Popular Now

السودان بين التحركات الروسية وتصاعد المواجهة الإقليمية .. البرهان يطرح الشراكة الاقتصادية وبوتين يعرض المساعدة لإنهاء الحرب وأبي أحمد يبحث عن التفوق العسكري (37) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد و باحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6363 | مقترح نؤيده وندعو لدراسته: حماية محولات الكهرباء من المسيرات ليست مستحيلة وليست مكلفة !!

وجه الحقيقة | موسكو والخرطوم.. من الوعود إلى المصالح .. د. إبراهيم شقلاوي

السودان بين التحركات الروسية وتصاعد المواجهة الإقليمية .. البرهان يطرح الشراكة الاقتصادية وبوتين يعرض المساعدة لإنهاء الحرب وأبي أحمد يبحث عن التفوق العسكري (37) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد و باحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

لم تعد الحرب في السودان محصورة في المواجهات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولا في السيطرة على المدن والمواقع العسكرية؛ فقد اتسعت دوائرها لتشمل استهداف المنشآت الحيوية، وتنامي الحديث عن مشاركة عناصر أجنبية، وتداخل المصالح الدولية والإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى موسكو ولقاؤه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة الروسية الأفريقية، لتفتح مساراً جديداً في العلاقات السودانية الروسية، بالتزامن مع تطورات ميدانية في دارفور، وتصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، وتزايد أهمية البحر الأحمر في حسابات القوى الإقليمية والدولية.

أولاً: مجريات الحرب واستمرار استهداف المرافق الحيوية
تتواصل العمليات العسكرية في عدد من جبهات السودان، مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة والغارات الجوية، خصوصاً في دارفور وكردفان. ولم تعد الأهداف مقتصرة على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى منشآت مدنية وأسواق ومرافق خدمية، بما يضاعف الأعباء الإنسانية والاقتصادية على المواطنين.
وشهدت مدينة نيالا خلال الأيام الأخيرة سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع متعددة، بينها مقار عسكرية ومواقع يُشتبه في استخدامها لأغراض القيادة والتدريب. وأفادت تقارير محلية بمقتل عشرات الأشخاص، بينهم عناصر من الدعم السريع، كما تحدثت مصادر عن سقوط ضحايا مدنيين في سوق طنجوج بمنطقة الدُّمايا.
وأشارت تقارير أخرى إلى مقتل أجانب خلال إحدى الغارات، كانوا برفقة عناصر من الدعم السريع، غير أن جنسياتهم وصفاتهم لم تُحسم بصورة مستقلة. وتكتسب هذه المعلومات أهمية في ضوء الاتهامات المتزايدة بشأن وجود مقاتلين وخبراء أجانب داخل مسرح العمليات السوداني.
إن استمرار استهداف المدن والمنشآت والأسواق يضع حماية المدنيين أمام اختبار بالغ الخطورة، ويؤكد أن اتساع نطاق الحرب لا يعني فقط تغير خطوط السيطرة، بل يهدد ما تبقى من البنية الاقتصادية والخدمية للدولة.

ثانياً: الفاشر وشهادات النور قبة.. مسؤولية القيادة عن الانتهاكات
عاد ملف الانتهاكات التي شهدتها مدينة الفاشر إلى الواجهة، عقب التصريحات التي أدلى بها اللواء المنشق عن قوات الدعم السريع، النور أحمد آدم قبة، بشأن مجريات العمليات التي انتهت بسيطرة الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025.
واتهم قبة نائب قائد الدعم السريع، عبد الرحيم حمدان دقلو، بالإشراف المباشر على العمليات والانتهاكات التي شهدتها الفاشر، وتحدث عن وجود دعم خارجي شمل التمويل والإسناد البشري والمادي.
وتكتسب هذه الإفادات أهميتها من صدورها عن شخصية عسكرية سابقة داخل منظومة الدعم السريع، لكنها تظل شهادات واتهامات تحتاج إلى التحقيق والتوثيق المستقل، ومقارنتها بالأدلة الميدانية وشهادات الضحايا والناجين.
وفي المقابل، فإن التقارير الحقوقية والتحقيقات الدولية التي تناولت أحداث الفاشر وثّقت انتهاكات واسعة، شملت القتل والعنف الجنسي والتهجير القسري، كما كشفت تحقيقات صحفية حديثة عن مؤشرات تتعلق بمواقع وجود قيادات ميدانية وعلاقتها ببعض الانتهاكات.
وتتجاوز أهمية هذا الملف الجانب الإعلامي؛ إذ يرتبط بمسألة المسؤولية القيادية والمحاسبة القانونية، وبمستقبل أي تسوية سياسية لا يمكن أن تتجاهل حقوق الضحايا أو تتجاوز الانتهاكات الجسيمة.

