Popular Now

أفريقيا الوسطى – الألماس وقوس النار (5) أثر الصراع في أفريقيا الوسطى على السودان .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

حوكمة فرضية التدخلات الخارجية في الشأن السوداني بمنهج المتغيرات المستقلة والتابعة.. دراسة تحليلية في إدارة التأثيرات الخارجية وفق منهج الحوكمة .. ياسر محمد رحمة دابي الليل الخبير والباحث في مجال الحوكمة

تدويل الحرب السودانية وهندسة مسارات التسوية من منبر جدة إلى الخماسية في أديس أبابا د. خالد حسين محمد

تدويل الحرب السودانية وهندسة مسارات التسوية من منبر جدة إلى الخماسية في أديس أبابا د. خالد حسين محمد

أصبح السودان ساحةً لتنازع إقليمي ودولي، وبات واضحًا أن عددًا من القوى الخارجية يسعى إلى التأثير في مخرجات الحرب والتسوية بما يخدم مصالحه، لا مصلحة السودان. وحين فشلت هذه القوى في تحقيق أهدافها عبر بندقية حميدتي، انتقلت إلى الوساطة والمؤتمرات محاولةً بلوغ الغاية نفسها بوسائل أخرى.

وفي آخر تصريح لوزير الخارجية الأمريكي أمام الكونغرس قبل يومين، وُصفت الحرب الدائرة في السودان بأنها حرب بالوكالة، مع الإشارة إلى أن حليفين لواشنطن، هما أبوظبي والرياض، يقفان على طرفي نقيض في هذا الصراع، بما زاد من تعقيد جهود التوصل إلى تسوية سياسية وإنهاء الأزمة الإنسانية المتفاقمة. وقد علّق كاميرون هدسون على ذلك بالقول إن حديث وزير الخارجية يشير إلى أن نشاط مسعد بولس مؤخرًا في أبوظبي لم يكن مصرّحًا به. وكان هدسون قد عبّر منذ بداية الحرب عن المعنى نفسه حين قال إن ما يجري في السودان هو صراع بين حلفاء أمريكا في المنطقة، قاصدًا السعودية، والإمارات ومصر.

ومع تعثر الحسم الميداني بواسطة قوات الدعم السريع، وفشل تحقيق المصالح الخارجية عبر القوة، انتقلت إدارة الصراع من البندقية إلى الطاولة، ومن تمويل الحرب أو دعم أطرافها إلى هندسة البيئة السياسية للتسوية. وهنا لم يعد السؤال: كيف تتوقف الحرب؟ بل أصبح: من يشارك في التسوية ومن يُستبعد؟ وما مرجعيات الحل؟ ومن يملك حق تعريف المدنية والشرعية والوحدة الوطنية؟ وبهذا تحولت التسوية من مسألة سودانية داخلية إلى بنية تفاوضية عابرة للحدود، تتنافس فيها قوى إقليمية ودولية، بينما يُطلب من السودانيين إضفاء الشرعية على مخرجات سبق تحديد إطارها العام خارجيًا.

ورغم الإبعاد المتعمد لأصحاب الوجعة، فإن مواقفهم جعلت نتائج تلك المؤتمرات حبرًا على ورق. وكما أفشلوا بندقية حميدتي، فإنهم أفشلوا تلك المؤتمرات، وسوف يفشلون ما يأتي بعدها.

ومن هنا، لا ينبغي فهم تعدد المؤتمرات باعتباره مجرد فشل إداري، بل باعتباره آلية لتدوير النفوذ. فإذا تعثر مسار، فُتح آخر، وإذا فشل الضغط العسكري، فُعّلت أدوات الوساطة، والتمويل، والبيانات الدولية والحوارات المدنية.

لقد صُمم منبر جدة برعاية أمريكية سعودية، ثم بمشاركة أفريقية عبر الإيقاد، باعتباره منصة ذات أهداف ضيقة تحاول تدارك آثار فشل الانقلاب. وحين نجح المفاوض العسكري في تثبيت آليات الحل في 11/5/2023، وهي التي أصبحت لاحقًا مرجعية، برز ضعف الإلزام، فكان ذلك مدخلًا للبحث عن مسارات أخرى لتجاوز ما تم الاتفاق عليه في جدة.

ثم جاء مؤتمر باريس، الذي غابت عنه الحكومة، كمحاولة لإدخال السودان في منظومة الوصاية الإنسانية. وهناك انتقل الملف من وقف إطلاق النار إلى الإغاثة والتمويل والتدويل السياسي. وحين احتجت الحكومة السودانية على عدم دعوتها، مضى الرعاة والممولون في مناقشة مستقبل السودان فوق الدولة السودانية أو من حولها. وهكذا تحوّل الملف إلى قضية تُدار بلسان المجاعة والحماية، ولكن بأثر سياسي عميق في بنية الشرعية. غير أن مشاركة أحد أصحاب الوجعة، وهو سلطان المساليت، إلى جانب موقف الحكومة، جعلت المؤتمر ينتهي حبرًا على ورق.

وجاءت محادثات سويسرا كمحاولة أمريكية مدفوعة إماراتيًا لتجاوز التزامات جدة، لكن موقف الحكومة القوي ورفضها المشاركة، رغم الضغوط الهائلة التي مورست عليها، أفقدا المؤتمر مضمونه التفاوضي المباشر، فتحول إلى مشاورات بين الوسطاء والمراقبين الإقليميين والدوليين. وهناك ظهرت بوضوح محاولة إنشاء هندسة فوق سودانية، حتى من دون توافق مكتمل. وكان للحضور المصري دور كبير في منع أي تدابير عقابية، فأصبح هذا المسار، كسابقيه، حبرًا على ورق.

أما مؤتمر لندن، الذي أُعدّ بتنسيق دولي أوسع، فقد كشف التناقضات العربية بوضوح. فعلى الرغم من أنه شكّل محطة مركزية، لأنه أعلن صراحة أنه يبني على باريس، وأنه يستهدف التنسيق والتكامل والميزة النسبية بين المبادرات، فإن ذلك كان يعني عمليًا توزيع الأدوار بين الرعاة: من يضغط، ومن يوسط، ومن يمول، ومن يمنح الغطاء الإقليمي. لكن المؤتمر نفسه فشل في إصدار بيان نهائي بسبب خلافات بين الإمارات ومصر والسعودية حول قضايا الحكم، وموقع المؤسسات، وشرعية الترتيبات المقبلة. وهكذا كشف مؤتمر لندن أنه هو نفسه ساحة صراع بين الرعاة، وانتهى كسابقيه حبرًا على ورق.

ثم جاءت الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والسعودية والإمارات. ورغم ما تملكه من نفوذ على المعابر، والسلاح، والغطاء الدبلوماسي والعلاقة مع أطراف الحرب، ورغم النظر إليها باعتبارها الأقرب إلى مقاربة شروط التسوية المقبولة إقليميًا ودوليًا، فإنها فشلت هي الأخرى، لأنها كانت تفكر في مصالحها لا في مصلحة السودان، فتقاطعت حساباتها، وتحولت مخرجاتها بدورها إلى حبر على ورق.

وفي مؤتمر برلين، جرى الدفع بمبادئ تنطلق من السردية التي تتبناها القوى الإقليمية والدولية، ومفادها أن ما يجري في السودان هو صراع بين جنرالين، ولذلك رُفعت شعارات: لا حل عسكري، وقف الدعم الخارجي، انتقال مدني، وحوار سوداني، ولكن وفق تعريفهم هم. وقد أسهم حضور بعض أصحاب الوجعة في تنسيقية القوى الوطنية بأوروبا، إلى جانب تقاطع مصالح الدول، وما ترتب عليه من انسحابات لممثلين عن بعضها، في أن ينتهي المؤتمر كسابقيه حبرًا على ورق.

وأخيرًا، وليس آخرًا، جاءت الخماسية في أديس أبابا باعتبارها محاولة لـ”سودنة” شكلية لمسار صُمم خارجيًا. فقد دعت الخماسية، المكونة من الاتحاد الأفريقي، والإيغاد، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، إلى توسيع المشاركة ومحاولة الجمع بين قوى شديدة التناقض، سعيًا للوصول إلى موقف سياسي مشترك يُراد له أن يبدو مسارًا سودانيًا ـ سودانيًا، بينما المقصود في الحقيقة هو إدخال السودانيين في إطار جاهز نسبيًا، ثم القول إنهم هم من أنتجوا الحل. ومع مشاركة بعض أصحاب الوجعة، فإن هذا المسار لن يخرج عن مصير ما سبقه.

وخلاصة الأمر أن القوى الخارجية، على الرغم من تقاطع مصالحها، تتفق على أن السودان لا ينبغي أن يخرج عن منظومة التوازنات الإقليمية. والخطر لا يقتصر على الضغط على الحكومة، بل يمتد إلى إعادة تعريف من يحق له تمثيل السودان سياسيًا، بل وتحديد من يحكم، وكل ذلك يجري لإعادة إنتاج “صمود”. وكلما طال أمد الحرب، ازداد التآمر الخارجي والضغط عبر المؤتمرات والوساطات، ومحاولات فرض حلول تحت ضغط المجاعة والتشظّي وانهيار المؤسسات. لكن حضور أهل الوجعة، داخل هذه المسارات وخارجها، يظل قادرًا على إفشال كل المخططات والتآمر على السودان. وكما أفشل الشعب السوداني، بالتفافه حول جيشه وقيادته، بندقية حميدتي، فإنه قادر على إفشال ما يُحاك ضد السودان. وفي نهاية المطاف، فإن الشعب السوداني وجيشه وأصحاب الوجعة هم من سيحددون مستقبل البلاد.

المقالة السابقة

العلمانية بين الوعد الأيديولوجي وسؤال الدولة .. هشام محمود سليمان

المقالة التالية

حوكمة فرضية التدخلات الخارجية في الشأن السوداني بمنهج المتغيرات المستقلة والتابعة.. دراسة تحليلية في إدارة التأثيرات الخارجية وفق منهج الحوكمة .. ياسر محمد رحمة دابي الليل الخبير والباحث في مجال الحوكمة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *