ليست النهايات هي ما يصنع المسي بل البدايات التي انحرفت قليلا ثم واصلت السير مطمئنة هناك في اللحظة التي يختلط فيها الوهج بالحقيقة وتستبدل الرسالة بالمصلحة تبدأ الحكاية حكاية السقوط التي لا ترى إلا بعد اكتمالها
لم تسقط الأندلس حين فتحت أبواب سقوط غرناطة 1492، بل سقطت قبل ذلك بقرون يوم أن فقدت وحدتها التي صاغتها الخلافة الأموية في الأندلس وانزلقت إلى زمن عصر ملوك الطوائف حيث صار كل جزء كيانًا مكتفيا بذاته وكل حاكم مشروعًا منفصلًا عن الكل في تلك اللحظة لم يكن السيف قد انكسر بل البوصلة نفسها تحولت الفكرة الكبرى إلى تفاصيل صغيرة، وانشغلت السلطة بحماية نفسها بدل حماية معناها، و صار البقاء في الحكم غاية لا وسيلة واستبيحت التحالفات التي كانت تعد خيانة وأُعيد تعريف الولاء وفق ما تمليه اللحظة لا ما تقتضيه المبادئ وفي الضفة الأخرى كانت قوى مثل مملكة قشتالة ومملكة أراغون تبني مشروعها بصبر طويل لا تعجل الحسم، بل تراكم القوة وتنتظر اكتمال ضعف خصمها وحين نضج الانقسام في الداخل لم يحتج الخارج إلى معجزة، بل إلى لحظة مناسبة فقط هكذا جاء السقوط لا كحادثة، بل كنتيجة.
وإذا انتقلنا إلى واقعنا القريب لا بوصفه تكرارًا للتاريخ، بل بوصفه صدى لسننه نجد أن تجربة الإنقاذ في السودان سارت في بعض وجوهها على المسار ذاته؛ بدأت الفكرة مشروع يحمل تصورًا شاملًا يعد بإعادة تشكيل الواقع وفق رؤية كلية، لكن ومع امتداد الزمن حدث ما يشبه الانزلاق الهادئ؛
– من مشروع جامع إلى شبكة مصالح،
– ومن وحدةٍ تنظيمية إلى مراكز قوى متنازعة ومن خطابٍ تعبوي إلى ممارسةٍ تبحث عن البقاء لم يكن الانهيار لحظة سقوطٍ مفاجئ، بل نتيجة تراكمات
تآكل الثقة، وتصاعد الصراعات الداخلية وتراجع الصلة بين السلطة والناس.
وكما في الأندلس لم يكن العامل الخارجي هو الحاسم بقدر ما كان الداخل قد مهد الطريق فحين تضعف الفكرة، وتتشظى القيادة وتفقد السلطة معناها يصبح السقوط احتمالا طبيعيا لا استثناء.
ومع ذلك، يبقى الفارق قائمًا فسقوط الأندلس كان نهاية وجودٍ حضاري كامل في تلك الأرض أما سقوط الإنقاذ فكان تحولًا سياسيًا داخل دولة ما تزال قائمة تبحث عن مسارٍ جديد، لكن الشبه لا يكمن في النتيجة، بل في الطريق طريق يبدأ حين يغري البريق، وتبرر التنازلات ويعاد تعريف الخطأ حتى يبدو صوابًا.
إن أخطر ما يواجه التجارب الكبرى ليس خصومها، بل لحظة فقدانها لذاتها حين تتحول الرسالة إلى وسيلة والسلطة إلى غاية والوحدة إلى عبء هناك لا يكون السقوط مفاجئًا بل مؤجلًا فقط، فالتاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يكشف مرة بعد أخرى أن كل سقوط عظيم بدأ بانحراف صغيرٍ لم يؤبه له.


