لا تعجب إلى عنوان الموضوع، ففي السؤال نهوض، ولأن المجتمعات التي تفقد السؤال تفقد عوامل النهوض دعنا نتأمل في المشهد السوداني سندرك أن ما يجري أكبر من مجرد مقدرة الحكومة أو إخفاق شعب، نحن أمام أزمة مركبة تتداخل فيها الحرب العسكرية مع الاستنزاف الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، في وقت يمر فيه العالم نفسه باضطرابات اقتصادية وجيوسياسية تفرض ضغوطاً متزايدة على الدول والمجتمعات.
ولفهم ما يحدث في السودان، لا بد من وضع الأزمة في سياقها العالمي، دون أن نجعل من الظروف الدولية تفسيراً وحيداً لما نعيشه، أو نتجاهل مسؤولية العوامل الداخلية عن تعميق الأزمة.
العالم نفسه يعاني، لكن الشعوب لا تدفع ثمن الأزمات بالمقدار نفسه،
ففي أكتوبر 2026، شهدت دول أوروبية احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والسكن، إلى جانب تدني القدرة الشرائية وتراجع مستوى بعض الخدمات العامة.
وفي البرتغال، خرج محتجون في لشبونة يوم 27 أكتوبر للاعتراض على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، بينما شهدت فرنسا ودول أوروبية أخرى احتجاجات ارتبطت بتكاليف المعيشة والأجور والخدمات.
هذه المشاهد تكشف حقيقة اقتصادية مهمة، حتى المجتمعات التي تمتلك مؤسسات راسخة واقتصادات متقدمة ليست محصنة من الضغوط المعيشية، ولا تستطيع دائماً منع اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف حياتهم، وقد زادت الحرب مع إيران وما ارتبط بها من اضطرابات في إمدادات الطاقة والتجارة، من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي وحذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها الصادر في سبتمبر 2026 من أن استمرار اضطرابات الطاقة قد يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويزيد الضغوط التضخمية بما يضعف القوة الشرائية ويبطئ النمو الاقتصادي. لكن إذا كانت هذه الضغوط تدفع مواطنين في أوروبا إلى الاحتجاج دفاعاً عن قدرتهم على السكن والمعيشة، فكيف يكون أثرها في بلد مثل السودان و الذي يواجه حرباً داخلية أضعفت الإنتاج، وألحقت أضراراً بالمنشآت والبنية التحتية، ودفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح وقلصت قدرة قطاعات واسعة على العمل والكسب؟! فهنا تتضح خصوصية المأساة السودانية، فالمواطن لا يواجه ارتفاع الأسعار وحده، بل قد يواجه فقدان مصدر دخله، وتعطل الخدمات، وتكاليف النزوح وصعوبة الوصول إلى الغذاء والدواء. كما أن تراجع الإنتاج المحلي يزيد أهمية الواردات في تلبية الاحتياجات، ويجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار العالمية، وتكاليف النقل، والتمويل وسعر الصرف.
إن السودان يواجه تراكباً بين أزمة عالمية تضغط على تكاليف المعيشة وحرب داخلية تضرب قدرته على الإنتاج والصمود، ومن هنا ينبغي أن نفهم خطورة المرحلة، فالحرب خطة منظمة تستهدف فصل الشعب عن الجيش، وأن يتحول التدهور الاقتصادي إلى عامل في إضعاف هذه العلاقة، و إنهاك الإرادة الوطنية، وممارسة الضغوط المعيشية الطويلة لإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، والقصد منه تحويل الغضب لاتساع الفجوة.
نعم يجب ألا ننسى أن الدول التي تواجه اضطرابات اقتصادية عالمية تستطيع ،بدرجات متفاوتة، استخدام مؤسساتها وسياساتها المالية والاجتماعية لتخفيف الأعباء عن مواطنيها.
لقد قدم السودانيون تضحيات كبيرة، ولا يجوز أن تنتهي هذه التضحيات إلى وطن مستنزف وشعب فاقد للأمل لاستعادة السودان،
كما يجب على المواطن ألا يجعل من نفسه خنجراً مسموماً في جسد وطنه، فالمعركة ليست على الأرض وحدها، إنها أيضاً معركة على قدرة الإنسان على البقاء، وعلى حقه في حياة كريمة وعلى ألا يفقد ثقته في إمكانية إنقاذ وطنه.
السودان يحتاج إلى خطة للتحصين الاقتصادي من الاستيراد إلى الإنتاج.
إذا كان العالم يعيش اضطرابات اقتصادية وإذا كانت الحروب وتوترات الطاقة والتجارة تهدد سلاسل الإمداد وترفع تكاليف المعيشة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس فقط كيف يتعامل مع هذه الأزمات، بل كيف نحصن أنفسنا من آثارها في المستقبل؟
السودان يحتاج إلى خطة اقتصادية وطنية تجعل الإنتاج أساس الاقتصاد، والاستيراد وسيلة لتغطية الاحتياجات التي لا يستطيع الإنتاج المحلي توفيرها، لا يعني ذلك إغلاق البلد أمام العالم أو وقف الاستيراد بصورة عشوائية، فهناك احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها، مثل الوقود ومشتقاته، والأدوية والمستلزمات الطبية، وبعض مدخلات الإنتاج والآلات وقطع الغيار والتقنيات الضرورية، لكن المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات بحيث توجه العملات الأجنبية إلى الضروريات ومدخلات الإنتاج، بدل استنزافها في سلع استهلاكية يمكن إنتاج بدائل مناسبة لها محلياً وتبدأ الخطة من الزراعة، لا باعتبارها قطاعا تقليدياً، بل باعتبارها أساساً للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والتشغيل.
إننا نمتلك أراضي زراعية واسعة، وموارد مائية وخبرات بشرية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي يحتاج إلى تمويل مناسب، وتوفير الوقود والطاقة، وإصلاح نظم الري، وتأمين المدخلات الزراعية، وتحسين التخزين والنقل والتسويق، ولا يكفي أن نزرع ثم نترك المحاصيل عرضة للتلف أو نبيعها خاماً ونستورد منتجاتها المصنعة، المطلوب هو ربط الزراعة بالصناعة من خلال إنشاء وتطوير مصانع الزيوت، والسكر، و الأعلاف، والألبان، والمنتجات الغذائية، والجلود والمنسوجات، بحسب الجدوى الاقتصادية وتوافر المواد الخام بهذه الطريقة تتوسع القيمة المضافة داخل السودان وتخلق فرص عمل جديدة ويزداد دخل المنتجين. ويجب أن تمتد الخطة إلى الإنتاج الحيواني، والثروة السمكية، والتعدين والصناعات التحويلية، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تخفض فاتورة الاستيراد، وتحقق عائداً اقتصادياً وتوفر فرص عمل مستدامة. فليس الهدف إنتاج كل شيء داخل البلاد مهما بلغت تكلفته، وإنما إنتاج ما يستطيع السودان إنتاجه بكفاءة وتنافسية، والاستيراد عندما يكون أكثر ضرورة أو جدوى.
أما الشباب فهم ليسوا مجرد أعداد تبحث عن وظائف، بل قوة إنتاجية يمكن أن تغير شكل الاقتصاد إذا أتيحت لها الفرصة، ويقتضي ذلك إطلاق برامج عملية لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتدريب المهني، والتوسع في الصناعات الزراعية، وصيانة المعدات، والطاقة الشمسية، والخدمات الرقمية، وسلاسل التوزيع والتسويق. ومن المهم ألا يتحول تمويل الشباب إلى قروض بلا أسواق أو مشروعات لا تجد من يشتري منتجاتها، يجب ربط التمويل بالتدريب ودراسة الجدوى والتسويق، وتسهيل الوصول إلى الأراضي والمعدات والخدمات الأساسية، وإتاحة الفرصة أمام المنتجين الشباب للمشاركة في سلاسل التوريد المحلية ولإنجاح هذه الخطة، يحتاج السودان إلى سياسة واضحة لترشيد الاستيراد، وتصنيف السلع بحسب أهميتها، وحماية الاحتياجات الأساسية وتسهيل استيراد مدخلات الإنتاج، كما يحتاج إلى مراجعة الرسوم والإجراءات التي تعطل المنتجين، ومكافحة التهريب والاحتكار، وتحسين بيئة الأعمال وضمان استقرار السياسات حتى يتمكن المستثمر من التخطيط. ويجب أن تنفذ الخطة على مراحل، تبدأ بالسلع الغذائية الأساسية ومدخلات الزراعة والإنتاج الحيواني، ثم تتوسع إلى الصناعات التي تتوافر لها المواد الخام والقدرات الفنية والأسواق ويقاس النجاح بانخفاض الاعتماد على الواردات في السلع المستهدفة، وارتفاع الإنتاج المحلي وزيادة فرص العمل، وتحسن دخول المنتجين، لا بمجرد إصدار قرارات بمنع الاستيراد.
إن التحصين الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق بإغلاق الحدود، بل ببناء قدرة وطنية على الإنتاج والصمود فالدولة التي تعتمد على الخارج في معظم احتياجاتها تصبح أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار، والنقل، والعملات والحروب، بينما اعتمادها على قاعدة إنتاجية متنوعة تمنحها مساحة أكبر للمناورة والاستقرار فالسودان لا تنقصه الإمكانات وحدها؛ إنه يحتاج إلى تحويل ما يملكه إلى إنتاج، وما ينتجه إلى صناعة، وما تصنعه الصناعة إلى وظائف ودخل وقيمة مضافة وهنا يصبح توظيف طاقة الشباب، وإنعاش الزراعة، وربطها بالصناعة وترشيد الاستيراد.
علينا الانتقال من اقتصاد يستهلك موارده في تلبية احتياجاته من الخارج، إلى اقتصاد ينتج احتياجاته الأساسية، ويوفر العمل لمواطنيه، ويستعيد قدرته على مواجهة الأزمات العالمية فعالم اليوم تتكرر فيه الصدمات، لا يكفي أن ننتظر انتهاء الأزمات حتى نبدأ البناء يجب أن نبدأ الآن، وفق خطة واقعية، وأولويات واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، حتى لا تتحول الحرب الحالية إلى بداية لدورة جديدة من التبعية الاقتصادية والاستنزاف ولكي تكون الخطة قابلة للتنفيذ، أقترح أن تقوم على خمسة مسارات مترابطة
1- ترشيد الاستيراد:
حماية استيراد الغذاء والدواء والوقود الضروري ومدخلات الإنتاج، ومراجعة السلع الكمالية التي تستنزف العملات الأجنبية، دون خلق نقص أو احتكار في الأسواق.
2-نهضة زراعية:
إعطاء الأولوية للمحاصيل الغذائية والاستراتيجية، وإصلاح الري، وتوفير التمويل والمدخلات والطاقة والتخزين.
3-التصنيع المحلي:
تحويل جزء أكبر من الإنتاج الزراعي والحيواني إلى منتجات مصنعة داخل السودان.
تشغيل الشباب:
تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وربط التدريب بالإنتاج الفعلي والأسواق .
4- إدارة اقتصادية منضبطة:
تحديد أولويات استخدام النقد الأجنبي، ومراجعة النتائج دورياً، وقياس ما تحقق من إنتاج ووظائف ووفر في الاستيراد. هناك نقطة جوهرية:
المنع وحده لا يصنع اقتصاداً منتجاً، فإذا قيد الاستيراد قبل توفير البدائل المحلية فقد ترتفع الأسعار، وتتراجع المنافسة ويستفيد المحتكرون، لذلك يجب أن يتدرج ترشيد الاستيراد بالتوازي مع زيادة الإنتاج، مع رقابة تمنع تحول الحماية إلى امتيازات خاصة.


