Popular Now

سلسلة: من طهران إلى تل أبيب (24) | من هرمز إلى كردفان: تصدعات التحالفات الدولية وتراجع الهيمنة الأحادية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6108 | حتى اليوم تعتقد “صمود” أن دورها هو إخبار المواطنين بالمعاناة التي يعيشونها !!!!

وجه الحقيقة | البراء: من البندقية إلى المشروع السياسي .. إبراهيم شقلاوي

دولة تشاد اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير (4) | غياب النظر و وهن الرؤية .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية

تتعمق إشكالية دولة تشاد في المرحلة الراهنة بصورة تجعل فهم سلوكها الإقليمي ،خصوصًا تجاه حرب مليشيا الدعم السريع و أعوانها ضد الدولة السودانية، مسألة تتجاوز التحليل السياسي التقليدي إلى مقاربة اكثر عمقًا تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فبعد انتقال السلطة من إدريس ديبي إلى محمد إدريس ديبي إتنو، لم يحدث تحول جذري في منطق الحكم بقدر ما حدثت إعادة توزيع لمراكز القوة داخل البنية ذاتها، ما أبقى الحكومة أسيرة نمط “الاستقرار عبر التوازنات الهشة” لا “الاستقرار عبر المؤسسات”.
في هذا الإطار، يمكن استحضار رؤية عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون الذي يؤكد أن “الدولة لا تُقاس بوجود المؤسسات فقط، بل بقدرتها على ضبط العنف داخل حدودها”. وإذا ما طُبقت هذه المقولة على الحالة التشادية، فإن الدولة تبدو أقرب إلى نظام إدارة عنف من كونها نظام إنتاج سياسة. وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا تتحول السياسة الخارجية لتشاد إلى امتداد مباشر لحسابات الأمن الداخلي، أي الحفاظ علي قبض السلطة مهما كان الثمن دون الارتكاز على استراتيجية وطنية مستقلة.
إن الحرب في السودان كشفت هذا النمط بوضوح شديد. فبدلاً من أن تتعامل تشاد معها بوصفها تهديدًا خارجيًا يجب تحييده، أصبحت جزءًا من شبكة تفاعلات معقدة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والإقليمية. وقد أشارت تقارير تحليلية متعددة إلى أن الحدود التشادية–السودانية لم تعد مجرد خط فاصل، بل أصبحت “منطقة سيولة أمنية” تتحرك فيها الفواعل المسلحة والاقتصادية عبر شبكات تهريب السلاح والذهب والوقود.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الإقليمي المتزايد لدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفه عنصرًا مركزيًا في محاولة فاشلة لاعادة تشكيل موازين القوة في السودان باستغلال ضعف النظام فى تشاد . فالدعم اللوجستي والمالي غير المباشر الذي يصل إلى مليشيا الدعم السريع عبر تشاد لا يمكن فصله عن إعادة هندسة أوسع لممرات النفوذ في البحر الأحمر والساحل الأفريقي. وهنا يصبح السودان جزءًا من منظومة جيوسياسية ممتدة لا تتوقف عند حدوده، بل تمتد إلى ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى.
إن هذا التداخل الإقليمي يعيد إنتاج ما وصفه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو بـ”تشابك السلطة داخل الشبكات غير المرئية”، حيث لا تعمل الدول ككيانات مغلقة، بل كمجال سيال ورخو داخل شبكة واسعة من التأثيرات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية. ووفق هذا المنظور، فإن سلوك تشاد تجاه السودان لا يمكن قراءته كقرار سيادي خالص، بل كاستجابة داخل شبكة نفوذ متعددة المستويات.
في المقابل، تكشف الحرب في السودان عن هشاشة إضافية في البنية التشادية الداخلية، بسبب تتداخل الانقسامات القبلية مع التوازنات العسكرية فى الحكومة التشاديه . فالمجتمع التشادي نفسه ليس كتلة سياسية متجانسة، بل فسيفساء من الولاءات الممتدة عبر الحدود، خصوصًا في مناطق الزغاوة والتبو والعرب، وهو ما يجعل أي انحياز سياسي خارجي قابلًا للتحول إلى عامل انقسام داخلي.
وهنا يمكن استحضار رؤية الباحث الألماني هيرفريد مونكلر الذي يرى أن “الدول الواقعة في مناطق الفوضى الجيوسياسية لا تصنع سياساتها الخارجية، بل تُصنع بها”. وهذه الفكرة تنطبق بدقة على تشاد، بتحول السياسة الخارجية إلى انعكاس مباشر لتوازنات داخلية هشّة، تتأثر بدورها بالضغط الإقليمي والدولي.
ومع تصاعد الحرب في السودان، خاصة في ظل تصعيد مليشيا الدعم السريع واعوانها نشاطه كفاعل عسكري واقتصادي مدعوم بشبكات إقليمية معقدة، تصبح الحدود الشرقية لتشاد منطقة إعادة إنتاج مستمرة للصراع. فهذه القوات لا تتحرك فقط كقوة عسكرية، بل كشبكة اقتصادية تعتمد على الذهب والتهريب والتحالفات العابرة للحدود، ما يجعلها فاعلًا بغطاء إقليمي أكثر منها طرفًا داخليًا سودانيًا.
وفي هذا السياق، يصبح من الصعب الفصل بين الأمن التشادي والأمن السوداني. فكل تصعيد في دارفور ينعكس مباشرة على شرق تشاد، وكل اضطراب في ليبيا يمتد إلى شمالها، وكل فراغ في أفريقيا الوسطى يفتح مسارات جديدة للجماعات المسلحة. وهنا تتجسد فكرة “الدولة المحاصرة جغرافيًا بالأزمات” حيث لا يعود بالإمكان رسم حدود واضحة بين الداخل والخارج.
إن التحالفات الإقليمية المتداخلة، بما فيها العلاقات بين نجامينا وبعض القوى الإقليمية والدولية، لا يمكن قراءتها خارج منطق البقاء السياسي. فالدولة التشادية، في شكلها الحالي، تتحرك وفق منطق “تقليل المخاطر” أكثر من منطق “تعظيم السيادة”. وهذا يفسر الانخراط غير المباشر في شبكات الدعم اللوجستي المرتبطة بدعمها لمليشيا الدعم السريع سواء عبر حدودها الشرقية أو عبر الامتدادات الصحراوية نحو ليبيا.
لكن هذه الاستراتيجية، رغم أنها قد تحقق مكاسب قصيرة المدى، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، أبرزها تعميق الارتهان الخارجي وزيادة هشاشة الجبهة الداخلية. فكلما توسع الاعتماد على الفاعلين الخارجيّين، كلما تقلص هامش القرار السيادي الحقيقي.
وفي هذا الإطار، يمكن استدعاء رؤية المفكر الأمريكي روبرت كابلان الذي يحذر من أن “المناطق التي تتقاطع فيها الجغرافيا القاسية مع الدولة الضعيفة تتحول إلى مسارح دائمة للفوضى”. وتشاد تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التقاطع، حيث تلتقي الصحراء بالساحل، وتلتقي الحدود المفتوحة مع التهديدات العابرة للدول.
إن النتيجة النهائية لهذا الوضع هي إعادة إنتاج مستمرة لعدم الاستقرار، ليس فقط داخل تشاد، بل في محيطها الإقليمي بأكمله. فهي لا تمتلك احتكارًا كاملاً للعنف ولا سيطرة كاملة على حدودها وبالتالي تصبح جزءًا من ديناميات الصراع لا طرفًا في حله.
وعليه، فإن فهم علاقة تشاد بالحرب في السودان، وبخاصة ملف قوات الدعم السريع، يجب أن يُبنى على إدراك أن الأمر لا يتعلق بخيار سياسي بسيط، بل بمنظومة معقدة من الضرورات الأمنية والاقتصادية والإقليمية. وفي هذه المنظومة، تتداخل الإمارات كفاعل اقتصادي–استراتيجي، وتتداخل القوى العسكرية السودانية، وتتداخل الشبكات القبلية، لتشكل في النهاية بيئة يصعب فيها التمييز بين القرار والسيطرة.
وهكذا، تبدو تشاد اليوم أقرب إلى نقطة ارتكاز داخل أزمة إقليمية مفتوحة، لا إلى دولة قادرة على ضبط حدودها الاستراتيجية. وبينما تستمر الحرب في السودان، تتسع دائرة التأثير، وتضيق مساحة الخيارات، لتجد نجامينا نفسها أمام معادلة صعبة: إما إعادة تعريف الدولة من الداخل، أو الاستمرار في إدارة الفوضى كخيار وحيد للبقاء.

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان… هل تخفي السلطة التقديرية إفلاسًا معرفيًا؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

المغترب .. ضغوط ما بعد الحرب !! د. حنان درار سيد إدريس

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *