تشهد الحرب في السودان تطورات متسارعة على المستويين العسكري والإقليمي، إذ تتزامن المكاسب الميدانية التي حققتها القوات المسلحة السودانية في عدد من المحاور مع تصاعد الأزمة الأمنية على الحدود السودانية الإثيوبية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اتساع دائرة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي.
وفي الميدان، كشفت تقارير إعلامية عن تفاصيل خطة عسكرية استمرت عدة أشهر، اعتمدت – بحسب تلك التقارير – على استنزاف خطوط الإمداد، وقطع طرق الوقود والتموين، واستهداف مراكز القيادة والسيطرة، الأمر الذي أسهم في استعادة عدد من المناطق الاستراتيجية، وعلى رأسها مدينة بارا بولاية شمال كردفان. كما أظهرت الجولة الميدانية الأولى داخل المدينة بعد استعادة السيطرة عليها حجم الدمار الذي خلفته الحرب، وما ينتظر الحكومة من تحديات في إعادة الخدمات وتأهيل البنية التحتية.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير عن موجات جديدة من استسلام بعض عناصر قوات الدعم السريع في عدد من المحاور، بعد وصولهم إلى مناطق آمنة، وهي تطورات قد تعكس الضغوط العسكرية المتزايدة على بعض الوحدات المقاتلة، وإن كانت الصورة الميدانية الكاملة لا تزال مرتبطة بتطور العمليات في دارفور وكردفان.
وفي المقابل، تداولت بعض المنصات الإعلامية تقارير عن مغادرة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) السودان بصورة سرية، بعد فترة من الغياب عن الظهور الميداني. وحتى الآن، لم يصدر تأكيد رسمي مستقل لهذه المعلومات، الأمر الذي يجعلها في إطار ما تداولته وسائل الإعلام، دون الجزم بصحتها.
إقليمياً، دخلت الأزمة الإثيوبية مرحلة أكثر حساسية، بعد تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات من إقليم تيغراي، وما ترتب عليها من نزوح مئات المدنيين باتجاه الأراضي السودانية، إضافة إلى إصابة لاجئين داخل بعض المخيمات الحدودية نتيجة امتداد العمليات العسكرية إلى المناطق القريبة من السودان.
وتأتي هذه التطورات بعد تبادل اتهامات سياسية بين الحكومة الإثيوبية وبعض خصومها، وفي ظل استمرار التوتر بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيغراي. ويرى عدد من المحللين أن أي اتساع للصراع داخل إثيوبيا ستكون له انعكاسات مباشرة على السودان، سواء عبر موجات اللجوء، أو من خلال التأثير على أمن الحدود الشرقية، أو على التوازنات الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي.
وفي السياق نفسه، أصدرت وزارة الداخلية السودانية بياناً بشأن التطورات الأمنية في شرق البلاد ومخيمات اللاجئين، مؤكدة متابعة الأوضاع واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين وتأمين الحدود في ظل التطورات المتسارعة.
أما على الصعيد السياسي، فما تزال الآلية الخماسية تواجه تحديات كبيرة، في ظل اعتراضات من بعض القوى السياسية السودانية، إلى جانب تباينات في المواقف الدولية بشأن آليات إدارة العملية السياسية، وهو ما يعكس استمرار غياب التوافق الوطني حول مستقبل المرحلة الانتقالية.
اقتصادياً، أعلن وزير المعادن السوداني دعمه لقرار مجلس الأمن والدفاع القاضي بحظر وجود القوات النظامية داخل مناطق التعدين، باعتباره خطوة تهدف إلى تنظيم القطاع، وتعزيز الرقابة على الموارد المعدنية، وتقليل فرص استغلال الذهب في تمويل الأنشطة المسلحة خارج الأطر القانونية.
كما شهدت العلاقات السودانية اليمنية تحركاً دبلوماسياً جديداً، يؤكد استمرار الخرطوم في تنشيط علاقاتها الإقليمية، سعياً إلى توسيع التعاون السياسي والاقتصادي مع الدول العربية في ظل التحديات التي تواجهها البلاد.
دلالات استراتيجية
أولاً: تشير النجاحات العسكرية الأخيرة إلى أن السيطرة على خطوط الإمداد أصبحت عاملاً حاسماً في تغيير موازين المعركة، أكثر من الاعتماد على المواجهات التقليدية المباشرة.
ثانياً: تمثل موجات الاستسلام – إذا استمرت واتسع نطاقها – عاملاً قد يؤثر في القدرات العملياتية لبعض تشكيلات قوات الدعم السريع، مع بقاء دارفور ساحة الحسم الرئيسية في المرحلة المقبلة.
ثالثاً: تؤكد التطورات داخل إثيوبيا أن استقرار السودان لا ينفصل عن استقرار جواره الشرقي، وأن أي تصعيد هناك ستكون له آثار مباشرة على الأمن السوداني، خاصة في ولايتي القضارف وكسلا.
رابعاً: يبرز ملف اللاجئين مرة أخرى باعتباره أحد أخطر التداعيات الإنسانية للصراعات الإقليمية، مما يتطلب تعاوناً دولياً لدعم المجتمعات المستضيفة وتوفير الحماية للمدنيين.
خامساً: يعكس الجدل المستمر حول الآلية الخماسية أن نجاح أي مبادرة سياسية لن يتحقق ما لم تستند إلى توافق سوداني واسع، يوازن بين متطلبات السلام والحفاظ على سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها.
خاتمة
تكشف تطورات الأيام الأخيرة أن الحرب في السودان لم تعد معزولة عن البيئة الإقليمية المحيطة، بل أصبحت جزءاً من شبكة أزمات تمتد من دارفور وكردفان إلى الحدود الإثيوبية والقرن الأفريقي. وفي الوقت الذي تحقق فيه القوات المسلحة تقدماً في بعض الجبهات، فإن استمرار التوترات الإقليمية، وتدفق اللاجئين، وتعدد المبادرات السياسية، يؤكد أن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة متوازنة تجمع بين الحسم الأمني، والتحرك الدبلوماسي، والإصلاح الاقتصادي، بما يحافظ على وحدة السودان ويعزز استقراره في محيط إقليمي بالغ التعقيد.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


