لماذا أتناول كامل إدريس القائد الأول لفريق العمل المدني التنفيذي في البلاد؟ ولماذا جبريل إبراهيم المدير الأول على ولاية المال العام والخاص في السودان؟
ما دعاني لكتابة هذا المقال أو المنشور هو ضياع ” قوة البرادايم” عند الرجلين، وبالتالي إكساب الدولة هشاشة أكبر وأكثر من وضع الدولة التي فيه، فالأول أتى به قائد الجيش البرهان ظناً منه أنه عمل عبر مؤسسات تعمل وفقاً لبرادايم الأمم المتحدة التي لا يحق لأي عامل كان أن يحيد عن الطريق والبرادايم [[ Paradigm ]] المرسوم له وينبغي أن يسلكه، والثاني رجل تتقاذفه مهام تكليف قيادة حركة مسلحة هي حركة العدل والمساواة، وهي قيادة مؤسسة مسلحة أرادت أن تستحوذ على الجمع ماغبين العمل المدني والعمل العسكري في محاصصة قديمة ظلت تنهش في هيكل الدولة السودانية الهشة أو أنها في طور المتلاشي.
و تستهويني دائماً أو أميل دوماً للكتابة بعمق ومرجعية علمية تستند إلى فلسفة أو نظرية قابلة للتطبيق أو مطبقة في كل الدول التي تحترم شعوبها ونظمها وتسعى لتطبيق القانون وصيانة الحقوق بغض النظر عن الإيمان والمعتقد لتلك الدول المتقدمة. فلذلك أجد نفسي دوماً بعيداً عما يعرف بالحقيقة الذاتية [[ Subjective Reality ]] التي يبحث عنها إعلام طائش وبدون بوصلة أو برادايم، وقريباً جداً للحقيقة الموضوعية [[ Objective Reality]] أو على الأقل قرغيبا منها. وتستهويني الكتابة حينما اقرا بعمق كيف فهم الغرب الحقائق الموضوعية مجردة وسقاها لشعوبه من خلال مؤسساته التعليمية الراسخة وحولها إلى واقع تطبيقي من خلال موسسات راشدة تطبق النظر العلمي القابل للتطبيق .واتضاءل كثيراً حينما أتعرف على مفهوم قوة البرادايم [[ Power of Paradigm ]] كمنظور فلسفي وخريطة طريق ترسخت وشق بها العالم المتحضر طريقاً مستقيما في ربط الإدارة بالسلوك الإنساني. فعند عالم السلوك الإداري الدكتور / استيفن كوفي والذي نجد أنه كيف أخذه من الدكتور / توماس كنن حينما وظفه وأرسى به مفاهيم جديدة وتحول فريد في مفهوم البرادايم في بنية الثورة العلمية وتطبيقاتها . ولكن في الوقت نفسه أفرح جداً حينما أرى أن المفهوم قديم ويعود إلى الفيلسوف أرسطو أو الفلسفة الاغريقية وأن عغالما اغخر رسخ لهذا المفهوم من خلال شرحه للبرادايم بصورة أقرب للتجريد الموضوعي الحديث من خلال كتاب [[ العلم والرشد ]] للعالم ألفرد كورزيبسكي 1879/ 1950 م [[ Alferd Korzbyski ]] وهو البولندي الذي هاجر إلى أمريكا مبكراً، والذي أدرك مبكراً أن إدراك الإنسان للواقع يظل تمثيلاً للواقع، واشتهر بقولته المشهورة [[ The map is not the territory ]] أي أن إدراك الإنسان للواقع يظل تمثيلاً للواقع وليس الواقع نفسه، ولذلك ينبغي دائما التمييز بين الوصف والموصوف، وبين النموذج والحقيقة وبين النظرية والواقع العملي.
وعطفًا على القائد الأول كامل والإداري الأول د. جبريل، فإن كليهما يتخبطان مابين البرادايم النظري والذي هو عبارة “الخريطة ليست هي الأرض” (The Map is Not the Territory) وهي من أشهر أفكار ألفرد كورزيبسكي، وهي فكرة فلسفية بسيطة ولغوية عميقة لها تطبيقات واسعة في الإدارة، والتعليم، والعلوم، والاتصال الإنساني والمعنى المباشر.
مثلاً إذا رسمنا خريطة للسودان، فإن الخريطة ليست السودان نفسه، فهي مجرد تمثيل مبسط لبعض خصائصه: منها الطرق، المدن، الأنهار والحدود. أما الأرض الحقيقية فهي أكثر تعقيدًا وتفصيلًا مما يمكن أن تحتويه أي خريطة. وبالمثل: فإن الكلمة ليست الشيء الذي يشير إليه، والاسم ليس المسمى، والوصف ليس الواقع والنظرية ليست الحقيقة الكاملة. مثال بسيط آخر:
إذا قلت عن شخص: “هذا الرجل أو الوزير فاشل.”
فإن هذه العبارة ليست الشخص نفسه، بل مجرد حكم أو وصف قد يكون صحيحًا جزئيًا أو خاطئًا أو مبالغًا فيه، فالإنسان الحقيقي أكثر تعقيدًا من أي وصف مختصر. ولذلك تظل أحكامنا على (صاحب الإبرة) القائد البرهان، أو كامل إدريس أو جبريل إبراهيم كلها تخرصات أو ترهات لا طائل منها. ليس هذا فحسب، بل إن الواقع المرئي في كل شئ هو من يحكم. إن تطبيق النظرية في الإدارة كثيرًا ما تعتمد المؤسسات فيه على:
– التقارير.
– الإحصاءات.
– المؤشرات.
– النماذج التنظيمية.
وهذه كلها “خرائط” وليست “الأرض”.
فقد يشير التقرير إلى نجاح مشروع ما، بينما الواقع الميداني يكشف مشكلات لم تظهر في التقرير.
ولهذا فإن الرئيس أو الوزير الناجح لا يكتفي بالأوراق والمؤشرات، ولا يمسك بورقة ويتلوها لإعلام مسؤل بعينه، بل ينزل إلى الميدان ليرى الواقع بنفسه. ويقوم بتطبيق نظرية وضع الضفدع في الماء الدافي الذي يوضع تحت درجة حرارة متزايدة ثم يقوم بعد ذلك “بزعط ونتف ريش” مدير المنشأة ويطبق فيه كل نظريات المساءلة والمحاسبة الممكنة
وفقاً للإجراءات المكتوبة على خريطة الأداء الفعلي على الأرض.
لذلك تتطلب المراجعات الداخلية والخارجية التحقق من التطبيق الفعلي لا مجرد وجود الوثائق.
مثل تطبيقها في التعليم أو
الكتاب الدراسي فهي خريطة للمعرفة، ولكنها ليست المعرفة نفسها. والطالب الذي يحفظ التعاريف دون ممارسة أو فهم عميق يمتلك خريطة لكنه لم يصل إلى الأرض، فيصبح كطالب يمثل نموذجاً للمخرجات الفاشلة والسائدة أمامنا مثل بعض الوزراء والمتنفذين في مختلف أنحاء السودان، وأن ذلك في النتائج مثل علاقتنا بالكذب والتضليل الإعلامي الممارس حالياً في كل الوسائط الاعلامية، الرسمية و الاجتماعية.
ويرى كورزيبسكي أن كثيرًا من النزاعات تنشأ لأن الناس يخلطون بين الكلمات والواقع.
فعندما تتكرر شعارات أو أوصاف معينة في الإعلام، قد يبدأ الناس في التعامل معها باعتبارها الحقيقة نفسها، مع أنها مجرد تمثيلات أو تفسيرات للواقع.
وهي تمثلات لعلاقتها بكتابه [[Science and Sanity]] العقل والرشد .الذي حاول فيه كورزيبسكي أن يبين أن الإنسان يقع في أخطاء التفكير عندما:
– يخلط بين الكلمات والأشياء.
– يخلط بين النموذج والواقع.
– يتعامل مع التعميمات وكأنها حقائق مطلقة مثلما يفعل كامل إدريس حينما يقول “أوجه” وكأنه يدعو إلى التفكير العلمي القائم على قوة التوجيه ويستند إلى الملاحظة المستمرة للواقع بدلاً من الاعتماد الكامل على الألفاظ والتصنيفات. إن هذا تطبيق مهم في التنمية والتخطيط في المشروعات القومية والتي قد توجد فيها خطط ممتازة مثل رؤية كامل إدريس التي أعدها في كتيب،
أو قوانين جيدة أو هياكل تنظيمية متطورة لكنها قد لا تحقق النتائج المرجوة أو المتوقعة إذا كانت الخريطة منفصلة عن الأرض، وعن الإمكانات والموارد المتاحة .ولهذا يمكن صياغة مبدأ إداري مستوحى من كورزيبسكي:
“نجاح التخطيط لا يُقاس بجودة التوجيهات أو الأوامر أو الوثائق، بل بمدى تطابق الخريطة مع الأرض.”وهذا المبدأ له أهمية خاصة في مشروعات التنمية الزراعية والمائية والإصلاح المؤسسي التي يهتم بها المواطن السوداني، لأن البيانات والتقارير والخطط تظل مجرد خرائط تحتاج دائمًا إلى مراجعة الواقع الميداني والتأكد من أنها تعكسه بدقة.
ختامًا، فإني أدعو القائد البرهان ، الذي قام بحجب كل من القائد الكباشي والقائد جابر، لماذا لا يطلق لهم العنان للقيام بواجب ادارة البرادايم فإن معركة الكرامة ينبغي ألا تنفصل عن معاش وخدمات الناس .
هذا والله اسأل التوفيق والسداد لكل حادب علي مصلحة البلاد والعباد .