ثالثاً: اتهامات بمشاركة مدربين أوكرانيين وأجانب في القتال
من أبرز التطورات التي رافقت زيارة البرهان إلى موسكو تصريحات وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، الذي أعلن اعتقال عدد من القناصة والمدربين العسكريين الأوكرانيين، ومقتل آخرين خلال العمليات العسكرية، مشيراً إلى مصادرة أسلحة ومعدات قال إنها تشكل أدلة مادية على مشاركتهم.
واتهم الوزير عناصر أوكرانية بتدريب مقاتلي الدعم السريع على تشغيل الطائرات المسيّرة واستخدامها في استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية، كما تحدث عن وجود عناصر أجنبية من جنسيات مختلفة، بينها كولومبية.
وتطرح هذه التصريحات أسئلة مهمة حول طبيعة الدعم الخارجي الذي تتلقاه أطراف الحرب، ومدى تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات والتنافس بين قوى دولية وإقليمية.
لكن من الضروري التمييز بين التصريحات الرسمية والأدلة التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة؛ فإعلان اعتقال أشخاص أو مصادرة معدات لا يكفي وحده لإثبات طبيعة ارتباطهم المؤسسي أو الجهات التي يعملون لصالحها. وتبقى الحاجة قائمة إلى تقديم الأدلة للرأي العام والجهات الدولية المختصة، بما يحدد المسؤوليات ويمنع توظيف الاتهامات في توسيع دائرة الصراع.

رابعاً: البرهان وبوتين.. من البحث عن السلام إلى الشراكة الاقتصادية
شكّل لقاء البرهان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، يوم 30 أكتوبر، محطة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين. فقد أعلن بوتين استعداد روسيا للمساعدة في إنهاء الحرب السودانية، ودعم وقف العمليات القتالية والوصول إلى تسوية سياسية دون إملاءات خارجية.
كما قدم للبرهان ما وصفه الكرملين بخريطة طريق للتعاون الثنائي، تشمل التجارة والصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي والصحة والتعليم والخدمات اللوجستية. وأعلن تخصيص 100 منحة دراسية للطلاب السودانيين في الجامعات الروسية خلال عام 2026، مع التوجه لرفعها إلى 140 منحة في العام المقبل.
وفي المقابل، طرح البرهان إقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تتيح لروسيا إنشاء مستودعات لتخزين الوقود والقمح، واستخدام السودان مركزاً لتوزيع المنتجات الروسية نحو الأسواق الأفريقية. كما عرض فرصاً للاستثمار في الذهب والنحاس والمعادن، وتطوير شبكة السكك الحديدية وسلاسل النقل والإمداد.
وهنا تتضح دلالة التحرك السوداني؛ فالخرطوم لا تبحث عن دعم سياسي ودبلوماسي فحسب، بل تسعى إلى تحويل العلاقة مع موسكو إلى شراكة اقتصادية واستثمارية تسهم في إعادة بناء الدولة، وتوفر موارد وفرصاً للعمل والإنتاج، وتدعم موقع السودان بوصفه بوابة تجارية بين البحر الأحمر والعمق الأفريقي.
ومع ذلك، فإن خريطة الطريق والمقترحات الاقتصادية لا تعني أن المشروعات أصبحت اتفاقيات نافذة؛ إذ لم تُعلن تفاصيل مالية أو جداول تنفيذ نهائية للمنطقة الحرة أو الاستثمارات المقترحة. كما أن نجاح هذه الشراكة سيظل مرتبطاً بالاستقرار الأمني، وتوفير الضمانات القانونية، وحماية المصالح السودانية، وضمان ألا تتحول الموارد والموانئ إلى امتيازات لا تحقق عائداً وطنياً متوازناً.

خامساً: روسيا والسودان.. دلالات التحول في العلاقات الدولية
تأتي زيارة البرهان في وقت تتزايد فيه حاجة السودان إلى توسيع علاقاته الدولية، بعد أن واجهت الخرطوم ضغوطاً سياسية ودبلوماسية غربية، وخلافات بشأن توصيف الحرب ومواقف الأطراف المتحاربة.
وقد مثّل الموقف الروسي في مجلس الأمن، ولا سيما استخدام موسكو حق النقض في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بشأن السودان، أحد العوامل التي عززت تقدير الحكومة السودانية للموقف الروسي باعتباره داعماً لسيادة الدولة ووحدتها.
وفي المقابل، تنظر موسكو إلى السودان من زاوية تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فالساحل السوداني يمثل موقعاً مهماً على البحر الأحمر، كما أن الموارد المعدنية والأسواق الأفريقية وشبكات النقل تمنح السودان أهمية اقتصادية وجيوسياسية.
ومن هنا يمكن فهم التقاء المصالح بين الطرفين: السودان يريد توسيع خياراته السياسية والاقتصادية، وروسيا تسعى إلى تعزيز حضورها في أفريقيا والبحر الأحمر. لكن نجاح هذا التقارب لا ينبغي أن يقاس بالتصريحات والزيارات وحدها، وإنما بمدى تحوله إلى استثمارات ومشروعات منتجة، ودعم حقيقي للسلام، واحترام استقلال القرار السوداني.

سادساً: إثيوبيا والبحث عن التفوق العسكري.. البحر الأحمر ساحة تنافس إقليمي
في الجهة الأخرى من المشهد الإقليمي، تبرز التحركات الإثيوبية المرتبطة بطموحات الوصول إلى البحر الأحمر، في ظل التوتر المتصاعد مع إريتريا، واستمرار التحديات الداخلية التي تواجه حكومة آبي أحمد، بما فيها أزمة تيغراي والصراعات في مناطق أخرى.
وتشير تقارير وتحليلات أمنية إلى تعزيز الوجود العسكري الإثيوبي في الشمال، وسط مخاوف من اتساع المواجهة مع إريتريا وعودة الصراع إلى إقليم تيغراي. كما أن سعي أديس أبابا إلى الحصول على منفذ بحري لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح جزءاً من حساباتها الأمنية والاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الاهتمام الإثيوبي بالتفوق العسكري بوصفه محاولة لتعزيز أوراق القوة في التفاوض حول الوصول إلى البحر، وليس بالضرورة دليلاً على اتخاذ قرار نهائي بالحرب. فالتصعيد العسكري قد يمنح أديس أبابا قدرة ضغط، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر فتح جبهات متعددة، وإعادة إشعال صراعات داخلية وإقليمية لم تُحسم آثارها بعد.
أما إقليم تيغراي، فيظل عاملاً مؤثراً في هذه المعادلة؛ إذ إن أي مواجهة إثيوبية إريترية واسعة قد تعيد ترتيب التحالفات المحلية والإقليمية، وتزيد من هشاشة الحدود الممتدة بين السودان وإثيوبيا وإريتريا.
وبذلك تتقاطع الأزمة السودانية مع التنافس الإثيوبي الإريتري، ليس لأن ساحات الصراع واحدة، بل لأن الجغرافيا والموانئ والتحالفات العسكرية تجعل أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي منظومة مترابطة.

سابعاً: السعودية والبحر الأحمر.. من اليمن إلى السودان وتيغراي
تطرح التحركات السعودية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تسعى الرياض إلى تثبيته في هذه المنطقة. فالمملكة حاضرة في جهود الوساطة المتعلقة بالسودان، ولها علاقات مؤثرة مع أطراف إقليمية، كما تواجه تداعيات الحرب في اليمن والتهديدات المرتبطة بالملاحة البحرية.
وتذهب قراءة تحليلية نشرتها صحيفة الراكوبة إلى أن شبكة التحالفات السعودية على ضفتي البحر الأحمر قد تؤثر في موازين القوى الممتدة من اليمن والسودان إلى القرن الأفريقي، بما في ذلك التوترات الإثيوبية الإريترية وملف تيغراي.
لكن لا بد من التمييز بين التأثير السياسي والتحالفات الإقليمية من جهة، والاتهام بتقديم دعم عسكري مباشر لأطراف بعينها من جهة أخرى؛ فلا تكفي الاصطفافات السياسية وحدها لإثبات التدخل العسكري في صراع تيغراي.
وتبرز أهمية هذا الملف في أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر للتجارة والطاقة، بل أصبح مجالاً للتنافس على الموانئ والقواعد العسكرية والتحالفات وممرات الإمداد. ومن ثم فإن أي تصعيد في اليمن أو السودان أو القرن الأفريقي قد ينعكس على أمن الملاحة ومصالح الدول المطلة عليه.
أما التهديدات الأمريكية لإيران، وما يصاحبها من توتر حول مضيق هرمز وأسواق الطاقة، فتضيف بعداً آخر إلى المشهد؛ إذ إن اتساع الصراع في الخليج قد يرفع أهمية البحر الأحمر وباب المندب في حسابات القوى الدولية. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تجنب تحويل الخلافات الدولية إلى صراعات بين الدول العربية وإيران، أو الزج بمصر والدول العربية في مواجهات لا تخدم أمن المنطقة واستقرارها.

خاتمة
تكشف تطورات نهاية أكتوبر 2026 أن الحرب السودانية دخلت مرحلة تتشابك فيها المواجهة العسكرية مع التحركات الدبلوماسية والاقتصادية، وأن زيارة البرهان إلى موسكو تمثل محاولة لتوسيع خيارات السودان، سياسياً واستثمارياً، في وقت تسعى فيه روسيا إلى تعزيز حضورها الأفريقي عبر بوابة البحر الأحمر.
وفي المقابل، فإن استمرار الغارات على نيالا ومناطق أخرى، والاتهامات المتعلقة بمشاركة عناصر أجنبية، وشهادات المنشقين بشأن انتهاكات الفاشر، كلها تؤكد أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتحقق عبر التحركات الخارجية وحدها، ما لم يقترن ذلك بوقف استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإطلاق مسار سياسي سوداني يحفظ وحدة الدولة وسيادتها.
أما إقليمياً، فإن سعي إثيوبيا إلى تعزيز موقعها العسكري والبحري، وتداخل المصالح السعودية والروسية والدولية في البحر الأحمر، يجعل السودان جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع. ولذلك فإن التحدي الأساسي أمام الدولة السودانية هو تحويل موقعها الجغرافي ومواردها وعلاقاتها الخارجية إلى أدوات للتعافي والاستقرار، لا أن تصبح أراضيها، وموانئها ومواردها امتداداً لصراعات الآخرين.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6363 | مقترح نؤيده وندعو لدراسته: حماية محولات الكهرباء من المسيرات ليست مستحيلة وليست مكلفة !!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *