تشهد الحرب في السودان تحولاً ميدانياً مهماً مع انتقال جزء من العمليات إلى ولاية النيل الأزرق، خصوصاً قيسان والكرمك، بالتزامن مع استمرار تقدم الجيش في بعض مناطق كردفان ودارفور، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة.
وتكمن أهمية التطور الجديد في أن الكرمك وقيسان تقعان بالقرب من الحدود الإثيوبية، ما يجعل انتقال الحرب إليهما ذا أبعاد تتجاوز المواجهة العسكرية المحلية إلى الأمن القومي السوداني والإثيوبي والأمن الإقليمي.
الكرمك وقيسان.. جبهة جديدة
إعلان قوات «تأسيس» السيطرة على الكرمك وقيسان، إذا تأكد واستمر ميدانياً، يمثل تطوراً مهماً في خريطة الحرب. فالهدف المحتمل لا يقتصر على السيطرة على مناطق جديدة، وإنما قد يشمل تشتيت القوات المسلحة وإجبارها على توزيع قواتها بين كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
وهنا يبرز السؤال: هل تسعى قوات الدعم السريع وحلفاؤها إلى تأسيس جبهة مستدامة في النيل الأزرق، أم أن التحرك مجرد محاولة لتخفيف الضغط المتزايد عليها في كردفان ودارفور؟
الإجابة ستتضح من قدرة هذه القوات على الاحتفاظ بالكرمك وقيسان وتأمين خطوط الإمداد إليها.
من كردفان ودارفور إلى النيل الأزرق
تشير التطورات الأخيرة إلى تغير في طبيعة الحرب. ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش عملياته في كردفان ودارفور ويعلن استعادة مناطق جديدة، تحاول قوات الدعم السريع وحلفاؤها فتح جبهة بعيدة في أقصى الجنوب الشرقي.
وهذا قد يكون محاولة لإعادة توزيع الضغط العسكري.
لكن فتح جبهة جديدة يحمل مخاطر على قوات الدعم السريع نفسها، لأنها ستحتاج إلى قوات وإمدادات وقدرات لوجستية إضافية في منطقة تختلف جغرافياً واجتماعياً عن مناطق انتشارها التقليدية.
البعد الإثيوبي
تكمن أخطر تداعيات معركة الكرمك وقيسان في قربها من إثيوبيا.
وتواجه إثيوبيا في الوقت نفسه تحديات داخلية وأمنية، من بينها استمرار التوترات المرتبطة بتيغراي ومناطق أخرى، إلى جانب التحديات السياسية والاقتصادية.
ولا يمكن اعتبار ذلك دليلاً على تدخل إثيوبي في الحرب السودانية، لكن ضعف الاستقرار الداخلي الإثيوبي قد ينعكس مباشرة على أمن الحدود السودانية من خلال زيادة حركة اللاجئين والتهريب والسلاح والنشاط المسلح.
كما أن استمرار القتال قرب الحدود قد يدفع أديس أبابا إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وهو ما قد يعيد ملفات الحدود والفشقة إلى واجهة العلاقات السودانية الإثيوبية.
سد النهضة والأمن المائي
يزيد موقع النيل الأزرق من حساسية التطورات، باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة نهر النيل، وقربه من منطقة سد النهضة.
ولا توجد أدلة كافية على استهداف السد بصورة مباشرة، لكن استمرار الحرب في المنطقة قد يؤثر في الأمن الحدودي والمائي والزراعي، ويجعل السودان وإثيوبيا ومصر أكثر تأثراً بأي تصعيد واسع.
انشقاقات «تأسيس» وتراجع الدعم السريع
في الجانب الآخر، يمثل إعلان حاكم كردفان الذي عينته «تأسيس» انشقاقه عن التحالف مؤشراً يستحق المتابعة، خصوصاً مع التقارير عن استسلامات وانشقاقات داخل قوات الدعم السريع.
وإذا تزامنت هذه التطورات مع استمرار خسائر الدعم السريع في كردفان ودارفور وفقدان بعض طرق الإمداد، فقد تبدأ مرحلة تراجع تدريجي في التماسك العسكري والسياسي لتحالف «تأسيس».
لكن من المبكر اعتبار ذلك انهياراً نهائياً، لأن القوات قد تعيد الانتشار أو تتحول إلى أسلوب حرب الاستنزاف والعمليات غير النظامية.
السودان وجنوب السودان
في مقابل التصعيد العسكري، يمثل الاتفاق السوداني ــ الجنوب سوداني على تعزيز التعاون الأمني تطوراً إيجابياً.
ويمكن للتعاون بين الخرطوم وجوبا أن يسهم في حماية الحدود، مكافحة التهريب، تأمين المنشآت النفطية وتنظيم حركة السكان، كما يمكن أن يساعد في منع انتقال الحرب إلى الجنوب.
السيناريوهات المحتملة
الأول: احتواء جبهة النيل الأزرق، ونجاح الجيش في منع تثبيت قوات «تأسيس» لوجود دائم في الكرمك وقيسان.
الثاني: تثبيت «تأسيس» وجودها وتحول النيل الأزرق إلى جبهة رئيسية في الحرب.
الثالث: اتساع البعد الإقليمي نتيجة استمرار القتال قرب الحدود الإثيوبية وتزامنه مع اضطرابات داخل إثيوبيا.
الرابع: تراجع الدعم السريع و«تأسيس» في كردفان ودارفور نتيجة الخسائر والانشقاقات والاستسلامات وفقدان خطوط الإمداد، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الحرب.
التقدير الاستراتيجي
المشهد الحالي يشير إلى أن الحرب انتقلت من صراع متعدد الجبهات إلى صراع على الممرات والحدود والإمداد والقدرة على الاستمرار.
فالجيش يحاول استثمار تقدمه في كردفان ودارفور، بينما تحاول قوات الدعم السريع وحلفاؤها تعويض خسائرها بفتح جبهة النيل الأزرق.
وتبقى الكرمك وقيسان اختباراً حقيقياً: فإذا تمكنت «تأسيس» من الاحتفاظ بهما وتأمين الإمدادات، ستصبح الجبهة الشرقية أكثر أهمية؛ أما إذا فشلت، فقد تتحول العملية إلى استنزاف جديد يضاف إلى الضغوط التي تواجهها.
الخلاصة
تمثل معركة الكرمك وقيسان أخطر تطورات الحرب السودانية الأخيرة، لأنها تنقل القتال إلى منطقة ترتبط مباشرة بالحدود الإثيوبية.
والخطر لا يكمن في السيطرة على المدينتين فقط، وإنما في احتمال تحول النيل الأزرق إلى جبهة إقليمية جديدة تتداخل فيها الحرب السودانية مع أوضاع إثيوبيا وملفات الحدود والفشقة وسد النهضة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار تقدم الجيش في كردفان ودارفور، مع الانشقاقات والاستسلامات داخل معسكر الدعم السريع و«تأسيس»، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب.
لكن أي انهيار عسكري يجب أن تتم إدارته بحذر، لأن انهيار قوة مسلحة دون ترتيبات أمنية وسياسية قد ينتج فراغاً وفوضى جديدة.
وعليه، فإن المعركة المقبلة ليست فقط معركة السيطرة على المدن، وإنما معركة الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع تدويل الحرب وحماية الحدود ومنع تحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي بالوكالة.


