Popular Now

أصل القضية | السودان.. الأزمة كما هي .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (9) بين حجب تأشيرة البرهان والتحول الأمريكي.. هل تنتقل المعركة من الميدان إلى شرعية الدولة ومستقبلها؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

الرئيس البرهان.. حوِّل التأشيرة إلى رسالة .. المسلمي البشير الكباشي

ما وراء الورقة: حكاية استبدال العملة .. عادل الرفاعي ابو الحسن

قد تبدو العملة في يد المواطن شيئاً بسيطاً: ورقة يضعها في جيبه، أو يدفع بها ثمن سلعة، أو يودعها في حسابه. لكن هذه الورقة الصغيرة تقف وراءها منظومة كاملة من الطباعة، و التأمين، و التخزين، و النقل، و المصارف، و الأنظمة و المعلومات.

و لهذا فإن ما يبدو للمواطن لحظة قصيرة عند شباك البنك، هو في الحقيقة نهاية رحلة طويلة بدأت بعيداً عن عينيه.

التغيير و الاستبدال

هناك فرق بين تغيير العملة و استبدالها. فتغيير العملة مفهوم أوسع، قد يشمل إصدار عملة جديدة، أو تغيير وحداتها و تصميماتها أو الانتقال من عملة إلى أخرى.

أما استبدال العملة، فيعني سحب أوراق قائمة من التداول و طرح أوراق جديدة مكانها، مع بقاء القيمة الاسمية كما هي. فإذا كانت الورقة القديمة ألف جنيه، فإن الورقة الجديدة تكون ألف جنيه أيضاً.

و هذا يختلف عن حذف الأصفار أو إعادة تسمية العملة، فالرقم لا يتغير لمجرد أن الورقة تغيرت. الذي يتغير هو الورقة نفسها، و علاماتها التأمينية، و دورة النقد و طريقة إدارة هذه الدورة.

لماذا تستبدل الدول عملتها؟

تدخل الدول في عمليات استبدال العملة لأسباب متعددة: مواجهة التزييف، و تحديث العلامات التأمينية، و إخراج الأوراق القديمة أو التالفة من التداول، و تنظيم دورة النقد، و في بعض الظروف إعادة جزء من السيولة إلى الجهاز المصرفي.

و في الظروف الاستثنائية، مثل الحروب و الاضطرابات، تصبح دورة النقد أكثر تعقيداً؛ فقد تتحرك كميات كبيرة من الأموال خارج النظام المصرفي، أو تنتشر أوراق يصعب التحقق من مصدرها. عندها يصبح الاستبدال جزءاً من عملية أوسع لتنظيم النقد و إحكام دورته.

لكن الاستبدال يظل عملية نقدية في المقام الأول، فهو لا يعالج التضخم أو سعر الصرف بذاتهما، لأنهما يرتبطان بعوامل اقتصادية و نقدية و إنتاجية أوسع.

السودان… ذاكرة نقدية طويلة

السودان لا يدخل هذه التجربة من بابها الأول. فمنذ الاستقلال عرف محطات متعددة في تاريخ العملة؛ من تغيير العملة في عام 1970، إلى الدينار في 1992، ثم العودة إلى الجنيه في 2007، فضلاً عن عمليات استبدال و سحب لاحقة.

و خلال هذه المسيرة تراكمت لدى بنك السودان و الجهاز المصرفي السوداني خبرات عملية في إصدار الأوراق النقدية، و سحبها، و استبدالها، و إدارة دورة النقد. إنها خبرة تشكلت عبر عقود، و في ظروف مختلفة و في مراحل بعيدة و قريبة.

و لهذا فإن الاستبدال الحالي لا يبدأ من الصفر، بل يأتي فوق ذاكرة مصرفية متراكمة، فيها كفاءات عرفت هذه العمليات و تعاملت مع تفاصيلها في الواقع.

السودان اليوم

شهد السودان خلال السنوات الأخيرة مراحل فعلية لاستبدال فئات من العملة، بالتوازي مع تشجيع الإيداع المصرفي و استخدام وسائل الدفع الحديثة. و في عام 2026 استمرت مراحل الاستبدال، و طرح الطبعات الجديدة من بعض الفئات و استقبال الطبعات القديمة عبر المصارف.

و اليوم تأتي قضية استبدال العملة في مرحلة جديدة، في ظل ظروف اقتصادية و أمنية استثنائية. وما يراه المواطن في النهاية قد يكون ورقة جديدة، لكن وراء هذه الورقة سلسلة طويلة من الأعمال التي لا تظهر في المشهد الأخير.

قبل أن تصل الورقة

قبل أن تصل الورقة الجديدة إلى يد المواطن، تكون قد قطعت رحلة هادئة و دقيقة: تصميم و طباعة، علامات تأمينية، كميات محسوبة، تخزين و حماية، نقل و ترحيل، توزيع، تجهيز المصارف، تهيئة الأنظمة، و تنظيم عملية الاستبدال.

ثم تأتي اللحظة التي يراها المواطن: يدخل البنك، يسلم الأوراق القديمة، و يستلم الجديدة، أو يودع قيمتها في حسابه وفق الآلية المعتمدة.

تبدو العملية بسيطة.

لكن بساطة المشهد هي نتيجة لعمل كبير سبقها.

و كلما كانت المعلومات واضحة للمواطن — أين يستبدل، و متى، و كيف و ما الفئات المشمولة — أصبح الانتقال جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

حين تصل الورقة الجديدة

عندها لا يقاس نجاح الاستبدال بحجم العمل الذي جرى خلف الستار، بل بما يشعر به المواطن أمامه: السوق يواصل حركته، و المخبز يواصل عمله، و الموظف يتقاضى أجره، و التاجر يبيع و المدخر يطمئن إلى ماله.

و هنا تبرز قيمة الخبرة المتراكمة. فالسودان لديه تاريخ طويل في التعامل مع العملة، و لديه كفاءات مصرفية عرفت عمليات التغيير و الاستبدال في أزمنة مختلفة. و اليوم تلتقي هذه الخبرة مع أدوات مصرفية و تقنية أكثر تطوراً، و مع تجربة قريبة ما زالت حاضرة في الذاكرة المؤسسية.

المواطن يرى في النهاية ورقة جديدة في يده.

أما خلف هذه الورقة، فتكون قد تحركت منظومة كاملة من التخطيط، و الطباعة، و الحماية، و التخزين، و الترحيل، و التوزيع، و المصارف و الأنظمة.

وربما هنا تكمن الحكاية كلها: ما يبدو في يد المواطن ورقة، هو في حقيقة الأمر عمل دولة كامل.

فالعملة ليست ورقة فقط، إنها ثقة تتحرك بين الناس.

المقالة السابقة

ماذا بعد انهيار المشروع السياسي والعسكري للدعم السريع؟ (2-2) .. العبيد أحمد مروح

المقالة التالية

البرهان في (فورين بوليسي) السودان لا يريد سلاماً يكتب له في الخارج .. قراءة في مقال رئيس مجلس السيادة السوداني ورسائله إلى واشنطن .. مستشار هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *