إن الدول لا تُختبر في أوقات الاستقرار بقدر ما تُختبر في لحظات الأزمات الكبرى، حين تواجه تحديات تمس وجودها ووحدتها ومستقبلها. ففي مثل هذه اللحظات تتكشف قدرة الدولة على تجاوز الواقع المفروض عليها، وتحويل التحديات إلى فرص، والخروج من المحنة برؤية جديدة تؤسس لمرحلة أكثر قوة واستقراراً. ولذلك لم تكن الأزمات الكبرى في تاريخ الأمم نهاية لمسيرتها، بل كانت في كثير من الأحيان نقطة البداية الحقيقية لنهضتها.
ويقف السودان اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي لا تُقاس بنتائج الحرب وحدها، وإنما بما يمكن أن يترتب عليها من إعادة بناء للدولة والمجتمع. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب، على قسوتها، قد تخلق وعياً جديداً، وتعيد ترتيب الأولويات، وتدفع الشعوب إلى الاتفاق على المشتركات الكبرى التي تحفظ وجودها وتضمن مستقبلها.
لقد أفرزت هذه الحرب واقعاً جديداً كشف أهمية الدولة الوطنية، وأبرز قيمة التماسك المجتمعي، وأعاد الاعتبار لمعاني الانتماء والوحدة والدفاع عن الوطن. كما أظهرت أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد أو إمكانات، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية في أوقات الشدة.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الدولة الاستراتيجية؛ فالدولة الاستراتيجية لا تنشغل بإدارة الأحداث اليومية وحدها، بل تنظر إلى ما وراء اللحظة الراهنة، وتتعامل مع التحولات الكبرى باعتبارها فرصاً لإعادة البناء. وهي الدولة التي تدرك أن ما يتولد أثناء الأزمات من طاقات وطنية وتلاحم مجتمعي واستعداد للتضحية لا ينبغي أن يُترك ليتبدد، بل يجب أن يُوجَّه ليصبح أساساً لمشروع وطني طويل المدى.
وفي هذا السياق تصبح الجبهة الداخلية نقطة الارتكاز الأساسية لأي مشروع نهضوي. فكلما ازداد التماسك الوطني واتسعت مساحة الاتفاق على القضايا الكبرى، ازدادت قدرة الدولة على البناء والتخطيط واتخاذ القرارات التي تخدم مصالحها العليا وتحصّن مستقبلها.
كما أن تعدد الآراء في مثل هذه المراحل لا ينبغي النظر إليه بوصفه مصدر ضعف، بل باعتباره تعبيراً طبيعياً عن حيوية المجتمع. والدولة الاستراتيجية هي التي تنظم هذا التعدد داخل إطار وطني جامع، وتحوله إلى عنصر داعم للقرار، وتمنع انزلاقه نحو الاستقطاب والانقسام، مع المحافظة على وحدة الاتجاه العام للدولة وأهدافها الكبرى.
ومن المهم كذلك ترسيخ فهم صحيح بأن الخلاف السياسي، مهما اتسعت مساحته، يظل خلافاً داخل الوطن الواحد، ولا يجوز أن يتحول إلى عداوة تهدد الدولة أو المجتمع. غير أن هذا المبدأ لا يمنع الدولة من التعامل بحزم مع كل من يتجاوز حدود العمل السياسي إلى الإضرار بالمصلحة الوطنية عبر الاستقواء بالخارج، أو السعي لإضعاف الجبهة الداخلية، أو تعميق الانقسامات، أو نشر الإشاعات التي تستهدف استقرار البلاد ووحدتها.
ولعل من أبرز الدروس التي كشفتها هذه الحرب أن التهديدات الخارجية، مهما بلغت، لا تستطيع إضعاف دولة يمتلك شعبها إرادة التماسك والقدرة على تجاوز الخلافات الثانوية عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن. كما أن ما صاحب الحرب من تدخلات ومواقف خارجية كشف بوضوح أهمية الوحدة الوطنية، ورسّخ لدى قطاعات واسعة من السودانيين إدراكاً أعمق لقيمة الدولة وأهمية الاصطفاف خلفها في مواجهة التحديات الوجودية.
وتؤكد تجارب الأمم أن كثيراً من الدول لم تنهض بعد الحروب والكوارث لأنها كانت أقل تعرضاً للأذى، بل لأنها أحسنت استثمار لحظة التحدي وحولتها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل. فقد استطاعت شعوب عديدة أن تتسامى فوق جراحها، وأن تقدم مصلحة أوطانها على خلافاتها، وأن تجعل من التماسك الداخلي والاتفاق على الأهداف الكبرى أساساً لنهضتها. وعندما تُدار مثل هذه اللحظات بوعي استراتيجي وإرادة راسخة فإنها لا تُستنزف في الصراع، بل تتحول إلى ميزة تاريخية ونقطة انطلاق فعلية نحو نهضة شاملة.
وهنا تبرز الفرصة التاريخية المتاحة أمام السودان اليوم. فهذه اللحظة ليست مجرد مرحلة عابرة في تاريخ البلاد، بل فرصة نادرة لوضع اللبنات الأولى لدولة أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية. وما يتولد اليوم من اصطفاف وطني واستعداد للتضحية وثقة متبادلة بين مكونات المجتمع يمكن أن يصبح رصيداً استراتيجياً هائلاً إذا أُحسن توجيهه واستثماره.
ومن المهم استصحاب حقيقة بديهية كثيراً ما تُنسى في لحظات التحول الكبرى، وهي أن طريق النهضة وبناء الدول لا يكون مفروشاً بالورود. فحتى في الظروف الطبيعية تعترض المشروعات الوطنية عقبات وإشكاليات وتحديات متعددة، فكيف بدولة تخوض حرباً وتواجه في الوقت نفسه آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ ولذلك فإن ما يظهر في الطريق من صعوبات أو تعثرات ينبغي أن يُفهم باعتباره جزءاً طبيعياً من مسيرة البناء لا سبباً للتراجع عنها. وبالوعي الوطني، والرؤية الواضحة والعمل المتقارب بين الدولة والمجتمع – يمكن تجاوز العقبات وتحويل التحديات إلى خطوات إضافية على طريق الوصول إلى الهدف الوطني الأكبر.
غير أن مثل هذه الفرص لا تدوم إلى الأبد، بل ترتبط بقدرة القيادة على قراءتها والتعامل معها في الوقت المناسب. فاللحظات التاريخية لا تنتظر المترددين، ولا تكافئ من يؤجلون القرارات الضرورية أملاً في ظروف أكثر ملاءمة. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو وضوح الرؤية، والثقة في قدرات الداخل، والاعتماد على طاقات المجتمع باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه الدولة وتُصاغ من خلاله خياراتها الكبرى.
الاستراتيجية في لحظة الحرب: مسؤولية الإدارة الحالية في تحويل المحنة إلى منحة وصناعة مستقبل السودان .. عادل الرفاعي أبو الحسن (2/1)
المقالة السابقة


