Popular Now

أصل القضية | السودان… كيف تحولت المشاهدة إلى سلطة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مسارات.. الإنسان … مورد السودان .. د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة | المحكمة الدستورية… بداية الطريق .. إبراهيم شقلاوي

حين تضيق الأرزاق وتتسع القلوب: الإيجابية وحسن الظن بالله صمّام أمان الأسرة .. د.أحمد الطيب السماني خبير الإدارة والتنمية ومستشار التدريب

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية، وتشتد فيه ضغوط الحياة على الأسر، أصبحت البيوت تواجه تحديات لم تكن مألوفة من قبل. فقد أثقلت الحروب والنزاعات وتقلّبات الأسواق كاهل الناس، وارتفعت تكاليف المعيشة بصورة أرهقت كثيراً من الأزواج والزوجات، حتى صار الخلاف حول المال سبباً مباشراً أو غير مباشر في تفكك عدد من الأسر وارتفاع معدلات الطلاق.

غير أن التاريخ الإنساني يعلمنا أن قوة الأسرة لا تُقاس بما تملكه من مال، وإنما بما تملكه من إيمان وصبر وتماسك نفسي وقدرة على تحويل المحنة إلى منحة. فالمال نعمة عظيمة، لكنه ليس الأساس الوحيد للسعادة الزوجية، وإلا لما وجدنا أغنياء تعساء، وفقراء سعداء متحابين.

ومن أعظم ما يُروى في هذا الباب ما جاء عن المرأة الصالحة التي عاد إليها زوجها من سفر وقد بلغ منه الجوع والجهد مبلغاً عظيماً، فسألها: «عندك شيء؟» فقالت في يقين المؤمن وحسن ظنه بربه: «نعم، أبشر، أتاك رزق الله». لم تكن تكذب، ولم تكن تملك الطعام بين يديها، ولكنها كانت تملك ما هو أعظم من ذلك: الثقة بالله واليقين في فضله ورحمته. فكان الفرج من حيث لا تحتسب، حتى وجد التنور مملوءاً والرحى تطحن رزقاً ساقه الله إليهما ببركة حسن الظن واليقين.

إن هذه القصة ليست دعوة لترك الأسباب أو انتظار المعجزات، وإنما هي درس عظيم في قوة النفس المؤمنة التي ترفض الاستسلام لليأس، وتُبقي نافذة الأمل مفتوحة مهما اشتدت الظروف.

وفي هذا السياق يبرز الدور المحوري للمرأة في الحفاظ على كيان الأسرة. فالمرأة ليست مجرد شريك في الإنفاق أو إدارة المنزل، بل هي في كثير من الأحيان القائد المعنوي للأسرة، وصانعة المناخ النفسي داخل البيت. فكم من بيت فقير عاش أهله في سعادة بسبب زوجة حكيمة بثّت الطمأنينة في النفوس، وكم من بيت ميسور تعيس بسبب كثرة التذمر والتسخط والمقارنات.

إن المرأة الإيجابية في أوقات الأزمات تقوم بعدة أدوار عظيمة:

أولاً: ترسيخ الأمل وعدم تضخيم الأزمة، فالأزمة مهما عظمت مؤقتة، بينما الكلمات الجارحة والضغوط النفسية قد تترك آثاراً طويلة المدى.

ثانياً: دعم الزوج نفسياً ومعنوياً، فالزوج الذي يواجه تحديات العمل والرزق يحتاج إلى كلمة تقدير وتشجيع أكثر من حاجته إلى اللوم والتقريع.

ثالثاً: إدارة الموارد المتاحة بحكمة، فالتدبير الحسن نصف المعيشة، وكثير من الأزمات يمكن تخفيف آثارها بالإدارة الرشيدة للموارد.

رابعاً: غرس ثقافة القناعة والصبر في الأبناء، حتى ينشأ جيل يدرك أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يحمل من أخلاق ومبادئ.

خامساً: تعزيز الروح الإيمانية داخل الأسرة بالدعاء والذكر والاستغفار، فالأرزاق بيد الله، ومن أعظم أسباب الفرج دوام الصلة به سبحانه.

إن أخطر ما تواجهه الأسر اليوم ليس قلة المال وحدها، وإنما انتشار ثقافة الاستهلاك والمقارنة بالآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح بعض الناس يقيس نجاح حياته بما يراه في شاشات الهواتف، لا بما يعيشه في واقعه. وهذا يولد حالة من السخط الدائم والشعور بالنقص مهما توفرت النعم.

ومن هنا فإن الحفاظ على الأسرة في أوقات الشدة مسؤولية مشتركة بين الزوجين، تقوم على الصبر، والتفاهم، والتضحية والتغاضي عن الصغائر. فالبيوت لا تهدمها الأزمات الاقتصادية وحدها، وإنما يهدمها فقدان الحكمة وسوء إدارة الأزمات داخل الأسرة.

ولعل الرسالة الأهم في هذه المرحلة أن نتذكر دائماً أن الرزق ليس مالاً فقط، بل هو صحة وأمن ومودة ورحمة وأبناء صالحون وطمأنينة قلب. وإذا اجتمعت هذه النعم في بيت فقد ملك أصحابه كنوزاً قد لا يملكها كثير من أصحاب الأموال.

فلنجعل من الإيجابية وحسن الظن بالله منهج حياة، ولنتعامل مع الأزمات بعقلية البناء لا الهدم، وبروح التعاون لا التنازع، ولنتذكر أن أعظم الاستثمارات ليست في الأسواق ولا العقارات، وإنما في المحافظة على الأسرة لأنها الحصن الأخير للمجتمع، وإذا صلحت البيوت صلح المجتمع كله.

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
صدق الله العلي العظيم.

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان… كيف تُصنع نهاية عادلة لحرب الكرامة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

وجه الحقيقة |البرهان وسؤال السنوات العجاف .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *