Popular Now

سلسلة صفقات ترامب – (24) .. محاولة اغتيال ترامب: من يستهدف الرجل… ولماذا تتكرر المحاولات؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مسارات .. الماء … حينما يصبح سياسة حياة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

من جهة أخرى .. ماذا يريد “عيال زايد” من السودان؟ .. عبود عبدالرحيم

استخفاف المستبدِّين وأمانيُّ المسلمين .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد اسماعيل

👑 مما يُلفت النظر في القرآن الكريم أنه كتابٌ نزل على المسلمين ولكنه لم يحدث قطُّ أن خاطبهم، فلم يرِد فيه أبداً عبارة يا أيها الذين أسلموا أو يا أيها المسلمين أو قل للمسلمين، بل كان عامة خطابه للذين آمنوا، وأكثر من ذلك أنه قال {قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا یَدۡخُلِ ٱلۡإِیمَـٰنُ فِی قُلُوبِكُمۡۖ}، وعند النظر في الآيات التي خاطبت الذين آمنوا ومقارنتها بحال المسلمين اليوم سنجد البون الشاسع والتباين الواسع ، وسيتضح لنا لماذا لا تتحقق موعودات المؤمنين في المسلمين، إذ الإيمان مسئوليةٌ يتضمنها ابتلاء وامتحان حتميٌّ ولا يتحقق الإيمان إلا به {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤا۟ أَن یَقُولُوۤا۟ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ}.

👑 إنما جاء الإسلام في جوهره لمحاربة الظلم حيثما كان وكيفما كان ، ويبدء ذلك من ظُلم الإنسان لنفسه {وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَـٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ یَعِظُهُۥ یَـٰبُنَیَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِیمࣱ}، وقد عاش ﷺ بعد الرسالة ولم يمُر عليه شهرٌ دون مسير ، وما كان قتاله ومعاركه ومسيره ﷺ إلا محاربةً للظلم ودفعاً له ، والمنهج في ذلك قوله تعالى {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ ٰ⁠مِینَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَاۤءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَۚ}، وخيرية أمة المؤمنين نابعةٌ من قوامتها على الحق والقسط بين الناس .. كل الناس ، وهي خيريةٌ مقيَّدة بهذه المسئولية وليست بعموم الإنتماء أو الإدِّعاء { كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ}، والمسلمون الأوائل استقرَّت في نفوسهم هذه القيم التي حملوها لغيرهم من شعوب الأرض التي فتحوها ، ومن ذلك ما جاء على لسان ربعي بن عامر: (إن الله ابتعثنا لنُخرِج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

👑 إن دفع الظلم ومدافعته لا تتحقق إلا بقوةٍ في القِيَم وقوةٍ في اليقين وقوةٍ في الحُجَّة وقوةٍ في حُسن التدبير وقوةٍ في إقامة الحق والعدل وقوةٍ في استخدام الحديد والبأس الشديد ، وتلك خارطة الطريق الربانية للرسل والمؤمنين على امتداد الزمان {لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ }، وقد خصَّص ربنا نصيباً وافراً من القرآن فصَّل لنا الظلم الطبقي (قوم نوح، وثمود، وآل فرعون، مدين) ، الظلم السياسي (فرعون، عاد، ثمود)، والظلم الاقتصادي (عاد، مدين)، الظلم الأخلاقي (قوم لوط)، وقد بيَّن القرآن في ذلك كله سوء عاقبة الظلمة وأعوانهم والخانعين لهم .. فلا يجتمع في القلب الإيمان والاستكانة للظلم مهما ساءت ظروف المؤمنين، ومهما انتفش الظالمون وتجبَّروا {وَكَأَیِّن مِّن نَّبِیࣲّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّیُّونَ كَثِیرࣱ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَاۤ أَصَابَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِینَ}، والمسئولية في مقارعة الظلم والظالمين فردية، لا ترتبط بدولة، ولا بحزب، ولا بطائفة { فَقَـٰتِلۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن یَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسࣰا وَأَشَدُّ تَنكِیلࣰا }، ونتائج محاربة الظلم ربَّانيَّة ، فالتوفيق والنصر بيد الله وحده .. فهو سبحانه من يدرأ الفتن، ويرفع البلاء، ويُطفئ الحروب ويكتب النصر والمؤمن واجبه أن يقوم بدوره لا أن يتكلَّف اختصاص ربِّه.

👑 فصَّل القرآن الكريم الحالة الفرعونية باعتبارها نموذجاً للطغيان والاستبداد السياسي ، وذلك لأنها الحالة الأكثر تكراراً والأكبر فساداً والأشد إزراءاُ بالإنسان على امتداد التاريخ، فموسى عليه السلام كان مُرسلاً إلى فرعون وليس إلى المُستَخَف بهم (جنود أو قوم فرعون)، فهم لا يرون إلا ما يرى فرعون الذي لا يُلزمه عقدٌ اجتماعي ولا تضبطه آلية رقابة ناهيك عن محاسبة ، ومن كان ذلك شأنه فقد تألَّه في قومه فعلاً وإن لم يُصرَّح بذلك قولاً، والقرآن يخبرنا بأنهم قومٌ فاسقون إذ ارتضوا ذلك الاستخفاف بهم لدرجةٍ أسلموا فيها قيادهم لغير خالقهم دون قيدٍ أو شرطٍ أو عقد ، وهو خنوعٌ وإذعانٌ ممقوتٌ عندالله، ولا تستقيم به فطرةٌ سويَّة، وإن المؤمن ليضطرب قلبه ويقشعر بدنه من الأسف الإلهي الذي تفضي إليه تلك الاستكانة {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}، وقد كان في قوم فرعون وجنوده يومذاك الفقراء والمساكين والبسطاء والجهلاء والمغلوبين على أمرهم ، ولكن القرآن لم يجعل ذلك عُذراً لخنوع خانع {إِنَّ ٱلَّذِینَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰۤئكَةُ ظَالِمِیۤ أَنفُسِهِمۡ قَالُوا۟ فِیمَ كُنتُمۡۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَ ٰ⁠سِعَةࣰ فَتُهَاجِرُوا۟ فِیهَاۚ فَأُو۟لَـٰۤـٰئكَ مَأۡوَـٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَاۤءَتۡ مَصِیرًا}، فالمؤمن واجب عليه عدم الخضوع للظلم والاستبداد وأن يستنفد الوسع حتى ولو كان كل مافي الوسع هو الفرار بكرامته ، فإن عجز عن كل ذلك فعسى أن يكون فيمن قيل فيهم {إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَ ٰ⁠نِ لَا یَسۡتَطِیعُونَ حِیلَةࣰ وَلَا یَهۡتَدُونَ سَبِیلࣰا}، وكُفارنا بالسُّنن الإلهية ليسوا خيراً أولئكم ولا لهم براءةٌ في الزُّبر ، ونحن اليوم بالخيار بين أن نكون من الذين آمنوا وبين أن نكتفي بادِّعاء أننا أسلمنا {ٱحۡشُرُوا۟ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ وَأَزۡوَ ٰ⁠جَهُمۡ وَمَا كَانُوا۟ یَعۡبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طِ ٱلۡجَحِیمِ (٢٣) وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ (٢٤) مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلۡ هُمُ ٱلۡیَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ (٢٦) وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ یَتَسَاۤءَلُونَ (٢٧) قَالُوۤا۟ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡیَمِینِ (٢٨) قَالُوا۟ بَل لَّمۡ تَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِینَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَـٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمࣰا طَـٰغِینَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَیۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَاۤۖ إِنَّا لَذَاۤئِقُونَ (٣١) فَأَغۡوَیۡنَـٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِینَ (٣٢) فَإِنَّهُمۡ یَوۡمَئِذࣲ فِی ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَ ٰ⁠لِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِینَ (٣٤)}.

قطيعٌ نحن ، والجزار راعينا
ومنفيِّون نمشي في أراضينا
ونحملُ نعشنا قسراُ بأيدينا
ونُعرِبُ عن تعازينا لنا فينا

٤ أغسطس ٢٠٢٥م

المقالة السابقة

مسارات … نتألّم لنتعلّم .. يقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

الصناعات التحويلية الزراعية وأثرها على الاقتصاد السوداني بعد الحرب .. بقلم/ زهير عبدالله مساعد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *