التقدم الميداني يعيد رسم خريطة الحرب
تشير التطورات العسكرية الأخيرة إلى استمرار تغير موازين القوى في عدد من جبهات القتال، خاصة في إقليم كردفان، مع الحديث عن تقدم متحرك “الصياد”، بالتزامن مع تطورات ميدانية في محيط مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور.
وإذا استمرت هذه التحركات العسكرية بالوتيرة نفسها، فإنها قد تزيد الضغوط على قوات الدعم السريع في غرب البلاد، ولا سيما أن الجنينة تمثل إحدى أهم المدن الاستراتيجية في إقليم دارفور، سواء من الناحية العسكرية أو اللوجستية، لقربها من الحدود مع تشاد.
وتؤكد تجارب النزاعات المسلحة أن أي تغير جوهري في الميدان ينعكس مباشرة على فرص التفاوض، إذ غالباً ما تدخل الأطراف إلى طاولة الحوار وهي تسعى إلى تحسين مواقعها العسكرية قبل تقديم أي تنازلات سياسية.
الخماسية الجديدة… محاولة لإعادة إحياء مسار السلام
بالتوازي مع التطورات العسكرية، يشهد الملف السوداني حراكاً دبلوماسياً واسعاً تقوده آلية خماسية تضم الاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة “إيغاد”، والأمم المتحدة، وسط ترتيبات لعقد اجتماع في أديس أبابا، مع تداول معلومات عن احتمال تأجيله لإفساح المجال أمام مزيد من المشاورات بين الأطراف.
كما يواصل مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، سلسلة لقاءاته مع مسؤولين إقليميين ودوليين، شملت الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووزير الخارجية المصري، في إطار مساعٍ لتقريب وجهات النظر بشأن الأزمة السودانية.
ويعكس هذا النشاط الدبلوماسي إدراك المجتمعين الإقليمي والدولي أن استمرار الحرب يهدد أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في السودان.
يويري موسيفيني… وسيط إقليمي أم شريك في صناعة التسوية؟
تكتسب زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أوغندا ولقاؤه بالرئيس يويري موسيفيني أهمية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها موسيفيني داخل منظومة الإيغاد والاتحاد الإفريقي.
فالرئيس الأوغندي يُعد من أكثر القادة الأفارقة مشاركة في جهود الوساطة خلال العقود الماضية، سواء في جنوب السودان أو منطقة البحيرات العظمى أو النزاعات الإقليمية الأخرى، الأمر الذي يمنحه قدرة على التواصل مع عدد كبير من الفاعلين الإقليميين.
ومن المرجح أن تكون هذه اللقاءات جزءاً من مشاورات أوسع تهدف إلى استكشاف فرص تحريك العملية السياسية، خاصة في ظل تزايد الحديث عن مبادرات جديدة لوقف إطلاق النار.
العقوبات الأمريكية… بين الضغط السياسي وجدوى التأثير
أثارت العقوبات الأمريكية الأخيرة على السودان نقاشاً واسعاً حول مدى فعاليتها في التأثير على مجريات الصراع.
وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عن مسؤول أمريكي سابق أن الحوار مع السودان كان قد يكون أكثر جدوى من سياسة العقوبات، وهو رأي يعكس إحدى وجهات النظر المطروحة داخل الأوساط السياسية الأمريكية، لكنه لا يمثل بالضرورة الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية.
أما ما يتعلق بالأسباب والدوافع وراء العقوبات، فتوجد تفسيرات وتحليلات متعددة تتناول تأثير جماعات الضغط والمصالح الإقليمية والدولية في صنع القرار الأمريكي، إلا أن الجزم بأن جهة بعينها كانت وراء تلك القرارات يحتاج إلى أدلة موثقة، ولذلك يبقى في إطار التحليل السياسي وليس الحقائق المثبتة.
ومن الناحية العملية، تشير التجارب السابقة إلى أن العقوبات الاقتصادية والسياسية لا تحقق دائماً أهدافها المعلنة، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى زيادة تعقيد الأزمات إذا لم تقترن بمسار سياسي واضح وقابل للتنفيذ.
القوى السياسية… مراجعة للمسار أم إعادة إنتاج للأزمة؟
بالتزامن مع هذه التطورات، تعقد قوى سياسية سودانية اجتماعات في نيروبي لمراجعة مسار العملية السياسية، في محاولة لإعادة ترتيب مواقفها تجاه مستقبل المرحلة الانتقالية.
غير أن نجاح أي حوار سياسي سيظل مرهوناً بقدرته على استيعاب مختلف القوى الوطنية، وتجاوز حالة الانقسام والاستقطاب التي ميزت المشهد السياسي السوداني خلال السنوات الماضية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.
الخاتمة: السودان بين الميدان والتفاوض
تشير المؤشرات الحالية إلى أن السودان يقف أمام مرحلة مفصلية، تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع التحركات الدبلوماسية.
فالتقدم الميداني في بعض الجبهات يمنح القوات المسلحة أفضلية نسبية في التفاوض، في حين تسعى الأطراف الإقليمية والدولية إلى منع اتساع رقعة الحرب والدفع نحو تسوية سياسية.
ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التفاوض بالتوازي مع العمليات العسكرية، إلى أن تصل الأطراف إلى قناعة بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
وفي النهاية، فإن تحقيق سلام مستدام لن يعتمد فقط على المبادرات الخارجية، وإنما على قدرة السودانيين أنفسهم على بناء توافق وطني يحفظ سيادة الدولة، ويؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة، ويضع حداً لمعاناة ملايين المدنيين الذين دفعتهم الحرب إلى أثمان باهظة.


