Popular Now

وجه الحقيقة | حكاية اللبن المغشوش.. إبراهيم شقلاوي

لا تهدموا البيوت فإنها مبنية بعلمِ الله وخبرته .. د. احمد الطيب السماني

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (5) .. حفتر يساند مليشيا الدعم السريع .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

لا تهدموا البيوت فإنها مبنية بعلمِ الله وخبرته .. د. احمد الطيب السماني

في زمنٍ تزايدت فيه حالات الطلاق بصورة لافتة، حتى أصبح الفراق عند بعض الأزواج أسرع من الصبر، وأيسر من الحوار، وأقرب من الإصلاح، بات من الضروري أن نتوقف مع دلالة قرآنية عميقة، تبعث في النفوس الطمأنينة، وتدعو إلى حفظ البيوت وصيانة الأسرة.

يلفت القرآن الكريم النظر إلى اقتران اسمي الله الحسنيين العليم والخبير في مواضع ذات دلالات بالغة.

ففي ختام آية مفاتيح الغيب في سورة لقمان يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

وفي هذه الآية يرتبط الاسمان بعلم الله المطلق الذي لا يحده زمان ولا مكان، وبخبرته سبحانه التي أحاطت بكل شيء ظاهرًا وباطنًا، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

ثم يأتي الاقتران نفسه في سورة الحجرات، بعد الحديث عن أصل البشرية ووحدتها، فيقول سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

كما يقرر القرآن الكريم أن الزواج في أصله آية من آيات الله، فيقول سبحانه:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

وهنا تتجلى عظمة المنهج القرآني؛ فالزواج ليس مجرد علاقة اجتماعية، بل آية إلهية قوامها السكن، وأساسها المودة، وروحها الرحمة.

ومن هذا التدبر تبرز حقيقة تستحق التأمل؛ فكل زواج، وكل مصاهرة، وكل نسب، يجري بعلم الله وخبرته وتقديره. قد يظن الإنسان أنه هو الذي اختار شريك حياته، لكنه لا يعلم الحكمة الكاملة التي أرادها الله من هذا اللقاء، ولا يدرك ما يترتب عليه من ذرية، أو سكينة، أو ابتلاء يرقى به، أو خير يمتد أثره إلى أجيال لم تولد بعد.

إن الذي يعلم ما في الأرحام، ويعلم المستقبل، ويحيط بكل شيء علمًا، هو وحده الذي يعلم الأسرار التي جعلت هذا الرجل يلتقي بهذه المرأة، وهذا البيت يقوم على تلك المودة والرحمة. فما نراه نحن مجرد اختيار بشري، هو في الحقيقة جزء من قدرٍ محكم، نسجه العليم الخبير بعلمه السابق، وحكمته البالغة، وخبرته المطلقة.

ولهذا، فإن البيوت لا ينبغي أن تُهدم عند أول خلاف، ولا أن تُنقض بسبب كلمة غضب، أو سوء فهم، أو تدخل من الآخرين. فالزواج ليس مجرد عقد اجتماعي، بل هو ميثاق غليظ، وصفه القرآن بهذا الوصف العظيم، لما يترتب عليه من حفظ للدين، وبناء للأسرة، وصناعة للأجيال.

إن الحياة الزوجية لا تخلو من اختلاف، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما تدوم البيوت بالصبر، والتغاضي، والاعتذار، والتسامح، والحوار الصادق. وما أكثر البيوت التي مرت بأزمات كادت أن تعصف بها، ثم أصبحت بعد الصبر والتفاهم أكثر استقرارًا ومودة مما كانت عليه.

ولا يعني هذا إلغاء حق المظلوم، أو الدعوة إلى البقاء في علاقة يستحكم فيها الظلم أو الضرر، فقد جعل الإسلام الطلاق علاجًا مشروعًا عندما تستنفد وسائل الإصلاح، ويتعذر استمرار الحياة الزوجية. لكن المؤلم أن كثيرًا من حالات الطلاق في واقعنا المعاصر لا تنشأ عن استحالة العشرة، وإنما عن ضعف الصبر، وسرعة الغضب، وتضخم الخلافات الصغيرة، وتأثير التدخلات الخارجية، حتى أصبحت بيوت تهدم في أيام، وربما في ساعات، بعد أن كان يمكن إنقاذها بكلمة طيبة، أو تنازل كريم، أو جلسة صادقة.

وقفة علمية

ومن الأمانة العلمية أن نؤكد أن ما سبق هو تدبرٌ في دلالات الآيات الكريمة، وليس تفسيرًا حصريًا لها. فالمفسرون يقررون أن اقتران اسمي الله العليم الخبير يدل على كمال علم الله وإحاطته، وأنه سبحانه يعلم الظاهر والباطن، وما كان وما سيكون، وهو الخبير بحقائق الأمور ودقائقها.

أما استلهام أن اجتماع الزوجين، وقيام الأسرة، وامتداد النسب، إنما يجري في إطار علم الله وخبرته وتقديره، فهو معنى تدبري تؤيده مقاصد القرآن الكلية في تعظيم شأن الأسرة، وحفظ الميثاق الغليظ، وإقامة الحياة الزوجية على السكن والمودة والرحمة، دون ادعاء أن هذا هو التفسير الوحيد للآيات.

فيا أيها الأزواج والزوجات…

تذكروا دائمًا أن اجتماعكم لم يكن مصادفة، وإنما كان بعلم الله وخبرته وتقديره. فاصونوا هذا الميثاق، واصبروا على بعضكم بعضًا، وأحسنوا الظن، وتغافلوا عن الزلات، وأحيوا بينكم لغة الحوار والرحمة، فإن الحياة أقصر من أن تُقضى في الخصومات، وأغلى من أن تُهدر في العناد، وأثمن من أن يدفع الأبناء ثمن خلافات كان يمكن تجاوزها.

إن أعظم استثمار تبنيه الأمم ليس في الأبراج ولا في الثروات، وإنما في أسرة مستقرة. فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا استقرت البيوت نشأت أجيال سوية، تحمل القيم، وتصنع الحضارة، وتحفظ الأوطان.

فلنحفظ بيوتنا، ولنتذكر دائمًا أن من جمع بين القلوب هو العليم الخبير، وأن من رضي بقدر الله، وصبر على شريك حياته، وسعى في الإصلاح، فقد أخذ بأسباب السكينة والفلاح.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾…

يعلم ما لا نعلم، ويقدر ما فيه الخير، ويرى من الحكمة ما لا تبلغه عقولنا. فلا تستعجلوا هدم بيتٍ بناه الله على المودة والرحمة، فقد يكون فيه خيركم، وخير أبنائكم، وخير أجيالٍ لم تأتِ بعد.

فالبيوت تُبنى بالمودة، وتثبت بالصبر، وتُحفظ بتقوى الله، وما كان بعلم الله وخبرته، فهو أحق أن يُصان، وأجدر أن يُحفظ.

اللهم يا عليم يا خبير، يا من ألفت بين القلوب، وأقمت البيوت على المودة والرحمة، أصلح أحوال الأزواج والزوجات، وأدم بينهما السكينة والرحمة، وأبعد عن بيوتنا أسباب الفرقة والشقاق، واجعل أبناءنا ثمرةً لصلاح أسرهم، وبارك في مجتمعاتنا بالألفة والتراحم والاستقرار، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
ودمتم سعداء.

المقالة السابقة

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (5) .. حفتر يساند مليشيا الدعم السريع .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

المقالة التالية

وجه الحقيقة | حكاية اللبن المغشوش.. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *