قال المفكر العسكري كلاوزفيتز إن الحرب هي “امتحان الإرادات قبل أن تكون صدام الأسلحة”، ويبدو أن هذا الامتحان قد أسقط مليشيا الدعم السريع في أكثر مراحله قسوة. فما نشهده اليوم في كردفان ودارفور ليس مجرد تبدل في خطوط التماس، بل انهيار متدرج لرواية صنعتها المليشيا عبر الضجيج الإعلامي أكثر مما صنعتها في الميدان. فكلما ارتفع صوت أبواقها معلناً نصراً جديداً، كانت خرائط العمليات ترد عليها بمنطقة جديدة تحررها القوات المسلحة والقوات المساندة لها أو محور جديد يتهاوى تحت وقع التقدم العسكري.
لقد بدأت الرواية تتفكك منذ أن أخذت القوات المسلحة والمساندون لها زمام المبادرة، فتقدمت إلى أبو قمرة، وأبو لحا، وكلبس، وأبو كيكلا، وتوسعت العمليات في جبل مون، وصليعة، ووادي كجا وأردمتا، بينما أصبحت الجنينة نفسها تسمع هدير المعركة يقترب من أسوارها. وفي كردفان، تحولت مناطق أبو زبد، وود بندة، وأبو راي، وأبو هشيم، وأم هويد، وبريرة، وكبش نور إلى عناوين لانسحابات متلاحقة، بعدما كانت المليشيا تقدمها للرأي العام باعتبارها قلاعاً عصية على السقوط.
المشهد الأكثر سخرية أن المليشيا التي كانت تتباهى بأنها “تسيطر على دارفور”، أصبحت تستجدي الوقت وتسحب قواتها من جبهة إلى أخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فلو كانت تلك السيطرة حقيقية، لما اضطرت إلى إفراغ بعض محاور كردفان لإسناد قواتها في غرب دارفور، ولما تحولت الجنينة فجأة إلى أولوية وجودية بعد أن كانت تُصوَّر وكأنها مدينة خارج دائرة التهديد. إنها ليست إعادة انتشار كما يحاول إعلامها أن يسوّق، بل اعتراف عملي بأن الخرائط التي رُسمت بالبندقية بدأت تُمحى بالبندقية نفسها.
والأدهى أن قيادة المليشيا لم تكتف بخسارة الأرض، بل خسرت أيضاً ثقة كثير من حلفائها المحليين. فالقبائل التي زُج بأبنائها في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بدأت تدرك أن أبناءها كانوا وقوداً لمشروع لا يعرف الوفاء، وأن المرتزقة حظوا بالسلاح والامتيازات، بينما تُرك أبناء المناطق يواجهون مصيرهم عند أول انسحاب. إذ فرّت القيادات وبقي البسطاء في مواجهة نتائج مغامرة لم يصنعوها.
أما على المستوى الإقليمي، فقد سقطت رهانات المليشيا تباعاً. فالاجتماعات والتحالفات والرهانات على الخارج لم تستطع أن تغيّر حقيقة بسيطة في علم الحرب: من يفقد زمام المبادرة في الميدان، لن يستعيده بالبيانات السياسية. فالجيوش لا تُهزم في المؤتمرات، وإنما حين تتآكل قدرتها على المناورة، وتصبح كل حركة انسحاب مقدمةً لانسحاب أكبر.
ولعل أكثر ما يثير السخرية هو إعلام المليشيا، الذي ما زال يحاول بيع الوهم لجمهوره. فكل انسحاب يسمونه “إعادة تموضع”، وكل خسارة يصفونها بأنها “خطة تكتيكية”، وكل مدينة تقترب منها القوات المسلحة يقولون إنها “مصيدة للجيش”. لكن الحقيقة لا تحتاج إلى مذيع، فالخرائط وحدها أصبحت تتحدث، والطرق التي كانت مغلقة بدأت تُفتح، والمدن التي عاشت رهينة الخوف تستعيد شيئاً من أنفاسها.
لقد دخلت المليشيا مرحلة الإنهاك الاستراتيجي؛ فلا هي قادرة على تثبيت مواقعها، ولا على استعادة ما فقدته، ولا على تجنيد الحاضنة الاجتماعية كما كانت تفعل في بداية الحرب. وكل يوم يمر عليها يشبه صفحة تُطوى من كتاب نهايتها، بينما تتقدم القوات المسلحة بخطوات محسوبة، معززة بعمليات جوية ونوعية، لتضيق الخناق على ما تبقى من جيوب التمرد.
وفي السياسة كما في الحرب، هناك لحظة يسقط فيها القناع قبل أن يسقط صاحبه. ويبدو أن هذه اللحظة قد بدأت بالفعل. فالمليشيا التي وعدت أتباعها بالسيطرة على السودان، أصبحت اليوم تبحث عن مخرج من جغرافيا تضيق عليها يوماً بعد آخر. أما بياناتها، فلم تعد تُقرأ بوصفها أخباراً من الميدان، بل بوصفها مراثي مؤجلة لمشروع حمل السلاح ضد الدولة، فانتهى يطارد سراب البقاء، بينما كانت الحقيقة تكتب عنوانها الكبير من أبو قمرة إلى كلبس، ومن جبل مون إلى أردمتا إلى تخوم الجنينة، إن الأوطان قد تتعثر، لكنها لا تُهزم أمام المليشيات، وإن ضجيج البندقية غير المنضبطة لا يصمد طويلاً أمام إرادة الدولة حين تستعيد زمام المبادرة.


