أولاً: تحرك دبلوماسي سوداني نحو أسمرة… رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية
جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أسمرة ولقاؤه بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي في توقيت بالغ الحساسية، عقب تصريحات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحدث فيها عن وجود تقارب أو تنسيق بين السودان وإريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي ضد إثيوبيا.
وبغض النظر عن صحة هذه الاتهامات، فإن الزيارة تؤكد أن الخرطوم تنظر إلى الجبهة الشرقية باعتبارها إحدى أهم ساحات الأمن القومي السوداني، وأن التنسيق مع إريتريا أصبح أكثر أهمية في ظل التطورات العسكرية على الحدود الشرقية، والتنافس الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ومن المرجح أن تكون الزيارة قد تناولت ملفات أمن الحدود، ومنع انتقال السلاح والمقاتلين، والتطورات في إقليم بني شنقول، ومستقبل العلاقات مع إثيوبيا، إضافة إلى تطورات الحرب داخل السودان.
ثانياً: هل بدأت مرحلة الدبلوماسية العسكرية؟
أثار الظهور المفاجئ للواء عثمان عمليات، أحد الضباط المنتمين للقوات المسلحة السودانية والذي انضم لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، تساؤلات عديدة حول توقيت هذا الظهور ودلالاته.
ولا توجد معلومات مؤكدة حتى الآن تربط ظهوره بأي مسار تفاوضي، إلا أن توقيته يتزامن مع حديث متزايد عن مبادرات للهدنة وتحركات أمريكية وإفريقية لإحياء المفاوضات.
ومن الناحية التحليلية، قد يشير ذلك إلى انتقال محتمل من مرحلة يغلب عليها الحسم العسكري إلى مرحلة يصبح فيها التفاوض جزءاً من إدارة الصراع، حيث تلجأ الأطراف عادة إلى الدفع بشخصيات تمتلك خبرة عسكرية وسياسية للمشاركة في أي حوار محتمل.
غير أن هذا الاحتمال يبقى رهناً بما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية خلال الفترة المقبلة، ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد تشكيل وفود تفاوض جديدة.
ثالثاً: أبيي… هل تصبح ساحة جديدة للصراع؟
تتزايد المخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الأمني، وتشابك القبائل، ووجود مجموعات مسلحة على جانبي الحدود.
وأي محاولة لاستغلال المنطقة في عمليات التجنيد أو إعادة الانتشار العسكري ستكون لها انعكاسات مباشرة على أمن السودان وجنوب السودان معاً، وقد تدفع المنطقة إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار، وهو ما يفرض على الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة تكثيف جهود منع التصعيد.
رابعاً: واشنطن تعيد هندسة وساطة السلام
من أبرز التطورات السياسية دخول مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، على خط الاتصالات المتعلقة بالأزمة السودانية، بالتنسيق مع الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة “إيغاد” والأمم المتحدة.
ويعكس هذا التحرك اتجاهاً نحو توسيع الإطار الدبلوماسي وعدم الاكتفاء بالصيغة السابقة للرباعية الدولية، خاصة بعد الانتقادات التي وُجهت إليها من أطراف سودانية شككت في حياد بعض أعضائها.
ومن المهم التمييز بين الوقائع والاتهامات؛ إذ إن الحكومة السودانية وعدداً من التقارير الإعلامية والدولية اتهمت دولة الإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، بينما نفت أبوظبي هذه الاتهامات بصورة متكررة وأكدت أنها تدعم الحل السياسي ووحدة السودان.
وقد يكون توسيع دائرة الوسطاء محاولة لإضفاء مزيد من التوازن والقبول على أي مبادرة سلام جديدة.
خامساً: جنوب السودان بين الانتخابات والاستقرار الإقليمي
تداولت بعض المنصات الإعلامية تقارير تتحدث عن تدخلات خارجية في المشهد السياسي بجنوب السودان قبيل الانتخابات المقبلة، ومن بينها مزاعم عن دور إماراتي في دعم شخصيات سياسية بعينها.
وحتى الآن، لم تصدر أدلة رسمية تثبت هذه المزاعم، كما لم تعلن السلطات في جنوب السودان أو الإمارات ما يؤكدها، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها تقارير إعلامية تحتاج إلى تحقق مستقل.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه القضية تكمن في أن استقرار جنوب السودان يمثل أحد أهم عناصر الأمن القومي السوداني، إذ إن أي اضطراب سياسي أو أمني في جوبا ستكون له انعكاسات مباشرة على الحدود المشتركة، وحركة اللاجئين، والتجارة، والأوضاع العسكرية في المناطق الحدودية.
سادساً: بين العقوبات الأمريكية وإغلاق المعابر
تزامنت هذه التطورات مع رفض الحكومة السودانية للعقوبات الأمريكية الجديدة، واعتبارها إجراءات أحادية وغير قانونية، في وقت أدى فيه إغلاق بعض المعابر الحدودية إلى تفاقم معاناة آلاف الأسر السودانية العالقة.
وتبرز هذه التطورات أن الحرب لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل أصبحت تشمل ضغوطاً اقتصادية ودبلوماسية وإنسانية متزايدة، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة ويؤثر بصورة مباشرة في حياة المدنيين.
الخاتمة: الإقليم يدخل مرحلة إعادة التموضع
تكشف مجمل هذه التطورات أن الحرب في السودان تجاوزت حدودها الوطنية، وأصبحت جزءاً من معادلة إقليمية تشمل القرن الإفريقي والبحر الأحمر وشرق إفريقيا.
فالتحركات السودانية نحو أسمرة، والتحركات الأمريكية لإعادة صياغة مسار الوساطة، والتطورات في جنوب السودان، واستمرار التنافس الإقليمي، كلها مؤشرات على أن المنطقة تشهد إعادة رسم للتحالفات وموازين القوى.
ويبقى نجاح أي مبادرة سياسية مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن، واحترام سيادة السودان، ووقف التدخلات الخارجية، وضمان مشاركة سودانية واسعة في صياغة مستقبل البلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة حسم عسكري خالص، ولا سلام سريع، وإنما مرحلة صراع بين الدبلوماسية والميدان، حيث سيظل ميزان القوة على الأرض عاملاً أساسياً في تحديد شكل أي تسوية سياسية قادمة.
الحرب على السودان وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية (20) من أسمرة إلى جوبا.. هل تدخل الحرب السودانية مرحلة إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة

