Popular Now

دارفور… هل اقتربت ساعة العودة إلى حضن الوطن؟ .. ( الحلقة الاولي ) .. تحولات الميدان، وتصدعات الخصوم، واستراتيجية الجيش السوداني نحو معركة الحسم .. .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة |حكومة الأمل … حسابات البقاء أو الذهاب .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… كيف ينتصر الخبر التافه على القضية المصيرية؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

دارفور… هل اقتربت ساعة العودة إلى حضن الوطن؟ .. ( الحلقة الاولي ) .. تحولات الميدان، وتصدعات الخصوم، واستراتيجية الجيش السوداني نحو معركة الحسم .. .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

لم تعد الحرب في السودان كما كانت قبل عام أو حتى قبل عدة أشهر. فالمشهد العسكري يتغير بوتيرة متسارعة، وخريطة السيطرة الميدانية تشهد تحولات لافتة، بينما تتعرض التحالفات التي تشكلت في بداية الصراع لاختبارات قاسية. وفي خضم هذه المتغيرات يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: هل أصبحت دارفور على أعتاب مرحلة جديدة تعود فيها تدريجياً إلى سيادة الدولة السودانية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تقوم على الانفعال أو الرغبات، وإنما على قراءة موضوعية لمؤشرات الميدان، وتوازنات القوى، وقدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار، فضلاً عن المتغيرات السياسية والإقليمية التي بدأت تلقي بظلالها على مجريات الحرب.
لقد أثبتت التجارب العسكرية أن الحروب لا تُحسم بمعركة واحدة، وإنما تتراكم فيها الإنجازات الصغيرة حتى تتحول إلى واقع استراتيجي جديد. وما تشهده الساحة السودانية اليوم قد يكون بداية هذا التحول.
أولاً: من الدفاع إلى المبادرة
تشير التطورات الأخيرة إلى أن القوات المسلحة السودانية، مدعومة بالقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، أصبحت أكثر قدرة على الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة الهجومية.
وتأتي استعادة مدينة كلبس في غرب دارفور، ومنطقة أبو قمرة في شمال دارفور، باعتبارهما من المناطق ذات الأهمية العسكرية واللوجستية، لتؤكد أن العمليات لم تعد تستهدف فقط تثبيت خطوط الدفاع، بل أصبحت تتجه إلى استعادة المواقع الحيوية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي الوقت نفسه، فإن تحرير منطقتي سركم ومقجة في إقليم النيل الأزرق يعكس أن التخطيط العسكري لم يعد محصوراً في جبهة واحدة، وإنما يقوم على توزيع الضغط على عدة محاور، بما يربك الخصم ويستنزف قدراته.
ثانياً: هل بدأت التصدعات داخل قوات الدعم السريع؟
تتزايد في الآونة الأخيرة الأحاديث عن خلافات داخلية وانشقاقات بين بعض القيادات الميدانية في قوات الدعم السريع، إضافة إلى تباينات في الرؤى حول إدارة المعركة.
وإذا ثبتت هذه المؤشرات، فإنها تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه أي قوة عسكرية؛ لأن الانقسام الداخلي غالباً ما يكون أكثر تأثيراً من الضغط الخارجي.
غير أن التعامل مع هذه المعلومات يجب أن يكون بحذر، إذ إن ظروف الحرب كثيراً ما تشهد تداول روايات متعارضة، ولا يمكن الجزم بحجم هذه الانقسامات أو أثرها العملياتي دون أدلة مستقلة.
ومع ذلك، فإن استمرار القتال لفترة طويلة، واتساع رقعة العمليات، وتزايد الضغوط العسكرية، كلها عوامل قد تؤثر في تماسك أي تشكيل مسلح.
ثالثاً: العمليات الخاطفة… عنوان المرحلة
من أبرز ملامح المرحلة الراهنة اعتماد القوات المسلحة على عمليات سريعة ومركزة تستهدف مناطق ذات قيمة استراتيجية.
هذه العمليات لا تهدف فقط إلى تحرير الأرض، وإنما إلى قطع طرق الإمداد، وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، وإجبار الخصم على تشتيت قواته بين أكثر من محور.
وعندما تتكرر هذه العمليات في أكثر من ولاية، فإنها تعكس وجود تخطيط عملياتي يتجاوز ردود الأفعال إلى المبادرة العسكرية.
رابعاً: دارفور… الهدف التالي؟
ازدادت أهمية هذه التطورات بعد التصريحات التي أدلى بها عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن ياسر العطا، والتي أكد فيها أن تحرير دارفور يمثل هدفاً رئيسياً للقوات المسلحة.
ومثل هذه التصريحات تحمل بعداً سياسياً ومعنوياً، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف التوقعات، وتربط نجاحها بما ستسفر عنه العمليات الميدانية خلال الفترة المقبلة.
كما جاءت تصريحات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، التي توعد فيها قوات الدعم السريع بتوجيه ضربة قاسية، لتؤكد أن التنسيق بين الجيش والقوات المشتركة ما زال يمثل أحد أهم عناصر القوة في معركة الإقليم.
خامساً: شمال كردفان… الطريق إلى الغرب
تشير المؤشرات الميدانية إلى تضييق الخناق على بعض خطوط الحركة في شمال كردفان، وهو ما يمنح هذه الولاية أهمية استثنائية بوصفها البوابة الطبيعية نحو دارفور.
وإذا استمرت القوات المسلحة في تحقيق تقدم على هذا المحور، فقد يصبح لذلك تأثير مباشر في مسارات الإمداد والتمركز غرب البلاد.
سادساً: الحرب الإعلامية… معركة لا تقل ضراوة
لم تعد الحرب تدار بالسلاح وحده، بل أصبحت المنصات الرقمية ساحة موازية للصراع، تتداخل فيها المعلومات الدقيقة مع الشائعات والدعاية.
ولهذا فإن تقييم التطورات العسكرية يجب أن يستند إلى الوقائع الميدانية الموثقة، مع تجنب الانجراف وراء الروايات غير المؤكدة، مهما بدت متسقة مع تطلعات أي طرف.
إن الانتصار في معركة الوعي لا يقل أهمية عن الانتصار في ميدان القتال.
سابعاً: الخرطوم… إعادة الإعمار تبدأ من الإنسان والبيئة
في سياق مختلف، حملت تصريحات مستشار رئيس الوزراء الدكتور أمجد فريد بعداً حضارياً لافتاً، حين ربط عودة الخرطوم إلى سابق عهدها بعودة أشجارها التي فقدتها خلال الحرب.
فالمدينة لا تستعيد روحها بإعادة تشييد المباني وحدها، وإنما بإحياء بيئتها ومساحاتها الخضراء ومرافقها العامة، لأن الإعمار الحقيقي يبدأ من إعادة الحياة للإنسان والمكان معاً.
ثامناً: الاقتصاد… الذهب ركيزة للتعافي
وفي الجانب الاقتصادي، تمثل سياسة بنك السودان في تعزيز احتياطيات الذهب خطوة تستهدف دعم الاستقرار النقدي وتقوية الاحتياطي الوطني.
غير أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بعودة الأمن إلى مناطق الإنتاج، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتعزيز الثقة في المؤسسات المالية.
فالذهب يمثل مورداً استراتيجياً مهماً، لكنه لا يغني عن بناء اقتصاد متنوع يقوم على الإنتاج والاستثمار.
خاتمة
إن الطريق إلى دارفور ما زال محفوفاً بالتحديات، ولا يمكن اختزال مستقبل الإقليم في انتصار أو تراجع ميداني واحد. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن ميزان القوى يشهد تغيرات تستحق المتابعة، وأن العمليات العسكرية الجارية قد تعيد رسم خريطة الصراع إذا استمرت بالوتيرة نفسها.
ويبقى الهدف الأسمى هو أن تنتهي هذه الحرب بما يحفظ وحدة السودان وسيادته، ويهيئ لعودة مؤسسات الدولة، ويفتح الباب أمام مصالحة وطنية شاملة تُعيد لدارفور مكانتها في الوطن، وللسودان استقراره الذي طال انتظاره.
فدارفور ليست مجرد جبهة عسكرية، بل هي جزء أصيل من تاريخ السودان ومستقبله، وأي سلام مستدام لن يكتمل إلا بعودة الأمن إليها، وعودة أهلها إلى حياة يسودها الاستقرار والكرامة والتنمية.
وأقترح أن تكون هذه المقالة الحلقة الأولى من سلسلة بعنوان:
“السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة”
وتتناول الحلقات اللاحقة:
الأهمية العسكرية والاستراتيجية لدارفور.
مستقبل قوات الدعم السريع بعد تراجعها في الوسط.
دور القوى الإقليمية في الصراع السوداني.
سيناريوهات معركة الفاشر وما بعدها.
اليوم التالي لتحرير دارفور وإعادة بناء الدولة السودانية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |حكومة الأمل … حسابات البقاء أو الذهاب .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *