هناك أسئلة لا تكشف خطورتها عندما نطرحها…
بل عندما نكتشف أننا تأخرنا في طرحها.
ومن بين الأسئلة الأكثر إلحاحًا في السودان اليوم:
ليس فقط… من يقود الناس؟
ولا: من يتحدث باسمهم؟
ولا: من يملك المنبر؟
بل السؤال الأعمق:
> من يصنع الأبطال؟
لأن أخطر التحولات التي تواجه المجتمعات لا تبدأ دائمًا من تغيير الأشخاص…
بل من تغيير المعايير التي تجعل شخصًا ما يتحول إلى رمز.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
أولًا… من البطولة التي يصنعها الزمن إلى البطولة التي تصنعها اللحظة
في الماضي… كانت البطولة تحتاج إلى زمن طويل حتى تُثبت نفسها.
كان القائد يُختبر في المواقف.
وكان العالم يُعرف باكتشافاته.
وكان المفكر يُقاس بأثر أفكاره.
وكان المصلح يُعرف بما يبنيه لا بما يقوله.
كان الزمن نفسه محكمة لا ترحم…
فلا يمنح لقب البطل إلا لمن اجتاز اختبار الواقع.
أما اليوم… فقد تغيرت قواعد اللعبة.
أصبح من الممكن أن يولد “بطل” خلال ساعات.
مقطع واحد…
تصريح مثير…
تسريب غير متوقع…
أو مستند يظهر فجأة…
قد يصنع شخصية تتصدر المشهد العام.
ثم بعد فترة قصيرة…
يأتي حدث جديد.
ويولد بطل جديد.
وكأن المجتمع لم يعد يصنع الرموز…
بل يستهلكها.
ثانيًا… حين انتقلت صناعة البطولة من الإنجاز إلى الانتباه
ليست المشكلة في ظهور وجوه جديدة.
فكل مجتمع حي يحتاج إلى رموز جديدة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار البطولة:
ليس حجم الأثر… بل حجم الحضور.
ليس ما الذي قدمه الإنسان للوطن… بل كم شخصًا شاهده.
وهنا تنتقل البطولة من كونها قيمة اجتماعية… إلى كونها منتجًا إعلاميًا.
ومن كونها نتيجة طبيعية للإنجاز… إلى صناعة تعتمد على القدرة على احتلال دائرة الانتباه.
فالذي يملك الانتباه اليوم… يمتلك فرصة أكبر لصناعة الصورة.
ومن يملك الصورة… قد يمتلك التأثير.
ومن يمتلك التأثير… قد يتحول في نظر المجتمع إلى بطل.
حتى قبل أن يسأل الناس:
ماذا أنجز؟
ثالثًا… السودان ومنذ ٢٠١٨م… بداية التحول في صناعة الرموز
منذ عام ٢٠١٨م… بدأ السودان يشهد تحولًا واضحًا في طريقة صناعة التأثير العام.
لم تعد المكانة مرتبطة فقط بالموقع الرسمي.
ولا بالخبرة الطويلة.
ولا بالعمل المؤسسي.
بل بدأت ترتبط بقدرة الإنسان على صناعة الحضور.
ظهرت ظاهرة الأصوات التي تمتلك قدرة عالية على جذب المتابعين.
ثم ظهرت شخصيات صنعت حضورها عبر الإثارة والجدل.
وفي مراحل لاحقة…
ظهرت أنماط جديدة من صناعة التأثير.
من ظاهرة “خميس البل” التي ارتبطت بصناعة الحضور عبر الإثارة الجماهيرية…
إلى ظاهرة “أفصح خائن” خلال الحرب…
ثم وصولًا إلى ما يمكن تسميته:
متلازمة ذات المستندات.
ومتلازمة ذات السلاسل
حيث يتحول المستند أو السلسلة من أداة لكشف الخلل وبيان المعرفة… إلى أداة لصناعة الشخصية.
رابعًا… متلازمة ذات المستندات… حين يصبح الكاشف أهم من القضية
حتى نكون واضحين… المشكلة ليست في المستند.
وليست في كشف الفساد.
وليست في مساءلة المسؤولين.
بل إن كشف الحقيقة ضرورة لأي مجتمع يريد الإصلاح.
لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل مركز الاهتمام:
من القضية… إلى الشخص الذي كشف القضية.
عندما يصبح السؤال:
من نشر المستند؟
أكبر من السؤال:
ماذا سنفعل بما كشفه المستند؟
عندما يصبح صاحب الوثيقة هو القصة…
وتصبح الوثيقة مجرد وسيلة لبناء الهالة.
هنا نكون قد انتقلنا:
من صناعة الإصلاح… إلى صناعة البطولة.
فيظهر البطل… وتختفي القضية.
خامسًا… حين تتحول المستندات إلى معركة استنزاف
الأخطر أن بعض هذه الظواهر لا تنتهي عند كشف معلومة.
بل تبدأ بعدها دورة جديدة من الاستنزاف.
ينقسم المجتمع.
يتحول النقاش من مضمون القضية إلى الأشخاص.
تبدأ المعارك بين المؤيدين والمعارضين.
وتضيع الأسئلة الكبرى:
كيف نبني المؤسسات؟
كيف نحمي الدولة؟
كيف نوقف الانهيار؟
كيف نعيد بناء السودان؟
فتصبح المستندات التي كان يفترض أن تكون طريقًا للإصلاح… جزءًا من معركة تستنزف المجتمع.
وهنا لا يكون السؤال فقط:
هل المستند صحيح؟
بل السؤال الأعمق:
ما الوظيفة التي يؤديها هذا المستند في الوعي العام؟
هل يقود إلى بناء دولة؟
أم يقود إلى مزيد من طحن المجتمع لبعضه؟
سادسًا… من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد البطولة
كتبنا سابقًا في #أصل_القضية عن: الظواهر الصوتية.
وعن: اقتصاد الانتباه.
وعن: انتصار المثير على المهم.
واليوم نكتشف أن هذه الظواهر ليست منفصلة.
بل هي سلسلة واحدة.
فالانتباه يصنع الصوت.
والصوت يصنع الشخصية.
والشخصية تصنع البطولة.
ثم تعيد الخوارزميات إنتاج الدورة من جديد.
وهكذا… لم تعد البطولة دائمًا نتيجة الإنجاز.
بل أصبحت أحيانًا نتيجة القدرة على جذب الانتباه.
ففي زمن الخوارزميات…قد لا يكون الأكثر تأثيرًا هو من يملك الحقيقة.
بل من يملك القدرة على جعل الناس ينظرون إليه أولًا.
سابعًا… أزمة السودان ليست غياب الأبطال بل غياب معايير البطولة
المشكلة الكبرى ليست أن السودان بلا أبطال.
بل ربما أن السودان مليء بالأبطال الحقيقيين.
لكنهم لا يملكون دائمًا أدوات الظهور.
هناك الطبيب الذي يعمل في صمت.
والمعلم الذي يحمي مستقبل الأجيال.
والباحث الذي ينتج المعرفة.
والمهندس الذي يعيد بناء ما تهدم.
والمواطن الذي يحافظ على تماسك مجتمعه وسط الحرب.
لكن هؤلاء غالبًا لا ينافسون في سوق الضجيج.
لأن الإنجاز يحتاج إلى زمن.
بينما الإثارة تحتاج إلى لحظة.
ولهذا قد يتقدم من يجيد صناعة المشهد… على من يصنع المستقبل.
ثامنًا… هل نصنع الأبطال أم تصنعهم الخوارزميات؟
السؤال الذي يجب أن نواجهه:
هل المجتمع هو الذي يختار أبطاله؟
أم أن المنصات أصبحت تختار لنا من نراه؟
فإذا أصبحت الخوارزمية هي التي تحدد من يظهر…
فإنها غالبًا ستكافئ:
الأكثر إثارة…
الأكثر قدرة على الجدل…
الأكثر جذبًا للانتباه.
وليس بالضرورة:
الأكثر حكمة…
ولا الأكثر إنجازًا…
ولا الأكثر قدرة على بناء الوطن.
وهنا تكمن الخطورة. لأن الأمم لا تبني مستقبلها فقط بما تملك من موارد… بل بما تختاره من نماذج وقدوات.
لكن صناعة الأبطال الافتراضيين لا تنشأ من قوة المنصات وحدها، بل من فراغ تتركه المؤسسات حين تفقد قدرتها على إنتاج القدوة. فعندما تغيب المؤسسة التي تمنح الناس الثقة، يبحث المجتمع عن فرد يمنحه الشعور باليقين، حتى لو كان هذا اليقين مؤقتًا.
#أصل_القضية…
من منظور الجسر والمورد…
فإن صناعة الأبطال ليست قضية إعلامية فقط.
إنها قضية استراتيجية.
لأن القدوة مورد من موارد بناء الدولة.
والوعي مورد من موارد الاستقرار.
والانتباه مورد من موارد السيادة.
فالأمم التي تفقد القدرة على اختيار نماذجها…
تفقد تدريجيًا القدرة على تحديد اتجاهها.
ولهذا…
فإن معركة السودان ليست فقط:
من يحكم؟
ولا: من ينتصر؟
بل أيضًا: من يصنع النموذج الذي سيتبعه الناس؟
فالبطل الحقيقي ليس من يحتل الشاشة… بل من يترك أثرًا في التاريخ.
وليس من يجمع أكبر عدد من المتابعين… بل من يضيف أكبر قيمة للمجتمع.
إن أخطر ما يواجه السودان ليس غياب الأبطال… بل أن يستمر في إنتاج أبطال لا يصنعون المستقبل ، لأن الأمم لا تنهض بكثرة من يتحدثون باسمها…
بل بكثرة من يعملون من أجلها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك: إذا كانت المجتمعات تصنع أبطالها… فمن يصنع أعداءها؟
لأن صناعة البطل تحتاج أحيانًا إلى صناعة خصم. وحين تُختزل القضايا الكبرى في صراع بين أشخاص… يصبح المجتمع أسيرًا لمعركة لا يعرف من بدأها ولا إلى أين تقوده.
فالأمم لا تتحرك فقط نحو ما تحبه… بل قد تُدفع أحيانًا نحو ما تخشاه. ومن يملك صناعة الخوف، يملك جزءًا من صناعة الاتجاه.


