Popular Now

الأمم المتحدة ليست بوابة أمريكية .. تأشيرة البرهان والسؤال الذي يجب أن يُطرح في العالم .. مستشار هشام محمود سليمان

قراءة وتوصيف .. إهدار فرص ما بعد الحرب .. أحمد الزبير محجوب

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6265 | لماذا لم ولن تحقق ثورة ديسمبر 2018 أهدافها؟

قراءة وتوصيف .. إهدار فرص ما بعد الحرب .. أحمد الزبير محجوب

* لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان نتيجة خلاف عابر بين أطراف سياسية أو عسكرية، بل كانت تمرداً مسلحاً شنته مليشيا الدعم السريع على الدولة والمجتمع، وأشعلت حرباً مدمرة امتدت سنوات، وأزهقت الأرواح، وهجّرت الملايين، ودمّرت المساكن والمرافق والاقتصاد ومزّقت النسيج الاجتماعي.
* وقد تواطأت قوى خارجية في إطالة أمد هذه الحرب، وفي مقدمتها الإمارات التي ثبتت صلتها بدعم المليشيا وفق ما انتهت إليه تقارير ونتائج التحقيقات الأممية 
* ولذلك فإن إدانة هذا الدعم ليست موقفاً عاطفياً، بل واجب وطني، وأخلاقي وسياسي.
* لقد كابد الشعب السوداني عُسراً عظيماً، ومن حقه أن يتمتع باليُسر الذي يمكن أن تخلّفه هذه المحنة، فالحروب ،على الرغم من فظاعتها، تكشف العيوب التي كانت مستترة، وتمنح الشعوب فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس صحيحة.
* أما أكبر إهدار لفرص ما بعد الحرب، فهو أن نعيد كل شيء إلى ما كان عليه قبلها ، وكأن السودان القديم كان ناجحاً أو عادلاً أو صالحاً للاستمرار.
* إن السودان الذي سبق الحرب كان يعاني اختلالاً عميقاً في توزيع السكان والخدمات والفرص، وكانت الخرطوم مثالاً صارخاً على ذلك، فقد تكدس فيها السكان بسبب النزوح من الولايات بحثاً عن الأمن، والتعليم، والصحة، والعمل والخدمات الأساسية.
* ولم تكن العاصمة جاذبةً بسبب تفوق إنتاجي حقيقي، بقدر ما كانت جاذبةً لأن الدولة تركّز فيها ما حرمَت منه بقية البلاد.
* فنتج عن ذلك: 
1. تعطّل الإنتاج في الولايات بعد فقدانها أعداداً كبيرة من السكان والعمال وأصحاب الخبرة.
2. موت المدن الكبرى في الولايات ونضوبها من الخدمات، لأن انخفاض عدد السكان جعل كثيراً من الأنشطة التعليمية والصحية والتجارية غير مجدٍ اقتصادياً.
3. تضخم أعداد ذوي الدخل المحدود والشرائح الضعيفة في العاصمة، مع ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والنقل وغياب الأعمال الحقيقية التي تدر دخلاً مناسباً.
4. تفاقم العشوائيات والازدحام والظواهر السالبة والمخاطر الأمنية.  
5. نشوء اعتماد واسع على الدعم الحكومي بحيث أصبحت القرارات الاقتصادية والإصلاحية رهينةً للخوف من رد فعل الفئات التي اعتادت ذلك الدعم.
* لهذا، فإن إعادة النازحين إلى الخرطوم وإعادة تركيز الخدمات فيها، وإعادة تشغيل نظام الدعم القديم لن تكون إعادة إعمار، بل إعادة إنتاج للأسباب التي مهّدت للأزمة.
* المطلوب هو تغيير المعادلة جذرياً: ولايات جاذبة، وعاصمة طاردة للتمركز والاتكال والعشوائية.
* والمقصود بجعل العاصمة طاردةً ليس طرد المواطنين أو إهانة الفقراء، بل جعلها أقل قدرةً على ابتلاع البلاد من خلال نقل المؤسسات والخدمات والاستثمارات والبرامج الاجتماعية إلى الولايات وإنهاء الامتياز غير العادل الذي جعل الإقامة في الخرطوم شرطاً للحصول على الحقوق الأساسية.

أولاً نقل مركز الثقل الاجتماعي إلى الولايات: 
* ينبغي تحويل ميزانيات وبرامج وزارة الشؤون الاجتماعية إلى الولايات، لا بوصف ذلك عقوبةً للعاصمة، بل باعتباره تصحيحاً لخلل وطني استمر طويلاً ، فالولايات هي التي تحتاج إلى إعادة بناء مجتمعاتها، واستعادة سكانها، وتوفير فرص العمل والإنتاج، وإنشاء شبكات الرعاية والخدمات، ويجب أن تُوجَّه هذه الميزانيات إلى التدريب المهني، وتمويل المشروعات الإنتاجية، ودعم الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الصغيرة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، وتوفير السكن الملائم، وإنشاء مراكز لحماية الأطفال، والنساء، وكبار السن وذوي الإعاقة.
* والغاية ليست إبقاء الشرائح الضعيفة في دائرة الإعانة، بل تحويلها تدريجياً إلى شرائح منتجة ، قادرة على كسب دخلها والمشاركة في بناء ولاياتها.
* كما ينبغي نقل دور الرعاية إلى الولايات وفق خطة مدروسة تضمن استمرار الرعاية وجودتها. فتركيز هذه الدور في العاصمة يزيد كلفتها، ويعزز المركزية، ويجعل الخرطوم حاضنةً لكل الفئات والاحتياجات التي ينبغي توزيعها على مؤسسات متخصصة في بيئات أكثر ملاءمةً وأقل ازدحاماً
ثانياً وقف السكن الشعبي وإنهاء سياسة جذب السكان إلى الخرطوم:
* لقد ساهم السكن الشعبي ،بصورته التقليدية، في ترسيخ فكرة أن الحلول الاجتماعية لا توجد إلا في العاصمة، لذلك ينبغي وقف التوسع في السكن الشعبي داخل الخرطوم، وعدم استخدام المال العام لتشجيع المزيد من الهجرة إليها.
* ويُستعاض عن ذلك ببرامج سكنية إنتاجية في الولايات، ترتبط بالأرض والعمل والتدريب والخدمات، بحيث يحصل المواطن على مسكن كريم حيث يستطيع أن يعيش وينتج لا حيث يزدحم ويعتمد.
* ولا يعني هذا نزع مساكن المواطنين أو تهجير الأسر قسراً ، بل يعني وقف السياسات الجديدة التي تغذي التكدس، وإعادة توجيه الإنفاق العام إلى مدن وقرى يمكن أن تنمو وتستوعب السكان في إطار اقتصادي مستدام
ثالثاً إلغاء الدعم الحكومي كلياً:
* إن الدعم الحكومي في صوره التي عرفها السودان، لم يعد علاجاً للفقر، بل أصبح سبباً من أسباب استمراره، فهو يستنزف المال العام، ويشوّه الأسعار، ويشجع الاتكال، ويمنع الدولة من اتخاذ القرارات الاقتصادية الصحيحة خشيةَ ردود الفعل.
* كما أنه غالباً لا يصل إلى مستحقيه، بل تستفيد منه الفئات الأقدر على الاستهلاك والوصول إلى الأسواق. وعليه ، ينبغي إلغاء الدعم الحكومي كلياً، والانتقال إلى اقتصاد يقوم على العمل، والإنتاج، والمنافسة والانضباط المالي.
* ولا بد أن يصاحب ذلك فتح مجالات العمل، وتيسير التمويل الإنتاجي، وتوسيع التدريب، وحماية الفئات التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب عبر برامج انتقالية محددة المدة لا عبر دعم مفتوح دائم، فالحماية الاجتماعية الحقيقية هي تمكين الإنسان من الإنتاج، وليست إبقاءه معتمداً على الخزينة العامة.
رابعاً توجيه زكاة العاصمة إلى الولايات:
* ينبغي إعادة النظر في توزيع زكاة العاصمة بحيث تُوجَّه نسبة كبيرة منها إلى الولايات الأشد فقراً والأكثر تضرراً من الحرب و النزوح.  
* فالعاصمة استفادت طويلاً من تركيز النشاط الإقتصادى، بينما بقيت الولايات محرومةً من الموارد والفرص، ومن العدل أن تسهم زكاة العاصمة في إعادة إعمار الولايات، وتمويل المشروعات الصغيرة، وتوفير أدوات الإنتاج ودعم التعليم والصحة والمياه.
* ويجب أن يتم ذلك عبر نظام شفاف يخضع للمراجعة والإعلان حتى لا تتحول الزكاة إلى مورد للمحاصصة أو الفساد، فالمال الذي يُجمع باسم الفريضة لا بد أن يصل إلى مستحقيه، وأن يساهم في نقلهم من الحاجة إلى القدرة والإنتاج
خامساً إزالة العشوائيات ومنع نشوئها:
* لا يمكن بناء دولة حديثة مع استمرار العشوائيات حول العاصمة والمدن الكبرى.
* لذلك ينبغي منع إنشاء أي عشوائيات جديدة، وإزالة المباني التي تعتدي على الطرق والمرافق العامة ومجاري المياه وأراضي الدولة ، وتطبيق القانون بحسم على كل من يخطط أو يمول أو يحمي هذا النشاط
* لكن الإزالة الناجحة تحتاج إلى سجل سكاني واضح وخطة انتقال، وتمييز بين المواطن الذي إضطرته الحاجة وبين الشبكات التي تتاجر بالأراضي وتستغل الفقر.
* ويجب أن يكون البديل هو السكن المنظم في الولايات أو أطراف المدن ومرتبطاً بالعمل والخدمات، لا مجرد نقل العشوائية من مكان إلى آخر
سادساً مكافحة التسول المنظم:
* ينبغي منع التسول وتجريمه عندما يكون منظماً أو قسرياً أو مرتبطاً باستغلال الأطفال والنساء وذوي الإعاقة.
* كما يجب تفكيك الشبكات الأجنبية والمحلية التي تدير التسول، وتستقدم الأشخاص أو تستغلهم ، وتحوّل الشوارع إلى مصدر دخل غير مشروع.
* وكل من يثبت تورطه في تنظيم هذه الشبكات أو الاتجار بالبشر أو استغلال الأطفال يجب أن يواجه عقوبةً مغلظةً ورادعةً 
* أما المحتاج الحقيقي فلا ينبغي أن يُترك في الشارع، ولا أن يُعامل كأنه مجرم، بل يُنقل إلى مراكز تسجيل ورعاية وتأهيل، ويُربط بعمل أو تدريب أو علاج وفق حالته.
* فالتجريم يجب أن يقع على الاستغلال، والتنظيم والاتجار، لا على الإنسان الذي دفعه الفقر إلى طلب العون.  
سابعاً جعل الولايات جاذبة بمشاركة العاصمة: 
* لا يمكن مطالبة المواطنين بالعودة إلى الولايات من دون بناء أسباب حقيقية للعودة، ولهذا يجب أن تتشارك الحكومة الاتحادية، وحكومة ولاية الخرطوم، وحكومات الولايات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدنى، في خطة وطنية لإعمار الولايات
* وتبدأ الخطة بإعادة تأهيل الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات ، ثم بناء المدارس، والمستشفيات، والجامعات والمعاهد الفنية.
* وتستثمر كل ولاية في ميزتها النسبية: الزراعة في مناطقها الخصبة، والثروة الحيوانية في مناطق الرعى، والتعدين والصناعة في مناطق الموارد، والموانئ والتجارة في الشرق والسياحة والآثار في المناطق المؤهلة لذلك.
* ويجب أن تشارك العاصمة في تمويل هذه الخطة وفي نقل خبراتها ومؤسساتها، فليس مقبولاً أن تظل الخرطوم مركزاً لتحصيل الموارد، ثم تترك الولايات تتحمل وحدها كلفة إعادة البناء.
* إن قوة العاصمة الحقيقية لن تكون في ابتلاع البلاد، بل في قيادة نهضتها وتوزيع الفرص فيها.
* خلاصة ما تقدم: إن نهاية الحرب لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني التحرر من عيوبه.  
* لقد دفع السودانيون ثمناً غالياً بسبب التمرد المسلح، وبسبب الدعم الخارجي الذي أطال أمده وبسبب نظام مركزي جعل الخرطوم ملاذاً اضطرارياً وجعل الولايات طاردةً للسكان والفرص.
* ومن حق الشعب السوداني أن يحوّل هذه المحنة إلى بداية جديدة؛ البداية الصحيحة هي إلغاء الدعم الحكومي، ووقف السكن الشعبي في العاصمة، ونقل برامج الشؤون الاجتماعية ودور الرعاية إلى الولايات، وتوجيه زكاة العاصمة إلى حيث تشتد الحاجة، وإزالة العشوائيات، ومكافحة التسول المنظم وبناء اقتصاد يجعل العمل والإنتاج أساس الكرامة.
* إن إهدار فرص ما بعد الحرب هو: أن نعيد بناء الخرطوم القديمة، ونترك الولايات القديمة ونستعيد السياسات التي أوصلتنا إلى الكارثة.  
* أما استثمار الفرصة فهو أن نبني سوداناً تتوزع فيه الخدمات، وتتنوع فيه مراكز الإنتاج، وتصبح فيه الولايات جاذبةً، والعاصمة طاردةً للتمركز، والفقر، والعشوائية والاتكال.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6265 | لماذا لم ولن تحقق ثورة ديسمبر 2018 أهدافها؟

المقالة التالية

الأمم المتحدة ليست بوابة أمريكية .. تأشيرة البرهان والسؤال الذي يجب أن يُطرح في العالم .. مستشار هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *