Popular Now

أصل القضية | السودان .. عندما تتحول الحلول إلى مشاكل .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مشروع الانخراط الأمريكي في السلام السوداني.. تشريع يتجاوز السلام إلى الوصاية على السودان (2-2) .. د. خالد حسين محمد

من جهة أخرى .. الحذر واجب.. والأمن خط أحمر .. عبود عبدالرحيم

مشروع الانخراط الأمريكي في السلام السوداني.. تشريع يتجاوز السلام إلى الوصاية على السودان (2-2) .. د. خالد حسين محمد

عقوبات الأسر
توسيع العقوبة خارج نطاق المسؤولية المباشرة

ويثير النص تساؤلًا خطيرًا حين يمد العقوبات إلى أفراد أسر قادة القوات المسلحة. فإذا كان الدعم السريع قائما في بنيته على شبكات أسرية يؤدي أفرادها أدوارا في القتال أو التمويل أو الإعلام، فإن محاولة القياس على ذلك داخل القوات المسلحة تبدو فاقدة للسند. فالمؤسسة العسكرية لا تلتحق بها الأسر، وإنما يلتحق بها الأفراد بصفتهم الشخصية. فكيف يُعاقب من لا صلة له بالمؤسسة العسكرية بسبب ما ارتكبه والده أو شقيقه. إن هذا التوسع في العقوبة يكشف نزعة انتقامية تتجاوز المسؤولية المباشرة إلى محيطها الاجتماعي.

تصنيف الدعم السريع..
احتفاء متعجل بنص لا يقول ما يروج له

الفقرة التي خُص فيها الدعم السريع وحده بالذكر هي الفقرة المتعلقة بتصنيفه وفرض العقوبات عليه. غير أن هذا النص لا يحمل دلالة قاطعة على أن واشنطن تتجه فعلا إلى تصنيفه تنظيما إرهابيًا، لأن المادة ١٠٣ تنص صراحة على مراجعة شاملة لتحديد ما إذا كان أي طرف من أطراف الحرب في السودان يستوفي معايير هذا التصنيف. وبذلك يتبين أن الاستهداف لا يقتصر على الدعم السريع وحده، وأن الترويج لفكرة حسم أمريكي في هذا الاتجاه يفتقر إلى الدقة.

حظر السلاح
محاولة لتجريد الجيش من حقه في التسليح

وتنص المادة الثالثة أيضًا على أن على الأمم المتحدة توسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان كله. وهذه الفقرة تكشف بوضوح اتجاها يرمي عمليًا إلى حظر السلاح على الجيش السوداني. فالحظر الذي كان خاصا بدارفور استهدف في الأصل منع وصول السلاح إلى الحركات المسلحة التي كانت تقاتل الحكومة، ثم صار يشمل الدعم السريع الذي يقاتل الآن في دارفور. ومن هنا يبدو توسيع الحظر ليشمل السودان كله خطوة تستهدف، في نتيجتها العملية، تجريد الجيش من حقه في التسلح. وقد حاولت الولايات المتحدة هذا المسار في سبتمبر ٢٠٢٤، لكنها لم تنجح.

القوات الدولية
تدخل مؤجل بواجهة أفريقية أو أممية

وفي السياق نفسه، يطرح المشروع استخدام الاشتراكات المقررة للأمم المتحدة، وفق قرار مجلس الأمن رقم ٢٧١٩ لسنة ٢٠٢٣، لتمويل قوة تابعة للاتحاد الأفريقي لحماية المدنيين، أو دعم مراقبة وقف إطلاق النار، أو تأمين العمليات الإنسانية في السودان إذا جرى الإذن بهذه القوة.

ولا يبدو أن الولايات المتحدة راغبة في تدخل مباشر تتحمل كلفته وحدها، خاصة بعد تجاربها الباهظة في الصومال والعراق، لكنها لا تتخلى عن هدف إدخال قوات دولية إلى السودان ،سواء عبر الاتحاد الأفريقي أو عبر الأمم المتحدة، لتنفيذ أجندتها من وراء ستار جماعي. وقد حاولت تحريك المؤسسات الدولية والإقليمية في هذا الاتجاه، لكنها لم تنجح، ولذلك جاء ختم النص بعبارة ”إذا جرى الإذن بهذه القوة“ إقرارًا ضمنيًا بصعوبة تمرير هذا المسار.

المادة ١٠٣ .. باب مفتوح لتوسيع وصف الإرهاب على كل الأطراف

تنص المادة ١٠٣ على إجراء مراجعة شاملة خلال مدة لا تتجاوز ٩٠ يوما من تاريخ سن القانون، لتحديد ما إذا كان أي طرف من أطراف الحرب في السودان يستوفي معايير التصنيف إرهابيًا، على أن تُرفع نتائج المراجعة وقرار الجهتين المختصتين إلى لجان الكونغرس.

والنص هنا حاسم في دلالته. فهو لا يحصر الاستهداف في الدعم السريع، بل يفتح الباب أمام إدراج أي طرف من أطراف الحرب تحت هذا الوصف. ومن ثم فإن الحديث عن أن المشروع وُضع خصيصًا لتصنيف الدعم السريع وحده لا يستقيم مع القراءة الدقيقة للنص.

لماذا لا تمضي واشنطن إلى التصنيف.. حسابات النفوذ تتقدم على الشعارات

من هذه الزاوية، يبدو الحديث عن اتجاه أمريكي حاسم لتصنيف الدعم السريع تنظيمًا إرهابيًا حديثًا متعجلًا. بل إنني أكاد أجزم بأن واشنطن لن تمضي إلى هذه الخطوة لعدة أسباب.
أول هذه الأسباب يتعلق بإجازة مشروع القانون نفسه وما يحيط بها من تعقيدات. وثانيها أن تصنيف الدعم السريع إرهابيًا سيُفقد الولايات المتحدة الأداة التي ظلت تستخدمها منذ إشعال الحرب لتحقيق أهدافها في السودان، وهي الأداة التي ترتبط بمحاولة إعادة صمود إلى الحكم لإنقاذ المشروع الأمريكي في السودان، وما استخدام بندقية حميدتي إلا في هذا الإطار. ولذلك فإن التصنيف، لن يأتي قبل تحقيق ذلك الهدف، فإذا تحقق أمكن بعده التخلص من حميدتي وإلقاؤه في مزبلة التاريخ.
أما السبب الآخر، فهو أن تصنيف الدعم السريع إرهابيًا من شأنه أن يضع الإمارات ومحمد بن زايد في مواجهة مطالبات قانونية وسياسية كبرى، تشمل المساءلة والتعويض وجبر الضرر للسودان والسودانيين. وهذا ما يجعل الإمارات، في هذا التقدير، غير مستعدة للسماح بمثل هذا المسار، لا سيما في ظل نفوذها المالي داخل الإدارة الأمريكية ودوائر القرار في الكونغرس، فضلا عن المصالح الاقتصادية الضخمة بين البلدين.
ثم إن الولايات المتحدة، لو كانت جادة فعلا في هذا الاتجاه، لكانت قادرة على اتخاذه من غير الحاجة إلى سن قانون جديد.

تقرير السلاح الأمريكي
التعميم وسيلة لطمس الجهة الحقيقية الداعمة للحرب

في المادة ٢٠٧، يطلب المشروع من وزير الخارجية، بالتشاور مع وزير الدفاع ومدير الاستخبارات، تقديم تقرير عن الأسلحة أو المعدات العسكرية ذات المنشأ الأمريكي التي تستخدمها الأطراف المتحاربة في السودان.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعلم مسبقًا أن الدعم العسكري للدعم السريع من الإمارات مؤكد بتحقيقات صحفية وأكاديمية وصور أقمار صناعية، بل وتدركه أجهزتها الاستخبارية، وتعلم كذلك أن الأسلحة الأمريكية موجودة في صف الدعم السريع وأنها بيعت أصلا للإمارات، فإنها تلجأ إلى صياغة عامة تموه على الحقائق بدلا من تسميتها، وقد ينتهي الأمر إلى إدانة الجيش إذا استخدم أسلحة أمريكية استولى عليها من الدعم السريع.

خاتمة
مشروع يعيد تعريف السلام بوصفه أداة ضغط

في مجمله، لا يبدو مشروع قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني نصا يسعى إلى سلام متوازن يحترم سيادة السودان، بل وثيقة ضغط سياسي وقانوني تعيد صياغة الأزمة السودانية بما يخدم الرؤية الأمريكية، وتفتح الباب أمام عقوبات وتدخلات ومسارات وصاية تتجاوز حدود الشراكة الدولية إلى فرض الإرادة على دولة مستقلة. و دجفي المقال القادم، يكون الانتقال إلى تحليل المشروع كاملا، من حيث أهدافه ورسائله الواضحة والضمنية ومدى نفاذه وما الذي يعنيه للسودان.

المقالة السابقة

من جهة أخرى .. الحذر واجب.. والأمن خط أحمر .. عبود عبدالرحيم

المقالة التالية

أصل القضية | السودان .. عندما تتحول الحلول إلى مشاكل .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *