يشعر أطفالها بقلقها، لكن الضغوط تتراكم في الداخل، وقد تظهر في صورة أرق، عصبية، حزن، سرعة انفعال، فقدان للمتعة، أو خلافات أسرية متكررة.

إن الضغط الاقتصادي المستمر يختلف عن الضيق العابر. فعندما يعرف الإنسان أن الأزمة مؤقتة يستطيع غالباً تحملها بصورة أفضل، أما عندما يصبح المستقبل مجهولاً ولا يعرف متى تنتهي الحرب أو متى تستقر الأسعار أو متى يستطيع العودة إلى عمله، فإن حالة الانتظار نفسها تصبح مصدراً للضغط النفسي.

الأب السوداني بين المسؤولية والعجز

يحمل الأب في كثير من الأسر السودانية تصوراً قوياً عن مسؤوليته تجاه أسرته. وعندما يجد نفسه يعمل أو يبحث عن العمل، ومع ذلك لا يستطيع توفير ما كانت الأسرة تحتاج إليه سابقاً، فقد يتولد داخله شعور مؤلم بأنه لم يعد قادراً على القيام بدوره كما ينبغي.

وقد يتحول هذا الشعور إلى صمت وانسحاب، أو عصبية وانفعال، أو انشغال دائم بالمال والعمل. وليس معنى ذلك أن كل أب سيصاب باضطراب نفسي، وإنما يعني أن استمرار الضغوط دون دعم قد يزيد قابلية ظهور مشكلات نفسية وسلوكية.

لذلك يحتاج الأب في هذه الظروف إلى من يفهم أن الإنسان قد يكون قوياً في مواجهة الآخرين، لكنه يحتاج أيضاً إلى مساحة آمنة يستطيع فيها التعبير عن خوفه وتعبه دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من رجولته أو مسؤوليته.

الأم تحمل عبئاً مضاعفاً

أما الأم فقد تجد نفسها أمام أعباء متداخلة: إدارة المنزل، متابعة الأبناء، محاولة توفير الطعام، التعامل مع احتياجات الأطفال، القلق على الزوج والأسرة، وربما تحمل مسؤوليات إضافية فرضتها الحرب والنزوح وتغير الظروف المعيشية.

والأم التي تضطر يومياً إلى ترتيب الأولويات بين احتياجات متعددة قد تعيش ما يمكن وصفه بـ الإجهاد النفسي المزمن. فهي لا تفكر فقط فيما هو متاح، بل فيما لا تستطيع توفيره، وقد تشعر بالحزن عندما ترى احتياجات أطفالها ولا تملك القدرة الكافية على تلبيتها.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تبدأ الأم في لوم نفسها، فتعتقد أنها مقصرة، رغم أن المشكلة في كثير من الأحيان أكبر من قدرة الفرد والأسرة على التحكم فيها.

الأطفال يتعلمون القلق من الكبار

الأطفال ليسوا بعيدين عن هذه الأزمة.

قد لا يفهم الطفل تفاصيل الحرب والاقتصاد وارتفاع الأسعار، لكنه يفهم لغة الوجه، ونبرة الصوت، والصمت الطويل، والخلافات التي تدور حول المال، وتغير نمط الحياة.

والطفل الذي كان يطلب احتياجاته بعفوية قد يبدأ في التفكير قبل أن يطلب شيئاً: هل أستطيع أن أطلب؟ هل سيغضب أبي؟ هل لدينا مال؟ هل أنا أسبب مشكلة لأسرتي؟

وهنا ينبغي الانتباه إلى أمر مهم: لا ينبغي أن يتحول وعي الطفل بالظروف الاقتصادية إلى شعوره بأنه عبء على والديه.

يمكن للطفل أن يتعلم القناعة والمسؤولية، ولكن ينبغي ألا يحمل مسؤولية مالية أكبر من عمره، وألا يشعر بأنه سبب معاناة الأسرة.

فالأطفال يحتاجون إلى الأمان النفسي بقدر حاجتهم إلى الطعام والملبس والتعليم. وقد لا نستطيع دائماً أن نوفر لهم كل ما يرغبون فيه، لكن يمكننا أن نوفر لهم شيئاً بالغ الأهمية: الحب، والاحتواء، والطمأنينة، والشعور بأن الأسرة ستواجه الظروف معاً.

الأسرة الممتدة بين التكافل والضغط

للأسرة السودانية الممتدة قيمة اجتماعية كبيرة، وقد كانت تاريخياً مصدراً للتكافل والدعم. لكن الحرب والغلاء والنزوح جعلت بعض الأسر الممتدة أمام مسؤوليات تفوق مواردها.

قد يجتمع في المنزل أكثر من أسرة، أو يصل الأقارب بحثاً عن الأمان، فتزداد المصروفات والمسؤوليات والمساحات المحدودة، وقد تظهر خلافات لم تكن موجودة سابقاً.

وهنا يجب ألا ننظر إلى الخلافات الأسرية بمعزل عن الظروف التي أنتجتها. فالإنسان المرهق اقتصادياً ونفسياً قد يصبح أقل قدرة على الصبر والتحمل.

وهذا لا يعني تبرير الإساءة أو العنف، وإنما يعني فهم جذور المشكلة والعمل على تخفيف الضغط قبل أن يتحول إلى صراع داخل الأسرة.

عندما يصبح الغد مصدراً للخوف

من أصعب الآثار النفسية للحرب أن الإنسان قد يفقد الإحساس بالتوقع.

كان الإنسان يخطط لشهره القادم، ثم أصبح يخطط ليومه. وكان يضع أهدافاً للسنوات القادمة، ثم أصبح همه أن تمر الأيام بسلام.

وهذا التغير في الإحساس بالمستقبل قد يضع الإنسان في حالة من القلق المستمر؛ لأن العقل البشري يحتاج إلى قدر من الأمان والتوقع حتى يستطيع التخطيط والاستقرار.

ولهذا فإن معالجة آثار الحرب لا ينبغي أن تقتصر على الغذاء والدواء والسكن، رغم أهميتها البالغة، بل يجب أن تشمل أيضاً الدعم النفسي والاجتماعي، لأن الإنسان الذي نساعده على البقاء جسدياً يحتاج كذلك إلى مساعدته على استعادة إحساسه بالأمان والأمل.

لا نريد جيلاً تربى على الخوف

المسؤولية اليوم لا تقع على الأسرة وحدها. فالمجتمع والمؤسسات التعليمية والمبادرات المجتمعية والمؤسسات الصحية والنفسية جميعها مطالبة بأن تنتبه إلى الآثار النفسية الممتدة للأزمة.

نحتاج إلى مساحات يستطيع فيها الأطفال التعبير عن مشاعرهم، وإلى توعية الآباء والأمهات بكيفية التعامل مع القلق والانفعال، وإلى تشجيع الأسر على الحوار بدلاً من الصمت، وإلى عدم تحويل الضيق الاقتصادي إلى لوم متبادل بين أفراد الأسرة.

والأهم أن نعلم أبناءنا أن الظروف الصعبة لا تعني أن الإنسان فاشل، وأن قلة المال لا تعني قلة القيمة، وأن فقدان العمل لا يعني فقدان الكرامة، وأن الأسرة التي تمر بأزمة ليست أسرة فاشلة، وإنما أسرة تواجه ظرفاً قاسياً وتحتاج إلى الدعم.

بين قسوة الواقع وقوة الإيمان

رغم كل ما يحدث، لا يزال السوداني يحمل داخله مساحة واسعة من الإيمان والأمل. وقد يكون هذا الإيمان أحد أهم مصادر الصمود النفسي في الأزمات.

قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
[الطلاق: 7].

الإيمان لا يعني إنكار الألم، ولا يعني أن نقول للإنسان المتعب: لا تحزن. بل يعني أن نساعده على أن يحمل حزنه دون أن يفقد الأمل، وأن يسعى في الأسباب دون أن يظن أن الأبواب قد أغلقت كلها.

إن الأسرة السودانية اليوم لا تحتاج فقط إلى من يقدم لها المساعدة المادية، وإنما تحتاج أيضاً إلى من يحفظ كرامتها، ويسمعها، ويدعمها، ويذكرها بأن ما تمر به ليس دليلاً على ضعفها.

الحرب قد تهدم البيوت، والغلاء قد يثقل الجيوب، لكن أخطر ما يمكن أن نخسره هو الإنسان من الداخل؛ أن يفقد الأب شعوره بالقدرة، وأن تفقد الأم طاقتها، وأن يكبر الطفل وهو يعتقد أن الحياة خوف دائم.

ولهذا فإن حماية الصحة النفسية للأسرة السودانية ليست ترفاً، بل جزء من حماية المجتمع نفسه.

ويبقى الأمل قائماً ما دام الإنسان قادراً على السعي والدعاء والتكافل.

نسأل الله أن يرفع عن السودان البلاء، وأن يرد إليه الأمن والاستقرار، وأن يوسع على أهله في أرزاقهم، وأن يحفظ الآباء والأمهات والأطفال من آثار هذه المحنة، وأن يجعل بعد العسر يسراً، وبعد الخوف أمناً، وبعد الألم عافية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | الحوار السوداني.. ما قبل الطاولة .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

ماذا بعد انهيار المشروع السياسي والعسكري للدعم السريع؟ (2-2) .. العبيد أحمد مروح

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *