ليس أصعب على الشعوب من أن تسمع دروساً في تشخيص أزماتها من أولئك الذين أتيحت لهم فرصة المشاركة في إدارتها ثم انتهت تجربتهم دون أن تتحقق الوعود التي علقت عليهم. ومن هذا الباب تستحق تصريحات عبد الله حمدوك بشأن التفوق العسكري وجذور الأزمة السودانية أن تقرأ على ضوء تجربته في رئاسة الوزراء، لا باعتبارها مجرد رأي سياسي.
فحين يتحدث حمدوك عن أن التفوق العسكري لا يكفي لإنهاء الأزمة، وأن الحل الحقيقي يكمن في معالجة جذورها، فإن السؤال الذي يسبق مناقشة صحة هذا الطرح هو أين كانت هذه الأولويات عندما كان الرجل يجلس على كرسي رئاسة الوزراء ويملك من السلطة والشرعية الثورية ما كان يمكن أن يتيح له الشروع في معالجة أسباب الأزمة؟
لقد خرج السودانيون في ثورة ديسمبر طلباً للحرية والسلام والعدالة، ولم تكن أحلامهم محصورة في تغيير الوجوه أو إعادة ترتيب المقاعد داخل السلطة الانتقالية؛ كانوا ينتظرون دولة تعيد إليهم كرامتهم، وتوفر لهم مقومات الحياة، وتضع حداً للحروب والتهميش وتؤسس لعقد اجتماعي جديد تتساوى فيه الأقاليم والمواطنون في الحقوق والواجبات، لكن التجربة الانتقالية انشغلت بصراعات السلطة والتجاذبات بين المكونات السياسية والعسكرية والتفاهمات التي لم تستطع أن تؤسس لاستقرار مستدام، وظلت ملفات الاقتصاد، والمعيشة، وبناء المؤسسات، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري وتحقيق السلام الحقيقي تواجه تحديات جسيمة، بينما أخذت الثقة بين القوى التي قادت المرحلة تتآكل، ولا يمكن تحميل حمدوك وحده مسؤولية كل إخفاقات تلك الفترة، لكنه بحكم موقعه لا يستطيع إعفاء تجربته من المساءلة.
إن جذور الأزمة السودانية لم تكن سراً يحتاج إلى اكتشاف، فقد ظلت لعقود تتمثل في اختلال توزيع السلطة والثروة، وضعف مؤسسات الدولة، وتسييس الأجهزة النظامية، وتعدد مراكز القوة المسلحة وغياب مشروع وطني جامع. وكانت المرحلة الانتقالية فرصة تاريخية لمعالجة هذه الاختلالات، لكن الفرصة لم تتحول إلى مشروع متكامل يحصن البلاد من الانزلاق إلى الحرب وهنا تكمن المفارقة؛ أن يتحول الحديث عن جذور الأزمة بعد اندلاع الحرب إلى خطاب سياسي منفصل عن مراجعة المسؤوليات السابقة، فالمطلوب ليس إنكار أهمية المعالجة السياسية، وإنما السؤال عن أسباب تعثرها وعن دور النخب التي تصدرت المشهد في تعميق الانقسامات أو العجز عن تجاوزها، أما التفوق العسكري فلا يصح اختزاله في كونه انتصاراً ميدانياً لا قيمة له في السياسة، فحين تواجه الدولة تمرداً مسلحاً تصبح قدرتها على حماية المواطنين واستعادة سيادتها وإنهاء وجود السلاح خارج القانون جزءاً أساسيا من استعادة الاستقرار. وفي المقابل فإن الانتصار العسكري مهما اتسع لا يعفي الدولة من واجب الإصلاح، والمصالحة والعدالة وإعادة الإعمار.
المسألة إذن ليست اختياراً بين الجيش والسياسة، ولا بين الحسم العسكري والسلام، بل هي بناء دولة قادرة على حماية نفسها ومواطنيها ثم معالجة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة حتى لا تتكرر بأسماء وتحالفات جديدة.
إن السودان لا يحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر حاجته إلى شجاعة المراجعة، ومن حق حمدوك أن يطرح رؤيته للحل، كما أن من حق السودانيين أن يسألوه عن حصيلة تجربته، وعن الأولويات التي تصدرت حكومته وعن الفرص التي أتاحتها الثورة ولم تنجح السلطة الانتقالية في استثمارها.
فمن يتحدث اليوم عن جذور الأزمة مطالب بأن يجيب عن سؤال الأمس: ماذا فعل حين كان في موقع المسؤولية لمعالجتها؟ ذلك ليس تصفية حسابات، بل هو جوهر المساءلة السياسية التي لا تستقيم الديمقراطية من دونها، ولا يمكن بناء مستقبل السودان على أنقاض تجربة لم تناقش إخفاقاتها بصدق وموضوعية.


