Popular Now

نحو سياسة قومية للقطاع الرعوي في السودان .. د. الصادق عبدالله أبوعيّاشة

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (21) السودان بين التحولات الميدانية والتحرك الأمريكي ومسار السلام السوداني.. لقاء البرهان وبولس في العلمين، شروط السلام، وتطورات غرب دارفور والحوار السوداني– السوداني .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

تقرير مجلس حقوق الإنسان عن السودان قراءة نقدية في ميزان القانون الدولي .. مستشار هشام محمود سليمان

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (21) السودان بين التحولات الميدانية والتحرك الأمريكي ومسار السلام السوداني.. لقاء البرهان وبولس في العلمين، شروط السلام، وتطورات غرب دارفور والحوار السوداني– السوداني .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة تتداخل فيها التطورات الميدانية مع التحركات السياسية والدبلوماسية، في وقت تبدو فيه خريطة الصراع أكثر ارتباطًا بالبيئة الإقليمية المحيطة بالسودان.
ويأتي لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس في مدينة العلمين المصرية، بالتزامن مع تصريحات رئيس الوزراء كامل إدريس بشأن شروط السودان لأي اتفاق سلام، فضلًا عن التطورات العسكرية في غرب دارفور، ليعيد طرح السؤال حول مستقبل الحرب: هل نحن أمام محاولة جديدة لفتح مسار تفاوضي، أم أن التطورات الميدانية ستظل هي العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد شكل التسوية المقبلة؟
المشهد الراهن لا يمكن قراءته من زاوية عسكرية منفردة، ولا من خلال التحرك الدبلوماسي وحده، وإنما من خلال تفاعل ثلاثة مسارات رئيسية: الميدان العسكري، والتحرك الإقليمي والدولي والحوار السوداني–السوداني.

المحور الأول: لقاء البرهان وبولس وإعادة فتح القناة الأمريكية
يمثل لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس في العلمين تطورًا سياسيًا مهمًا، خصوصًا بعد فترة من التباعد والتوتر في العلاقات بين الخرطوم وواشنطن.
وقد حمل اللقاء رسائل تتعلق بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، إلى جانب التأكيد الأمريكي على مواصلة الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والوصول إلى حل سياسي.
والأهم في هذا اللقاء أنه أعاد فتح قناة اتصال مباشرة بين القيادة السودانية والجانب الأمريكي، بما قد يسمح بمناقشة الملفات الخلافية بصورة أكثر مباشرة، بدل أن تظل المواقف المتبادلة محصورة في البيانات والتصريحات.
لكن إعادة التواصل لا تعني بالضرورة أن الموقف الأمريكي تجاه الحرب قد تغير بصورة كاملة؛ فالولايات المتحدة ما زالت تدفع باتجاه وقف القتال وفتح المجال أمام عملية سياسية، مع التأكيد على أن مستقبل السودان يجب أن يقرره السودانيون.
وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة في معرفة ما إذا كان التواصل الأمريكي–السوداني سيتحول إلى تفاهمات عملية، أم سيظل في إطار تبادل المواقف والرسائل السياسية.

المحور الثاني: مصر ودورها في تثبيت وحدة السودان ومؤسسات الدولة
تأتي التحركات المصرية في سياق اهتمام القاهرة المباشر بأمن السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وهي قضايا ترتبط بصورة وثيقة بالأمن القومي المصري وبأمن البحر الأحمر وحوض النيل.
وقد أكدت القاهرة في أكثر من مناسبة دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، بالتوازي مع دعمها للحل السياسي وإنهاء الحرب.
وتكتسب استضافة مصر للقاءات السياسية السودانية والأمريكية أهمية إضافية، لأنها تمنح القاهرة مساحة للتحرك بين الأطراف الدولية والإقليمية والسودانية.
كما أن الموقف المصري يربط بصورة واضحة بين إنهاء الحرب والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وهو ما يجعل الدور المصري مختلفًا عن مجرد الوساطة بين طرفي القتال؛ إذ يرتبط أيضًا بمستقبل الدولة السودانية وشكلها ووحدتها.
وفي ظل تزايد الاهتمام الإقليمي بالسودان، تبدو القاهرة معنية بأن يكون أي مسار سياسي قادم مرتبطًا بالحفاظ على وحدة البلاد ومنع تحول الحرب إلى واقع دائم من الانقسام.

المحور الثالث: كامل إدريس وشروط السودان لأي اتفاق سلام
تصريحات رئيس الوزراء كامل إدريس بشأن مبادرة السلام السودانية تعكس محاولة لوضع تصور سوداني للتفاوض بدل انتظار مبادرات خارجية تحدد وحدها شكل التسوية.
وقد أكد إدريس استعداد الحكومة للتفاوض، مع التمسك بما تعتبره ثوابت سودانية في عملية السلام، إلى جانب الترحيب بالوساطات التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى تسوية.
وتبرز هنا قضية أساسية: من يحدد شروط السلام؟
فالتسوية المستدامة تحتاج إلى أن تكون نتيجة تفاوض بين السودانيين، بينما يمكن للدول والمنظمات الإقليمية والدولية أن تؤدي دور الوسيط أو الضامن أو الداعم.
ومن هذه الزاوية، فإن طرح مبادرة سودانية للحوار يمكن أن يشكل محاولة لإعادة مركزية القرار السوداني في عملية السلام، خصوصًا في ظل تعدد المبادرات والمنابر الإقليمية والدولية.
غير أن نجاح أي مبادرة لا يتوقف على الإعلان عنها، وإنما على قدرتها على جمع القوى السودانية المختلفة حول تصور عملي لوقف الحرب وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار.

المحور الرابع: غرب دارفور وتطورات محور بئر سليبة–سربا
على المستوى العسكري، تبرز التطورات في غرب دارفور، وخاصة محور بئر سليبة–سربا، باعتبارها واحدة من التطورات المهمة في خريطة العمليات خلال الفترة الأخيرة.
وقد أعلنت القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح، إلى جانب القوات المتحالفة معها، السيطرة على منطقة بئر سليبة بعد معارك مع قوات الدعم السريع.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة بسبب موقعها القريب من الحدود التشادية، وارتباطها بممرات الحركة والإمداد في غرب دارفور.
وبالتالي فإن التطورات في هذا المحور لا تنعكس على الوضع العسكري داخل دارفور فقط، وإنما ترتبط أيضًا بحركة الحدود والتجارة والإمداد والعلاقات السودانية–التشادية.
كما أن استمرار العمليات في غرب دارفور يؤكد أن الحرب لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار العسكري النهائي، وأن الخريطة الميدانية ما تزال قابلة للتغير تبعًا لموازين القوى والإمداد والتحالفات.

المحور الخامس: كردفان ودارفور وإعادة تشكيل الخريطة العسكرية
تشهد جبهات كردفان ودارفور استمرارًا للعمليات العسكرية، في وقت أصبحت فيه هذه المناطق من أكثر ساحات الحرب أهمية من الناحية الاستراتيجية.
وتتجاوز أهمية كردفان ودارفور السيطرة على المدن والمناطق إلى السيطرة على طرق الحركة والإمداد والربط بين الأقاليم.
ولهذا فإن أي تغير في موازين القوى في هذه الجبهات يمكن أن تكون له انعكاسات واسعة على مسار الحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار العمليات العسكرية يرفع من كلفة الحرب الإنسانية والاقتصادية، ويجعل الوصول إلى وقف إطلاق نار شامل أكثر تعقيدًا ما لم تتزامن معه ترتيبات واضحة بشأن القوات والمناطق التي تسيطر عليها الأطراف.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من يسيطر على هذه المنطقة أو تلك؟ وإنما: كيف يمكن تحويل التغيرات العسكرية إلى مدخل لوقف الحرب بدل أن تصبح سببًا في جولة جديدة من التصعيد؟

المحور السادس: الخطاب السياسي والإعلامي بين التصعيد والبحث عن التسوية
تكشف التصريحات السياسية والإعلامية المتبادلة بين أطراف الصراع والقوى السياسية والمجتمعية عن استمرار حالة الاستقطاب الحادة.
وتحمل بعض التصريحات لغة شديدة التصعيد، بينما تتحدث أطراف أخرى في الوقت نفسه عن الحوار والسلام والتفاوض.
وهذا التناقض ظاهريًا مفهوم في الحروب، إذ تحاول الأطراف تحسين مواقعها التفاوضية من خلال الضغط العسكري والسياسي والإعلامي في آن واحد.
لكن استمرار الخطاب التصعيدي لفترة طويلة يمكن أن يجعل الانتقال إلى التفاوض أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تصبح المواقف السياسية مرتبطة بمواقف جماهيرية ومجتمعية متشددة.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الفصل بين الخلاف السياسي المشروع وبين تحويل الخلاف إلى قطيعة دائمة تمنع أي إمكانية للحوار.
فالحرب مهما طال أمدها تنتهي في النهاية إلى ترتيبات سياسية، والسؤال هو ما إذا كان الوصول إلى تلك الترتيبات سيتم بعد خسائر إضافية كبيرة، أم من خلال فتح قنوات تفاوضية مبكرة.
المحور السابع: هل يفتح لقاء العلمين نافذة جديدة للتفاوض؟
يمكن النظر إلى لقاء العلمين باعتباره إحدى النوافذ الجديدة المحتملة لإعادة ترتيب المسار السياسي للحرب.
فالموقف الأمريكي يدفع باتجاه وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والانتقال إلى عملية سياسية، بينما تتمسك الحكومة السودانية برؤيتها الخاصة لشروط السلام وترتيبات المرحلة المقبلة.
وهنا تظهر عدة قضايا مركزية ستظل حاضرة في أي تفاوض جاد، من بينها:
وقف إطلاق النار بصورة متزامنة وفعالة.
ترتيبات انسحاب القوات من المناطق المدنية.
فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول المساعدات.
معالجة أوضاع القوات والتشكيلات المسلحة.
الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.
مستقبل مؤسسات الدولة والقوات النظامية.
إطلاق حوار سياسي سوداني واسع.
الاتفاق على ترتيبات المرحلة الانتقالية وما بعد الحرب.
ومن الصعب الوصول إلى تسوية حقيقية إذا اقتصر التفاوض على وقف إطلاق النار دون معالجة جذور الأزمة السياسية والعسكرية التي أدت إلى الحرب.
المحور الثامن: الحوار السوداني–السوداني ومستقبل الدولة
يبقى الحوار السوداني–السوداني هو المسار الأكثر ارتباطًا بمستقبل البلاد، لأن الحرب في جوهرها ليست مجرد مواجهة عسكرية، وإنما أزمة سياسية ودستورية واجتماعية عميقة.
والحوار المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على القوى السياسية التقليدية، بل يحتاج إلى معالجة قضايا الدولة والجيش والحركات المسلحة والأقاليم والنازحين واللاجئين والمجتمع المدني والقوى المجتمعية المختلفة.
كما أن أي حوار جاد سيكون مطالبًا بمناقشة قضايا أساسية مثل شكل الدولة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وترتيبات الأمن، والعدالة، وإعادة الإعمار، والعودة الطوعية للنازحين واللاجئين، ومستقبل العملية السياسية.
وتكمن أهمية الحوار السوداني–السوداني في أنه يمكن أن ينقل السودان من مرحلة البحث عن تسوية بين أطراف الحرب إلى مرحلة البحث عن تسوية وطنية أوسع تعالج أسباب الأزمة وتحدد شكل الدولة بعد الحرب.
فالوساطات الخارجية يمكن أن تساعد في جمع الأطراف وتقريب وجهات النظر، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السودانية في تحديد مستقبل البلاد.
التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
المشهد السوداني الحالي يتحرك على ثلاثة مسارات متوازية: مسار عسكري يتغير بصورة مستمرة، ومسار دبلوماسي يحاول فتح نوافذ جديدة للتفاوض، ومسار سياسي سوداني يبحث عن صيغة للحوار حول مستقبل الدولة.
لقاء البرهان ومسعد بولس في العلمين يمثل عودة مهمة للاتصال المباشر بين الخرطوم وواشنطن، لكنه لا يعني وحده حدوث تحول كامل في الموقف الأمريكي أو اقتراب التسوية النهائية.
وفي المقابل، فإن استمرار التحركات العسكرية في كردفان ودارفور، وما شهدته جبهة غرب دارفور من تطورات، يؤكد أن الميدان لا يزال عنصرًا أساسيًا في تحديد مواقف الأطراف وقدرتها على التفاوض.
أما مبادرة الحكومة السودانية للحوار والسلام، فإن أهميتها تكمن في محاولة تقديم مسار سوداني للتفاوض، بالتوازي مع الانفتاح على الوساطات الإقليمية والدولية.
والمرحلة المقبلة تبدو مرشحة لمزيد من التفاعل بين الميدان والتفاوض؛ فكل تغير عسكري يمكن أن يؤثر في شروط التفاوض، وكل تقدم دبلوماسي يمكن أن يفرض حسابات جديدة على الأطراف العسكرية.
لكن المخرج النهائي من الحرب لن يكون عسكريًا أو خارجيًا وحده. فالسلام المستدام يحتاج إلى اتفاق سوداني يعالج أصل الأزمة، ويحافظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، ويضع ترتيبات واضحة للأمن والسياسة والعدالة وإعادة الإعمار.
ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام السودان ليس فقط إنهاء المعارك، وإنما منع تحول نتائج الحرب إلى انقسام دائم، وتحويل أي وقف لإطلاق النار إلى بداية فعلية لعملية سياسية سودانية واسعة تحدد مستقبل الدولة بإرادة السودانيين.
ويبقى السؤال المفتوح أمام المرحلة المقبلة:
هل تنجح الاتصالات الجديدة في تحويل التفاهمات الإقليمية والدولية إلى مسار تفاوضي سوداني حقيقي، أم يستمر الميدان في فرض إيقاعه على السياسة والسلام؟

المقالة السابقة

تقرير مجلس حقوق الإنسان عن السودان قراءة نقدية في ميزان القانون الدولي .. مستشار هشام محمود سليمان

المقالة التالية

نحو سياسة قومية للقطاع الرعوي في السودان .. د. الصادق عبدالله أبوعيّاشة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *