Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

وجه الحقيقة .. المصفاة ستُعاد للعمل، لكن يبقي الخذلان! … إبراهيم شقلاوي

يشهد السودان تصعيداً أمنياً خطيراً مع استمرار مليشيا الدعم السريع في انتهاك القانون الدولي الإنساني، في ظل صمت واضح من المجتمع الدولي و المنظمات الإقليمية و الدولية. هذا الصمت يثير تساؤلات كبيرة حول المواقف الدولية خاصة مع تصاعد الأحداث التي تؤكد أن المليشيا باتت تستخدم سياسة الأرض المحروقة في مواجهتها مع القوات المسلحة السودانية مما يُظهر كارثية الأزمة الأمنية و الإستراتيجية المدعومة إقليميًا التي تكاد تعصف بالبلاد حيث عمدت المليشيا إلى تدمير مصفاة الخرطوم “الجيلي” للمشتقات البترولية.

استفاق السودانيون امس الأول على أعمدة من الدخان الكثيف تتصاعد من مصفاة الجيلي ، إحدى أهم المنشآت البترولية شمال الخرطوم. وأفادت مصادر ميدانية بأن الدخان ناجم عن اشتباكات عنيفة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع ، حيث أقدمت الأخيرة على حرق المصفاة لتغطية إخراج جنودها بعد محاصرتها وطردها من قبل الجيش . هذا التكتيك الذي يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني يكشف عن فقدان المليشيا لزمام المبادرة الميدانية، و بداية انهيارها و اعتمادها على تدمير البنية التحتية لتحقيق مكاسب سياسية.

بحسب خبراء تمثل مصفاة الخرطوم واحدة من أبرز المنشآت النفطية في السودان، حيث تسهم بتغطية 33% من الاستهلاك المحلي للطاقة ما يعكس أهميتها الاقتصادية الكبيرة. تأسيس المصفاة كلف السودان حوالي 7 مليارات دولار بالإضافة إلى تكلفة إنشاء الخطوط و المستودعات و المنشآت المرتبطة بها. في حال الحاجة لتأسيس مصفاة جديدة فإن الأمر قد يتطلب ما لا يقل عن 18 شهرًا لإنجازها.

يُعد استهداف المنشآت المدنية و الحيوية انتهاكاً مباشراً للمادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لعام ،1977 كما يصنف ضمن جرائم الحرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي. هذه الانتهاكات التي طالت محطات الكهرباء و المياه و المؤسسات الصحية و التعليمية تعكس استراتيجية ممنهجة لإضعاف الحكومة السودانية من خلال الضغط الشعبي الناتج عن تعطل الخدمات الأساسية. لكن هذه التكتيكات التي ربما تهدف إلى دفع الحكومة نحو التفاوض تبدو أقرب إلى محاولة يائسة من مليشيا فقدت شرعيتها و تواجه عزلة داخلية و خارجية. فور هذا التطورات العسكرية و السياسية أصدرت القوات المسلحة السودانية بيان إدانة بموجب الحادثة و وصفت مليشيا الدعم السريع بالإرهابية، كما أصدرت الحكومة السودانية على لسان المتحدث الرسمي باسم الحكومة (خالد الإعيسر) بياناً أدان المليشيا في استهداف البنية التحتية. اعقب ذلك زيارة قام بها أمس رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى المصفاة بعد تحريره معلنا تعهده بإعادة اعمارها للقيام بدورها في إمداد العاصمة القومية بالوقود ، مع الاستمرار في دحر التمرد حتي إستعادة الأمن وتحقيق السلام للسودانيين .

هذه التطورات الأخيرة تسلط الضوء على تحديات أمنية كبيرة تواجه بلادنا . استهداف المصفاة لا يقتصر على كونه عملاً عدائياً ضد منشأة حيوية فحسب ، بل يمثل تهديداً لاستقرار البلاد الاقتصادي والسياسي . ومع ذلك فإن الصمت الدولي حيال هذه الانتهاكات يُثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير في التعاطي مع الشأن السوداني . لذلك يجب قراءة هذه الهجمات كإشارة واضحة إلى أن مليشيا الدعم السريع باتت تدرك قرب انهيارها العسكري ، ما دفعها إلى محاولة إرباك المشهد السياسي والأمني عبر استهداف البنية التحتية . ومع ذلك فإن هذا النهج يُعزز من عزيمة الحكومة السودانية والقوات المسلحة على استئصال هذه التهديدات وإعادة بناء ما تم تدميره .

في هذا السياق تبرز ضرورة دعم السودان على المستويين الإقليمي و الدولي لمواجهة هذه التحديات. تصنيف المليشيا كجهة إرهابية و ملاحقة داعميها دولياً يمثلان خطوات أساسية لضمان الاستقرار و الأمن في البلاد. في إطار الموقف الدولي، سبق أن اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوات مهمة في التصدي لانتهاكات مليشيا الدعم السريع. فقد وصفت الخارجية الأمريكية الجرائم التي ارتكبتها المليشيا بأنها جرائم حرب و ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية مشيرة إلى استخدامها الممنهج للعنف ضد المدنيين .

كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قائد المليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي) و سبع من شركاته الاقتصادية التي تمثل عصب التمويل المالي للمليشيا. تلك العقوبات تأتي ضمن مساعٍ دولية لتجفيف مصادر تمويل المليشيا و الحد من قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية ، لكنها تؤكد أيضاً الحاجة إلى تصعيد دولي أكبر لدعم السودان في معركته ضد هذه الانتهاكات.

بحسب ما نراه من وجه الحقيقة فإن ما يجري في بلادنا اليوم ليس مجرد حرب داخلية، بل اختبار لإرادة المجتمع الدولي في مواجهة المليشيا و داعميها التي تتحدى أُسُس القانون الدولي، ما يستدعي وقفة حازمة لتجنب تكرار السيناريوهات الكارثية التي شهدتها دول أخرى. ما يجري في السودان اليوم يستوجب تضامنا حقيقيًا باعتباره يمثل اختبار للإرادة الدولية في التصدي لانتهاكات المليشيا. يجب أن يتجاوز المجتمع الدولي مرحلة الإدانة إلى اتخاذ خطوات ملموسة تشمل تصنيف المليشيا كجهة إرهابية و ملاحقة داعميها لضمان ألا تصبح جرائمها سابقة تُهدد السلم و الأمن العالميين. أما المصفاة ستُعاد للعمل بإرادة السودانيين لكن يبقي الخذلان في عالم ما زال يقف متفرجًا علي حرب أشعلها التآمر الدولي و الأطماع الاقليمية بمساعدة من قوي سياسية داخلية تسعي إلى تحقيق أجندتها المقيتة.
دمتم بخير و عافية.
الاحد 26 يناير 2025م. Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

دعاوى (الدعامي)! .. بقلم/ بهنس الأحمدي مصطفى

المقالة التالية

مسارات … الترابط والتوافق المجتمعي أساس وحدة السودان .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *