Popular Now

حماية المدنيين (Protection of Civilians – POC): مسؤولية مستمرة في أوقات الحرب والسلم .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الأزمات والكوارث والتنمية الريفية المستدامة

المقاربة الدولية للأزمة السودانية: توازنات الردع الجيوسياسي ومعضلة الشرعية البديلة .. د.عباس مختار البدوى .. مركز الخبراء للدراسات الإنمائية و إدارة الأزمات

وجه الحقيقة |البرهان وسؤال السنوات العجاف .. إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات: الحرب على السودان (12) |السودان بين الشرعية الوطنية والتجاذبات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية

مقدمة
تشهد الحرب السودانية مرحلة جديدة تتسم بتعقيد المشهدين السياسي والعسكري، في ظل تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، واستمرار العمليات العسكرية في عدة جبهات، وتنامي الدعوات المطالبة بوقف الحرب والعودة إلى مسار التفاوض.
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول شرعية المؤسسات الوطنية، ودور المنظمات الإقليمية، ومستقبل العملية السياسية، إضافة إلى الجدل المتزايد حول أدوار بعض القوى الإقليمية في الصراع السوداني وانعكاسات التنافس الجيوسياسي على استقرار البلاد.
أولًا: دعوات التفاوض بين ضرورات الحرب وحسابات السياسة
أعادت الدعوات المطالبة بعقد اجتماع مباشر بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) الجدل حول فرص التسوية السياسية وإمكانية الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار.
وتعكس هذه الدعوات عدة حقائق:
– تزايد الكلفة الإنسانية للحرب.
اتساع رقعة الدمار الاقتصادي والاجتماعي.
– إدراك متزايد لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية بصعوبة الحسم العسكري الكامل.
– تنامي الضغوط الدولية باتجاه إيجاد مخرج سياسي للأزمة.
إلا أن نجاح أي عملية تفاوضية يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بالأمن والعدالة وإعادة بناء الدولة.
ثانيًا: إشكالية الشرعية السياسية في السودان
أثارت مواقف بعض القوى السياسية، ومن بينها تحالف “صمود”، نقاشًا واسعًا حول مفهوم الشرعية في السودان.
وتتمحور هذه النقاشات حول سؤال جوهري:
هل تُستمد الشرعية من الاعتراف الدولي والإقليمي، أم من القدرة على إدارة الدولة وتأمين المواطنين وتقديم الخدمات؟
ومن منظور علم السياسة، فإن الشرعية السياسية تتكون عادة من عدة عناصر متكاملة:
الشرعية الدستورية والقانونية.
– الشرعية الشعبية.
– الشرعية المؤسسية.
– الاعتراف الإقليمي والدولي.
غير أن التجربة السودانية الحالية تكشف عن وجود فجوة بين هذه المستويات المختلفة للشرعية، وهو ما يفسر استمرار الجدل السياسي حول مستقبل الحكم والدولة.
ثالثًا: الاتحاد الأفريقي وحدود التأثير السياسي
تثير مواقف الاتحاد الأفريقي تجاه السودان نقاشًا متجددًا حول دور المنظمات الإقليمية في إدارة الأزمات الأفريقية.
فبينما يرى البعض أن الاتحاد الأفريقي يمثل إطارًا مهمًا للوساطة والحلول السياسية، يرى آخرون أن شرعية الحكم في نهاية المطاف تستند إلى الإرادة الوطنية والمؤسسات القائمة داخل الدولة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تحقيق توازن بين متطلبات السيادة الوطنية ومتطلبات الانخراط في المنظومة الإقليمية والدولية.
رابعًا: التحولات الإقليمية والصراع على النفوذ
تتزايد المؤشرات على أن الحرب السودانية أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية أوسع تشمل منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا.
وفي هذا الإطار، تتردد تساؤلات حول:
– طبيعة الدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية.
– إمكانية انخراط قوى عربية أخرى بصورة أكبر في الملف السوداني.
– انعكاسات التوترات الإقليمية على مسار الحرب.
كما تثار تساؤلات حول مدى إمكانية قيام القاهرة والرياض بأدوار أكثر نشاطًا في دعم استقرار السودان والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، خاصة في ظل ارتباط أمن السودان بأمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي.
خامسًا: التطورات الميدانية واستمرار المواجهات
على المستوى العسكري، تستمر العمليات في عدة محاور، خاصة في مناطق كردفان ودارفور.
كما تعكس التصريحات المتبادلة بين القيادات السياسية والعسكرية استمرار حالة الاستقطاب الحاد، وهو ما يجعل فرص التهدئة مرتبطة بتحولات ميدانية وسياسية أكثر عمقًا.
وفي الوقت نفسه، تواصل التقارير الحقوقية والإنسانية الإشارة إلى معاناة المدنيين في مناطق النزاع، بما في ذلك أوضاع النازحين واللاجئين والمعتقلين والضحايا المدنيين.
سادسًا: العدالة والمساءلة في زمن الحرب
من أبرز الأسئلة التي تطرحها الحرب السودانية قضية العدالة والمساءلة.
ففي ظل الاتهامات المتبادلة بين الأطراف المختلفة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، يبرز تحدي أساسي يتعلق بآليات التحقيق المستقلة والموثوقة.
وتؤكد التجارب الدولية أن تحقيق العدالة يتطلب:
– مؤسسات تحقيق مستقلة.
– آليات قانونية محايدة.
– توثيقًا مهنيًا للانتهاكات.
– تعاونًا وطنيًا ودوليًا.
كما أن غياب المساءلة غالبًا ما يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات وتعقيد فرص المصالحة الوطنية في مرحلة ما بعد الحرب.

خاتمة
تكشف تطورات المشهد السوداني أن الأزمة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتصبح أزمة دولة وشرعية ومستقبل سياسي.
فبين استمرار العمليات العسكرية، وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، واتساع الجدل حول الشرعية والتفاوض والعدالة، يقف السودان أمام مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث.
وتبقى الأولوية الوطنية متمثلة في الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، ووقف معاناة المدنيين، وتهيئة الظروف اللازمة لتسوية سياسية عادلة تضمن الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار.
كما أن المجتمعين الإقليمي والدولي مطالبان بالقيام بدور أكثر فاعلية في دعم استقرار السودان واحترام سيادته الوطنية، بما يسهم في إنهاء الحرب والحفاظ على أمن المنطقة بأسرها.

المقالة السابقة

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(12) .. أفغانستان ولبنان والسودان.. دروس الصمود والتحولات السياسية في مواجهة مشاريع إعادة تشكيل الدول .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

المقالة التالية

ما بين “قوة/ضعف” وغياب البرادايم عند السيد رئيس الوزراء كامل إدريس ووزير المالية جبريل إبراهيم .. بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *