من قلب منطقة النقعة والمصورات بولاية نهر النيل، إحدى أيقونات الحضارة الإنسانية، اختار رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أن يخاطب الشعب السوداني بالأمس في الذكرى المئوية لتأسيس الجيش ومرور 71 عامًا على سودنته.
فيما يبدو اختيار المكان ليس صدفة، بل قرارًا سياسيًا واعيًا، مدروسًا، ومدعومًا برؤية إعلامية ذكية تعرف كيف توظف رمزية الموقع في معركة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى السيادة والوجود والشرعية.
النقعة تمثل شاهداً حياً على عراقة الحضارة السودانية وتاريخها. فقد كانت مدينة مهمة في المملكة الكوشية، وشهدت تعاقب الممالك وبناء معابد بارزة مثل آمون ومعبد الأسد الذي تم بناءه حوالي 225 ق.م حيث تلاقت الروحانية الدينية بالسياسة والإدارة ليصنعا التاريخ.
النقعة تقع على بُعد نحو 170 كيلومتر شمال شرق الخرطوم، و تبرز كمركز مهم على طرق التجارة القديمة، مما منحها أهمية كبيرة تعرف بمعابدها المتنوعة.
أن يأتي خطاب الرئيس البرهان من هذا المكان، هو ربط الماضي بالحاضر، واستدعاء التاريخ كفاعل في حرب 15 أبريل 2023، حين تصدت نخبة أمينة من الحرس الرئاسي لمحاولة اختطاف الدولة بواسطة ميلشيا الدعم السريع وداعميها المحلين و الإقليميين، فحمت قائد الجيش راس الدولة وحمت السودان، ونهض معها أبناء الوطن المخلصين للدفاع عن البلد.
الخطاب حمل رسائل متعددة: داخليًا، أعاد التأكيد على أن القوات المسلحة مؤسسة وطنية خالصة منذ تأسيسها عام 1925 باسم “قوة دفاع السودان”، لا باسم ملك ولا استعمار.
وخارجيًا، أوصل عدة رسائل بأن الجيش السوداني امتداد لتقاليد عسكرية ضاربة في عمق التاريخ، و أنه حارس للسيادة وذاكرة الأمة.
و إن أي رهان على الميلشيا هو رهان خاسر، وإن شرعية الحكم في السودان لا تُمنح من العواصم الإقليمية، بل تُستمد من التاريخ، ومن الأرض والشعب و التضحيات .
أهم ما في الحدث هو إدراك القيادة أن الصراع اليوم لا يُحسم بالسلاح وحده، بل بالسردية التي تحدد من يملك شرعية تمثيل الوطن. فالظهور من النقعة والمصورات تأكيد بأن السودان ليس وليد حدود استعمارية، بل امتداد حضارة راسخة، وأن الجيش حارس الهوية الوطنية وسيادة البلاد وقرارها .
سياسيًا جمع الخطاب بين النبرة التعبوية العالية ومفردات مثل “معركة الكرامة” و”دحر التمرد”، وبين الرمزية المنتبهة التي تعزز شرعية الجيش في مواجهة محاولات التشكيك. وهكذا، تجاوز الخطاب مناسبة عيد الجيش ليصبح بيانًا ثقافيًا سياسيًا يحدد معنى “الوطن” ومن يملك حق الدفاع عنه.
في هذا السياق، يظهر خطاب البرهان وكأنه إعادة تموضع ذكي، تسعى فيه القيادة العسكرية إلى تجاوز الخطاب الأمني الضيق، نحو خطاب ثقافي-سياسي أوسع. وهو بذلك لا يكتفي بمخاطبة الخصوم أو الحلفاء ، بل يخاطب وجدان الشعب السوداني، ويستدعي شعوره بالوحدة، في لحظة يبرز فيها أهمية استعادة المشروع الوطني الذي يعزز الانتماء والولاء.
مهما اختلفت مواقف المخذّلين من البرهان أو من أداء المؤسسة العسكرية، فإن اختياره النقعة والمصورات رسالة واضحة: السودان لا يُدار بالإنابة ولا تحت الوصاية، بل من قلب أرضه التي صنعت تاريخه. في النقعة، اختُزلت معادلة السيادة: مشروع وطني يقاوم التفكيك، في مواجهة قوى طارئة بلا شرعية سياسية أو تاريخية.
هذا وبحسب #وجه_الحقيقة فإن البرهان في النقعة كما الشعب السوداني في النقعة، رافضين أن تُختطف دولتهم، وحاملين إرثًا من العزة والشموخ لا يعرف الاعتداء على الآخرين، لكنه يعرف كيف يدافع عن الأرض والتاريخ. ومن هنا، صارت النقعة منصة لإعلان أن السودان لا يُدار بالإملاءات أو ارتهان القرار ، ولا يُسلم للخذلان، بل تظل خيله مسرجة لتستعيد مجده وتحفظ وحدته.
دمتم بخير وعافية.
الجمعة 15 أغسطس 2025م Shglawi55@gmail.com

