Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6145 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) تذكير: الحل السوداني-السوداني ، في متناول اليد ، ويمكن تنفيذه اليوم !!!

وجه الحقيقة | الخرطوم… فاتورة اللاءات الثلاثة .. إبراهيم شقلاوي

حينما تعجز الأرقام عن وصف مأساة خسائر الحرب في السودان من منظور دالة الخسارة .. ( 2 من 2 ) ( When Numbers Fail to Describe the Tragedy…The Losses of War in Sudan.from Loss Function Perspective ) .. د. بابكر عبدالله محمد علي

دولة تشاد بين اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال: ما المصير؟ .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية والأمنية

من تمبلباي إلى حسين هبري .. يقول المفكر الاستراتيجي الصيني صون تزو”إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ميادين القتال، بل تلك التي تنجح في إخضاع الفوضى لمنطق الدولة وإخضاع الانقسام لمقتضيات الوحدة” ، وبينما يرى المفكر الروسي يفغيني بريماكوف (أن هشاشة الدول الناشئة تزداد كلما تحولت تناقضاتها الداخلية إلى ساحات لتقاطع المصالح الخارجية)، بينما يذهب عالم السياسة الأفريقي علي مزروعي إلى (أن مأساة كثير من الدول الأفريقية الحديثة تكمن في أنها ورثت حدوداً سياسية قبل أن تمتلك مشروعاً وطنياً قادراً على استيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي داخلها). ولعل تشاد تمثل واحدة من أكثر الحالات الإفريقية تعبيراً عن هذا الجدل التاريخي بين الدولة والقبيلة، وبين الهوية الوطنية والانتماءات الأولية، وبين الاستقلال السياسي واستمرار النفوذ الخارجي.
عندما نالت تشاد استقلالها عن فرنسا عام 1960 بدت وكأنها تدخل عهداً جديداً من السيادة الوطنية. غير أن الاستقلال الذي تحقق على المستوى القانوني لم يكن كافياً لإنهاء التأثير الفرنسي العميق في بنية الدولة الجديدة، فقد ورثت تشاد اقتصاداً مرتبطاً بالمصالح الفرنسية واتفاقيات سياسية وعسكرية أبقت باريس لاعباً مؤثراً في مسارها الداخلي. وفي خضم هذه التحولات برز (فرانسوا تمبلباي) ،القادم من جنوب البلاد، بوصفه أول رئيس للجمهورية وزعيماً للحزب التقدمي التشادي الذي مثل مصالح التجار، والمهنيين، والموظفين المدنيين، غير أن قيادة الحزب لم تلبث أن دخلت في تفاهمات مع الاحتكارات الاقتصادية الفرنسية الكبرى التي كانت تسيطر على مفاصل الاقتصاد التشادي، الأمر الذي جعل الاستقلال يبدو للكثيرين انتقالاً للسلطة أكثر منه تحرراً حقيقياً من التبعية.
كانت النخبة الجنوبية الأكثر تعليماً هي التي تسلمت مقاليد الحكم، لكنها لم تمتلك القدرة على تفكيك البنى التقليدية التي كانت تحكم المجتمع التشادي منذ قرون. فسرعان ما استعاد الزعماء التقليديون نفوذهم و وجدوا في ضعف الإدارة الإقليمية بعد الاستقلال فرصة لإعادة إنتاج سلطتهم الاجتماعية والسياسية. وفي بلد يضم فسيفساء معقدة من المجموعات العرقية والقبلية، بدا واضحاً أن الدولة الوليدة لم تنجح في بناء عقد وطني جامع يوازن بين مصالح الشمال والجنوب وبين المركز والأطراف.
وفي سبتمبر 1965 انفجرت الأوضاع في إقليم (قيرا) ، حيث اندلعت انتفاضة شعبية سرعان ما امتدت إلى مناطق أخرى من البلاد. وفي بدايتها بدت حركة احتجاج عفوية ضد السياسات الحكومية، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة تحرر منظمة مع تأسيس الجبهة الوطنية لتحرير تشاد (فرولينات) عام 1966. وقد رفعت الحركة شعارات التحرر الوطني والقضاء على ما اعتبرته امتداداً للهيمنة الاستعمارية الجديدة، كما دعت إلى إقامة نظام ديمقراطي شعبي وتحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع الأقاليم والمجموعات الإثنية دون تمييز.
ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية حققت فرولينات نجاحات لافتة خلال عامي 1968 و1969، وأصبحت قواتها على مقربة من إحداث تحول جذري في موازين القوى. وعندما بدا أن نظام تمبلباي يواجه خطر السقوط، تدخل الجيش الفرنسي بصورة مباشرة لإنقاذه. ولم يكن هذا التدخل مجرد دعم لحكومة حليفة، بل كان تعبيراً عن إدراك باريس أن خسارة تشاد قد تعني تراجع نفوذها في قلب إفريقيا. ومنذ تلك اللحظة لم تعد الأزمة التشادية شأناً داخلياً خالصاً، بل أصبحت جزءاً من صراع النفوذ الإقليمي والدولي في القارة.
في تلك المرحلة ظهر اسمان سيتركان بصمتهما العميقة على تاريخ تشاد الحديث: (جوكوني عويدي) و(حسين هبري). فقد عملا معاً داخل صفوف فرولينات في مواجهة نظام تمبلباي المدعوم فرنسياً، وشكلا جزءًا من جيل جديد من القيادات المسلحة التي رأت أن التغيير لا يمكن أن يتحقق عبر المؤسسات القائمة. غير أن النجاحات العسكرية المتزايدة للمعارضة كشفت في الوقت ذاته حجم التصدعات داخل النظام الحاكم، وأدت إلى تنامي التململ داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وفي الثالث عشر من أبريل 1975 وقع الانفجار الكبير، فقد أطاح ضباط الجيش بالرئيس تمبلباي وقتلوه، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي. وتولى الجنرال (فيليكس مالوم) السلطة على رأس المجلس العسكري الأعلى معلناً سياسة للمصالحة الوطنية وساعياً إلى بناء تفاهمات مع المعارضة المسلحة. غير أن الأزمة كانت قد تجاوزت مرحلة الحلول الشكلية، إذ لم يعد الصراع يدور حول شخص الحاكم، بل حول طبيعة الدولة نفسها وحدود السلطة داخلها.
وفي محاولة لاحتواء التمرد وإضعاف الجبهة الوطنية للتحرير اتجه مالوم إلى استيعاب بعض قياداتها داخل مؤسسات الدولة. وكان أبرز هؤلاء حسين هبري الذي وقع مع الحكومة اتفاق الخرطوم عام 1978 وتولى بموجبه منصب رئيس الوزراء. لكن ما بدا آنذاك خطوة نحو المصالحة تحول سريعاً إلى عامل جديد من عوامل الانقسام. فقد انشقت الحركة المسلحة على نفسها، وبدأت التحالفات القديمة في التصدع، بينما أخذ هبري يبتعد تدريجياً عن رفاقه السابقين وفي مقدمتهم جوكوني عويدي .
ولم يطل الوقت حتى انهار التحالف بين مالوم وهبري نفسه. فشهدت البلاد في أواخر سبعينيات القرن الماضي موجة جديدة من المواجهات الدموية، حيث شنت القوى المعارضة هجمات واسعة على القوات الحكومية، بينما عادت فرنسا مرة أخرى إلى دعم السلطة القائمة. وأثبتت تلك التطورات أن الحكومات المتعاقبة لم تكن قادرة على فرض السلام أو بناء مؤسسات وطنية مستقرة، وأن الأزمة التشادية أصبحت أعقد من أن تُختزل في نزاع بين حكومة ومعارضة.
ومنذ ذلك الحين أخذت القضية التشادية تخرج تدريجياً من إطارها المحلي لتكتسب أبعاداً إقليمية و دولية متزايدة. فقد تحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الدولية والمصالح الإقليمية والتنافسات الداخلية، وأصبحت مثالاً صارخاً على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها هشاشة الدولة إلى عامل جذب للتدخلات الخارجية والصراعات الممتدة.
وهكذا انتهت مرحلة تمبلباي ومالوم، لا إلى استقرار سياسي أو مصالحة وطنية، بل إلى تمهيد الطريق أمام صعود حسين هبري بوصفه اللاعب الأقوى في المعادلة التشادية. ومن بين أنقاض التحالفات المنهارة والحروب المتلاحقة أخذت تتشكل ملامح مرحلة جديدة ستكون أكثر عنفاً وأكثر تأثيراً في مستقبل تشاد، وهي المرحلة التي ستنقل البلاد من صراع على السلطة إلى صراع على معنى الدولة نفسها.

المقالة السابقة

السودان بين معركة الميدان ومعركة الشرعية .. مستشار: هشام محمود سليمان

المقالة التالية

حوكمة فرضية الغلاء المعيشي في السودان بالنسبة للمواطنين السودانيين بمنهج المتغيرات المستقلة والتابعة .. ياسر محمد رحمة دابي الليل الخبير والباحث في مجال الحوكمة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *