Popular Now

من لنا بالقطيفة الفدكية؟ .. قراءة في القيادة النبوية لإدارة الأزمات، ودروس في جمع أهل السودان .. د. أحمد الطيب السماني — أستاذ القيادة والتنمية

وقفة مع النفس .. لا تُعامل الناس بما فهمتَ أنت… بل بما قصدوا هم .. مناظرة بين علم النفس والقرآن الكريم حول سوء الفهم وسوء الظن .. د. حنان درار سيد ادريس

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. المسرح سلاح مهم .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وقفة مع النفس .. لا تُعامل الناس بما فهمتَ أنت… بل بما قصدوا هم .. مناظرة بين علم النفس والقرآن الكريم حول سوء الفهم وسوء الظن .. د. حنان درار سيد ادريس

كثير من الخلافات الإنسانية لا تبدأ بكلمة سيئة، وإنما تبدأ بتفسير سيئ لكلمة قد تكون في أصلها عادية. فقد يقول الإنسان جملة، فيسمعها الآخر من خلال تجاربه السابقة، وحساسيته، ومخاوفه، وتوقعاته، ثم يبني عليها موقفًا وكأن تفسيره هو المعنى الحقيقي الذي قصده المتحدث.

وهنا تبدأ المشكلة: نحن أحيانًا لا نتعامل مع كلام الآخرين كما قالوه، وإنما كما فهمناه نحن.

قد يقول شخص: «أنا مشغول هذه الأيام»، فيفسرها الآخر: «هو يتعمد تجاهلي».
وقد يقول أحدهم: «أحتاج أن أكون وحدي»، فيُفهم كلامه على أنه كراهية أو جفاء.
وقد يقدم شخص نصيحة بحسن نية، فتُفسر على أنها انتقاد أو تقليل من الشأن.

وهكذا تتحول الكلمة إلى مشكلة، ليس بسبب معناها الأصلي، وإنما بسبب المعنى الذي أضافه إليها عقل المستمع.

أولًا: ماذا يقول علم النفس؟

ينظر علم النفس إلى هذه الظاهرة من خلال عدة مفاهيم، منها التحيزات المعرفية، والإسقاط، والقراءة الذهنية، وسوء الإسناد.

فالإنسان لا يستقبل كلام الآخرين بطريقة محايدة تمامًا، وإنما يفسره من خلال خبراته السابقة ومعتقداته ومخاوفه وتوقعاته.

ومن أخطر الأخطاء النفسية أن يعتقد الإنسان أنه يعرف ما يدور في عقل الطرف الآخر دون أن يسأله.

فإذا تأخر شخص عن الرد، قد يقول العقل:

«هو يتجاهلني».

بينما الاحتمالات كثيرة:

ربما كان مشغولًا، أو متعبًا، أو لم يرَ الرسالة، أو كان يمر بظرف شخصي.

لكن الإنسان عندما يكون لديه اعتقاد مسبق بأن الآخر لا يهتم به، فقد يختار التفسير الذي يؤكد اعتقاده.

وهنا يظهر ما يسمى التحيز التأكيدي؛ أي ميل الإنسان إلى البحث عن الأدلة التي تؤيد فكرته المسبقة، وتجاهل التفسيرات الأخرى.

لذلك فإن السؤال النفسي الناضج ليس:

«ماذا فهمت أنا؟»

بل:

«هل ما فهمته هو فعلًا ما قصده الطرف الآخر؟»

وهنا تأتي أهمية التواصل المباشر، وطلب التوضيح، وتأجيل الحكم.

ثانيًا: ماذا يقول القرآن الكريم؟

القرآن الكريم وضع قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار والأقوال:

«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
— الحجرات: 6»

والتبين هنا ليس مجرد التأكد من الخبر، وإنما يحمل مبدأ مهمًا في العلاقات الإنسانية: لا تبنِ موقفًا على معلومة لم تتحقق منها.

ثم يأتي القرآن الكريم بقاعدة أكثر وضوحًا في التعامل مع الظنون:

«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
— الحجرات: 12»

فالظن ليس دائمًا حقيقة.

قد يكون ما اعتقدته عن إنسان مجرد تفسير صنعه عقلك، وليس حقيقة عن نيته.

والقرآن لا يكتفي بالنهي عن سوء الظن، بل يوجه إلى بناء علاقة اجتماعية قائمة على الاحترام وحفظ الكرامة، فيقول:

«﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾»

ويقول:

«﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾»

وكأن المنهج القرآني يريد أن يمنع سلسلة تبدأ أحيانًا بفكرة صغيرة:

تفسير → سوء ظن → حكم → موقف → خصومة → قطيعة.

المناظرة بين العلم النفسي والقرآن

علم النفس يقول:
لا تفترض أنك تعرف نوايا الآخرين، لأنك قد تقع في خطأ القراءة الذهنية.

والقرآن يقول:
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾.

علم النفس يقول:
اسأل عن المعنى المقصود بدل أن تبني استنتاجك على تفسيرك الشخصي.

والقرآن يقول:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.

علم النفس يقول:
خبراتك السابقة قد تؤثر في تفسيرك لسلوك الآخرين.

والقرآن يقول:
لا تجعل الظن يقودك إلى الحكم على الناس.

وهنا يلتقي المنظوران في قيمة مهمة جدًا:

لا تجعل تفسيرك الشخصي حقيقة مطلقة.

المشكلة ليست دائمًا في الكلام… بل في المسافة بين الكلام وتفسيره

هناك ثلاث مراحل يجب التفريق بينها:

ما قاله الشخص → ما فهمته أنت → ما كان يقصده هو.

وقد تكون المسافة بين الثلاثة كبيرة جدًا.

ولهذا فإن الإنسان الحكيم لا يتعامل مع الآخرين بناءً على المرحلة الثانية فقط.

فإذا قال لك شخص كلامًا أزعجك، لا تسارع إلى الحكم عليه، بل قل:

«ربما لم أفهم قصدك، هل توضح لي ماذا تقصد؟»

هذه الجملة البسيطة يمكن أن تمنع خلافًا كبيرًا.

أما أن تبني موقفًا كاملًا على تفسيرك، ثم تعامل الشخص على أساس ذلك التفسير، فأنت في الحقيقة تحاسب إنسانًا على شيء قد لا يكون قد قاله أو قصده أصلًا.

حسن الظن لا يعني السذاجة

من المهم أن نوضح أن حسن الظن لا يعني أن نلغي عقولنا أو نتجاهل السلوكيات المؤذية.

هناك فرق بين:

حسن الظن، وبين إنكار الواقع.

فإذا تكرر السلوك وأصبحت الأدلة واضحة، فمن حق الإنسان أن يضع الحدود المناسبة.

لكن المشكلة أن نحكم على النوايا من موقف واحد، أو كلمة واحدة، أو رسالة قصيرة، أو نبرة صوت فسرناها وفق مشاعرنا.

قاعدة نفسية وقرآنية للعلاقات

قبل أن تحكم على كلام شخص، اسأل نفسك:

1. ماذا قال فعلًا؟
2. ماذا فهمت أنا؟
3. هل هناك تفسير آخر لما قال؟
4. هل أعرف قصده فعلًا أم أنني أفترضه؟
5. هل سألت الشخص عن قصده؟
6. هل حكمي مبني على موقف واحد أم على نمط متكرر؟

إذا لم تكن تعرف الإجابة، فلا تجعل الظن حقيقة.

الخاتمة

أحيانًا نخسر أشخاصًا طيبين ليس لأنهم أساؤوا إلينا، وإنما لأننا أسأنا تفسيرهم.

وقد نفسد علاقة جميلة لأننا تعاملنا مع الكلمات التي سمعناها وفق قصتنا الداخلية، لا وفق مقصد صاحبها.

لذلك فإن النضج النفسي والإيمان كلاهما يدعوان الإنسان إلى التريث، والتثبت، وحسن الظن، وفتح باب الحوار.

لا تعامل الناس بما فهمته أنت عنهم، قبل أن تعرف ما قصدوه هم.

فبين الكلمة والمقصد مساحة اسمها الفهم،
وبين الفهم والحكم مساحة اسمها التثبت،
وبين التثبت والعلاقة مساحة اسمها حسن الظن.

وكم من علاقة كان يمكن أن تستمر، لو أن أحد الطرفين قال فقط:

«انتظر… ربما لم أفهمك كما قصدت.»

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. المسرح سلاح مهم .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

من لنا بالقطيفة الفدكية؟ .. قراءة في القيادة النبوية لإدارة الأزمات، ودروس في جمع أهل السودان .. د. أحمد الطيب السماني — أستاذ القيادة والتنمية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *