تبدو بعض الكتابات السياسية في السودان أسيرة لنمط من التفكير الاختزالي الذي يبحث عن مفتاح واحد لتعقيدات الواقع كافة، فإذا استعصت الأزمات وتفاقمت التشوهات البنيوية في الدولة والمجتمع جرى تعليق الآمال على مفهوم بعينه وإلباسه صفات الخلاص التاريخي، ومن هذا المنظور يمكن قراءة الطرح الذي تقدمه الأستاذة (رشا عوض) حول العلمانية إذ تُقدّم للقارئ أحياناً وكأنها المشروع القادر بذاته على إنتاج الاستقرار السياسي، وبناء السلام وتحقيق النهضة الوطنية. غير أن أول ما يلفت النظر في هذا الخطاب هو الخلط بين المبادئ الدستورية والنظم السياسية، فالعلمانية في تعريفها الأكاديمي الدقيق ليست نظام حكم بالمعنى المؤسسي للكلمة، وإنما إطار ناظم للعلاقة بين الدولة والدين فهي لا تجيب عن أسئلة السلطة وتوزيعها، ولا تحدد طبيعة النظام الاقتصادي، ولا ترسم شكل الإدارة العامة ولا تقدم حلولا تقنية لمعضلات التنمية أو العدالة الاجتماعية، ومن ثم فإن الحديث عن العلمانية باعتبارها وصفة جاهزة لإنقاذ السودان ينطوي على قدر من التبسيط النظري الذي يتجاهل الطبيعة المركبة للأزمات السودانية فالدولة السودانية لم تتعثر بسبب غياب العلمانية وحده كما أنها لن تستقيم تلقائيا بمجرد تبنيها إن أزمة السودان، في جوهرها، أزمة بناء دولة، وأزمة إدارة تنوع، وأزمة مؤسسات، وأزمة ثقافة سياسية وأزمة نخب عجزت لعقود طويلة عن إنتاج عقد وطني جامع.
إن الفكرة التي تستحق النقد هنا ليست العلمانية في ذاتها، وإنما تحويلها إلى أيديولوجيا خلاص ذلك أن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأفكار تتحول إلى أوهام حين تنسب إليها وظائف ليست من طبيعتها، واللافت أن هذا النوع من الخطاب يتعامل مع المفاهيم السياسية بمنطق الإيمان الأيديولوجي لا بمنهج التحليل العلمي، فالشعارات الدستورية لا تكفي وحدها لقياس نجاح الدول، وإنما بكفاءة مؤسساتها وعدالة قوانينها وقدرتها على تحقيق التوازن بين الحرية والنظام ولذلك نجد في العالم دولاً علمانية تعاني أزمات حادة في الديمقراطية والاستقرار، كما نجد دولاً أخرى تستمد مرجعياتها من تقاليد دينية أو ثقافية وتحقق مستويات معتبرة من التنمية والتماسك الوطني.
إن المعضلة الحقيقية تكمن في ضعف القدرة على التمييز بين الشرط الضروري والشرط الكافي، فقد تكون العلمانية في بعض البيئات إحدى الآليات الممكنة لتنظيم المجال العام لكنها ليست الشرط الوحيد للاستقرار فضلاً عن أن تكون الشرط الكافي له فالاستقرار السياسي نتاج شبكة معقدة من العوامل تشمل بناء المؤسسات، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع الموارد، وإدارة التنوع الثقافي والإثني وترسيخ قيم المواطنة، ومن هنا تبدو الكتابات التي تجعل من العلمانية محوراً وحيداً للخلاص أقرب إلى التبشير الفكري منها إلى التحليل السياسي الرصين، فهي تنقل النقاش من ميدان البحث عن حلول واقعية إلى ميدان الاستقطاب الأيديولوجي حيث تتحول المفاهيم إلى شعارات والشعارات إلى يقينيات مغلقة إن السودان لا يحتاج إلى معركة جديدة بين المقدس والعلماني بقدر حاجته إلى مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة على أسس الكفاءة، والعدالة، والحرية والمواطنة، أما تعليق آمال أمة كاملة على مفهوم واحد أيًّا كان هذا المفهوم فليس سوى إعادة إنتاج للأزمة ذاتها في ثوب فكري مختلف
فالأمم تنهض بالعقول التي تدير تلك النظم، وبالمؤسسات التي تحرسها وبالقيم التي تضبط ممارستها، وما عدا ذلك يظل مجرد جدل أيديولوجي لا يغير كثيراً من حقائق الواقع.
العلمانية بين الوعد الأيديولوجي وسؤال الدولة .. هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


