Popular Now

رَسَنُ حميدتي… إعلانُ النهاية وسقوطُ رهانِ البندقية .. عادل الرفاعي ابوالحسن

سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (31) بين الحراك الدبلوماسي والتصعيد العسكري: هل تقترب الحرب السودانية من منعطف سياسي جديد؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

سلسلة: هندسة السلام .. رؤية سودانية لإعادة الإعمار وبناء السلام المستدام .. غادة الهادي يوسف أحمد .. أستاذ مساعد – خبيرة في إدارة الكوارث والتنمية الريفية المستدامة، وباحثة في هندسة السلام والتعافي بعد النزاعات

سلسلة: هندسة السلام .. رؤية سودانية لإعادة الإعمار وبناء السلام المستدام .. غادة الهادي يوسف أحمد .. أستاذ مساعد – خبيرة في إدارة الكوارث والتنمية الريفية المستدامة، وباحثة في هندسة السلام والتعافي بعد النزاعات

هل يمتلك السودان الإرادة السياسية والمؤسسية والمجتمعية لبناء منظومة وطنية للإنذار المبكر المجتمعي للنزاعات؟

رؤية من منظور هندسة السلام

“إن أفضل الحروب هي تلك التي لم تقع، وأفضل استثمار في السلام هو الوقاية من النزاعات قبل اندلاعها.”

*مقدمة*

في المقال السابق، طرحت رؤية لإنشاء منظومة وطنية للإنذار المبكر المجتمعي باعتبارها إحدى الأدوات الاستراتيجية للوقاية من النزاعات وبناء السلام المستدام في السودان. غير أن نجاح أي منظومة لا يعتمد على جودة تصميمها فحسب، بل على البيئة التي ستعمل فيها.

ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالًا مختلفًا: هل يمتلك السودان الإرادة السياسية والمؤسسية والمجتمعية اللازمة لتحويل الوقاية من النزاعات إلى سياسة وطنية دائمة، يصبح فيها كل مواطن شريكًا في حماية السلام؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى واقع الدولة السودانية ومؤسساتها ومجتمعها، بعيدًا عن الطموحات النظرية. فنجاح أي منظومة للإنذار المبكر يرتبط بوجود إرادة سياسية تتبناها، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، ومجتمع يثق بها ويشارك في إنجاحها.

ورغم التحديات التي فرضتها الحرب، فإن السودان لا يخلو من مقومات يمكن البناء عليها. فقد راكمت بعض المؤسسات الحكومية خبرات في مجال الإنذار المبكر وإدارة المخاطر، كما ظهرت مبادرات بحثية ومراصد مستقلة تعنى بتحليل النزاعات، إلى جانب الإرث المجتمعي الغني في إدارة الخلافات والوساطة المحلية. غير أن هذه المقومات لا تزال تعمل في بيئات متفرقة، ولم تتحول بعد إلى منظومة وطنية متكاملة تقودها رؤية استراتيجية واحدة.

ولذلك، لا يناقش هذا المقال كيفية إنشاء منظومة الإنذار المبكر المجتمعي، فقد تناولها المقال السابق، وإنما يسعى إلى تقييم مدى جاهزية السودان لإنجاحها، من خلال ثلاثة محاور رئيسة: الإرادة السياسية، والجاهزية المؤسسية، والجاهزية المجتمعية، وصولًا إلى تحديد أبرز التحديات والفرص التي ينبغي التعامل معها حتى تصبح الوقاية من النزاعات جزءًا أصيلًا من سياسات الدولة وثقافة المجتمع.

*أولًا: هل يمتلك السودان الجاهزية المؤسسية؟*

عند تقييم الجاهزية المؤسسية، يتضح أن السودان لا يبدأ من الصفر، بل يمتلك مؤسسات وخبرات يمكن أن تشكل أساسًا مهمًا لأي منظومة وطنية مستقبلية للإنذار المبكر.

فعلى المستوى الحكومي، توجد نظم إنذار مبكر قطاعية في عدد من المؤسسات، من بينها نظام الإنذار المبكر للفيضانات بوزارة الري والموارد المائية، ونظم الإنذار المبكر للأوبئة بوزارة الصحة، إلى جانب نظم الإنذار المبكر وإدارة المخاطر بالمجلس الأعلى للدفاع المدني، فضلًا عن أنظمة أخرى مرتبطة بالمناخ، والأمن الغذائي، وإدارة مخاطر الكوارث. وقد أسهمت هذه المؤسسات في تطوير خبرات وطنية في الرصد، وجمع البيانات، وتحليلها، والاستجابة للمخاطر، كلٌ في مجال اختصاصه.

كما توجد مراكز بحثية ومراصد مستقلة ومبادرات أكاديمية ومجتمعية تعمل على دراسة النزاعات وتحليلها وإصدار تقارير ودراسات متخصصة، وهو ما يعكس وجود قاعدة معرفية وطنية يمكن الاستفادة منها.

إلا أن هذه الجهود لا تزال تعمل بصورة متوازية، وتفتقر إلى إطار وطني موحد ينسق بينها، ويحدد الأدوار والمسؤوليات، ويضمن تبادل المعلومات بصورة مؤسسية. ونتيجة لذلك، لا تتحول البيانات المتوافرة إلى رؤية وطنية متكاملة تدعم صناع القرار في الوقاية من النزاعات.

وعليه، يمكن القول إن السودان يمتلك قدرًا مهمًا من الجاهزية المؤسسية، لكن هذه الجاهزية تحتاج إلى قيادة وطنية، وتنسيق مؤسسي فعال، ورؤية استراتيجية تحول الجهود المتفرقة إلى منظومة متكاملة تعمل وفق أهداف وطنية واضحة
. *ثانيًا: هل يمتلك السودان الإرادة السياسية؟*

إذا كانت الجاهزية المؤسسية تمثل أحد متطلبات نجاح أي منظومة وطنية للإنذار المبكر، فإن الإرادة السياسية تمثل العامل الحاسم في تحويلها من فكرة إلى سياسة عامة.

ولا تُقاس الإرادة السياسية بمجرد إعلان النوايا أو إنشاء المؤسسات، وإنما بمدى إدماج الوقاية من النزاعات ضمن أولويات الدولة، وتخصيص الموارد اللازمة لها، وسن التشريعات المنظمة، وضمان التنسيق بين مختلف الجهات ذات الصلة.

وفي الحالة السودانية، ورغم تزايد الوعي بأهمية بناء السلام بعد الحرب، لا تزال الأولوية تنصرف في الغالب إلى إدارة الأزمات والاستجابة لتداعياتها، أكثر من التركيز على الوقاية منها قبل وقوعها. ويعود ذلك إلى حجم التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية التي تواجهها الدولة، إضافة إلى محدودية الموارد وتعدد الأولويات الوطنية.

كما أن تعدد الجهات العاملة في مجالات الأمن، وإدارة الكوارث، والصحة، والمياه، والتنمية، وبناء السلام، دون وجود إطار وطني موحد ينسق الأدوار ويحدد المسؤوليات، قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات أو تضارب الأولويات، ويحد من فاعلية الجهود المبذولة.

ومن ناحية أخرى، فإن تبني سياسة وطنية للوقاية من النزاعات يتطلب أن تنظر الدولة إلى الإنذار المبكر بوصفه استثمارًا في الأمن الوطني والتنمية المستدامة، وليس مجرد مشروع فني أو أمني. فكل نزاع يتم احتواؤه قبل اندلاعه يوفر على الدولة خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية يصعب تعويضها.

لذلك، فإن بناء الإرادة السياسية يبدأ بإدراج الوقاية من النزاعات ضمن الاستراتيجيات الوطنية، وربطها بخطط التنمية وإعادة الإعمار، وتوفير الدعم المؤسسي والمالي اللازم، مع ترسيخ مبدأ الشراكة بين مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحوث والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

وبناءً على ذلك، فإن السودان يمتلك الفرصة لتطوير إرادة سياسية داعمة لمنظومة وطنية للإنذار المبكر المجتمعي، إذا ما توفرت رؤية استراتيجية موحدة تعتبر الوقاية من النزاعات جزءًا من الأمن القومي، وأحد مرتكزات بناء الدولة وتحقيق السلام المستدام، وليس مجرد استجابة ظرفية تفرضها الأزمات.
*ثالثًا: هل يمتلك السودان الجاهزية المجتمعية؟*

إذا كانت الإرادة السياسية والجاهزية المؤسسية تمثلان أساس نجاح أي سياسة وطنية، فإن المجتمع يظل العنصر الأكثر تأثيرًا في الوقاية من النزاعات. فمهما بلغت كفاءة المؤسسات، فإنها لن تتمكن من رصد جميع مؤشرات التوتر أو التدخل في الوقت المناسب دون شراكة حقيقية مع المواطنين.

ويمتلك السودان رصيدًا اجتماعيًا وثقافيًا يمكن أن يمثل نقطة قوة في هذا المجال. فالإدارة الأهلية، والقيادات الدينية والمجتمعية، ومنظمات المجتمع المدني، والشباب، والنساء، جميعها تمتلك معرفة عميقة بواقع مجتمعاتها، ولها أدوار تاريخية في الوساطة، وإصلاح ذات البين، واحتواء الخلافات قبل تفاقمها. كما أن التنوع الثقافي والاجتماعي، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يصبح مصدرًا لتعزيز التماسك الوطني، لا سببًا للانقسام.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال التحديات التي تواجه الجاهزية المجتمعية. فقد أدت سنوات الحرب والاستقطاب إلى تراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة في بعض المناطق، كما أسهم انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق الانقسامات وإضعاف ثقافة الحوار. ويضاف إلى ذلك محدودية الوعي بمفهوم الوقاية من النزاعات، إذ لا يزال كثيرون ينظرون إلى الأمن باعتباره مسؤولية الأجهزة الرسمية وحدها، بينما تقوم فلسفة الإنذار المبكر المجتمعي على أن حماية السلام مسؤولية مشتركة.

ومن ثم، فإن تعزيز الجاهزية المجتمعية لا يتطلب إنشاء هياكل جديدة بقدر ما يتطلب الاستثمار في الإنسان. ويشمل ذلك نشر ثقافة السلام، وتعزيز قيم المواطنة، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتأهيل القيادات المحلية، ورفع الوعي بأهمية الإبلاغ المبكر عن مؤشرات التوتر عبر قنوات مؤسسية واضحة، بما يضمن التعامل معها بصورة مسؤولة وفعالة.

وعليه، فإن المجتمع السوداني يمتلك مقومات مهمة للإسهام في الوقاية من النزاعات، غير أن تحويل هذه المقومات إلى قوة فاعلة يتطلب برامج مستمرة للتوعية وبناء القدرات، وشراكة قائمة على الثقة والشفافية، حتى يصبح كل مواطن شريكًا في حماية السلم المجتمعي، لا مجرد متلقٍ لنتائج السياسات العامة.

*الخاتمة: من الفكرة إلى التطبيق*

يخلص هذا المقال إلى أن السودان يمتلك كثيرًا من المقومات اللازمة لبناء منظومة وطنية للإنذار المبكر المجتمعي، إلا أن امتلاك المقومات لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى واقع عملي.

فعلى المستوى المؤسسي، توجد خبرات وطنية ونظم إنذار مبكر قطاعية ومبادرات بحثية يمكن البناء عليها. وعلى المستوى المجتمعي، يمتلك السودان إرثًا غنيًا في الوساطة المجتمعية والإدارة الأهلية، إلى جانب طاقات كبيرة لدى الشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني. أما على المستوى السياسي، فإن الفرصة لا تزال قائمة لتبني رؤية وطنية تجعل الوقاية من النزاعات جزءًا من سياسات الدولة، وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات.

وفي المقابل، لا تزال هناك تحديات حقيقية، من أبرزها ضعف التنسيق بين المؤسسات، وتداخل الاختصاصات، وغياب إطار وطني موحد، ومحدودية الوعي المجتمعي بأهمية الوقاية من النزاعات، إلى جانب الحاجة إلى تشريعات وسياسات واضحة تدعم هذا التوجه.

ومن منظور هندسة السلام، فإن الخطوة الأولى لا تتمثل في إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما في بناء رؤية وطنية مشتركة تستثمر في الإمكانات القائمة، وتنسق بينها، وتربطها بأهداف إعادة الإعمار والتنمية المستدامة. فالسلام المستدام لا يُصنع بعد اندلاع الحروب فحسب، بل يُبنى قبل ذلك بسنوات، من خلال مؤسسات فاعلة، ومجتمعات واعية، وسياسات تستند إلى الوقاية أكثر من الاستجابة.

إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بقدرته على إنهاء الحرب، وإنما بقدرته على منع اندلاع الحروب القادمة. وهذا يتطلب الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة استشراف المخاطر والوقاية منها، بحيث تصبح حماية السلام مسؤولية وطنية يشترك فيها الجميع.

*سؤال للتأمل*

إذا كانت الخبرات الوطنية، والجامعات، ومراكز البحوث، تمثل أحد أهم مقومات الوقاية من النزاعات وبناء السلام، فلماذا لا يزال دورها في صياغة السياسات الوطنية محدودًا؟
وكيف يمكن توظيف المعرفة العلمية والخبرة الوطنية لتصبح شريكًا فاعلًا في استشراف المخاطر، وصناعة القرار، وبناء السلام المستدام في السودان؟

*المراجع*
United United Nations. (2015). Transforming Our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development. New York: United Nations.
United Nations Office for Disaster Risk Reduction (UNDRR). (2015). Sendai Framework for Disaster Risk Reduction 2015–2030. Geneva: UNDRR.
United Nations & World Bank. (2018). Pathways for Peace: Inclusive Approaches to Preventing Violent Conflict. Washington, DC: World Bank.
African Union. Continental Early Warning System (CEWS). Addis Ababa: African Union.
Intergovernmental Authority on Development (IGAD). Conflict Early Warning and Response Mechanism (CEWARN). Djibouti: IGAD.
OECD. (2022). States of Fragility 2022. Paris: OECD Publishing.
Galtung, J. (1996). Peace by Peaceful Means: Peace and Conflict, Development and Civilization. London: Sage Publications.
Lederach, J. P. (1997). Building Peace: Sustainable Reconciliation in Divided Societies. Washington, DC: United States Institute of Peace Press.
Sudan Meteorological Authority. Official Website and Early Warning Services.
Nile Basin Initiative. (2020). Flood Forecasting and Early Warning System (FFEWS) Assessment for Sudan. Entebbe: Nile Basin Initiative.
United Nations Office of the High Representative for the Least Developed Countries (UNOHRLLS). (2024). Handbook on Early Warning Systems and Early Action in Fragile, Conflict-Affected and Violent Contexts. New York: United Nations.

للمزيد من المقالات، يرجى زيارة الصفحة الرسمية لمنصة “هندسة السلام السوداني” على فيسبوك، أو البحث في فيسبوك عن:
هندسة السلام السوداني
https://www.facebook.com/PeaceEngineeringSD⁠

📧 البريد الإلكتروني: peaceengineering.sd@gmail.com

📧 البريد الإلكتروني: peaceengineering.sd@gmail.com

المقالة السابقة

سلسلة مقالات فى المعني والمبنى (1) أثر العولمة والذكاء الاصطناعي على الأسرة والفرد في عالم اليوم .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

المقالة التالية

سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (31) بين الحراك الدبلوماسي والتصعيد العسكري: هل تقترب الحرب السودانية من منعطف سياسي جديد؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *