مقدمة:
من كشف التدخل الخارجي إلى اختبار الإرادة السياسية لم يعد السؤال في السودان اليوم مقتصراً على من يقاتل ومن يسيطر على الأرض، وإنما انتقل إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك القدرة على التأثير في اتجاه الحرب، ومن يملك مفاتيح إنهائها؟
فبعد أن كشفت التطورات الأخيرة حجم التشابك بين الحرب السودانية والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، بدأت المعركة تدخل طوراً جديداً تتداخل فيه الضغوط الدبلوماسية، والتحركات العسكرية، والحوار السوداني–السوداني، والحدود الإقليمية، والمصالح الدولية.
وتأتي هذه المرحلة في وقت تتزايد فيه الضغوط على السودان من أكثر من اتجاه؛ فواشنطن تدفع بمبادرات وضغوط سياسية وأمنية، ومجلس الأمن يناقش إجراءات تتعلق بالسلاح والطيران، بينما تتحرك دول الجوار بصورة تؤثر مباشرة أو غير مباشرة في مسار الحرب، في وقت تحاول فيه الحكومة السودانية تثبيت رؤيتها القائمة على سيادة الدولة ورفض فرض التسويات من الخارج.
وفي الداخل، يبرز الحوار السوداني–السوداني باعتباره الاختبار الحقيقي لقدرة السودانيين على استعادة زمام المبادرة السياسية، بعيداً عن تعدد المنابر الخارجية وتضارب أجنداتها. ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية: هل يستطيع الحوار الداخلي إنتاج مشروع وطني جامع؟ وهل يمكن أن يتحول إلى مدخل لإنهاء الحرب، أم يصبح ساحة جديدة للصراع السياسي؟
وفي المقابل، فإن التطورات العسكرية على الجبهات المختلفة، وما يصاحبها من تحركات إقليمية عبر الحدود، تجعل مستقبل الحرب مرتبطاً ليس فقط بنتائج المعارك، وإنما بقدرة السودان على تحييد التدخلات الخارجية وإعادة ضبط محيطه الإقليمي.
وعليه، تبحث هذه الحلقة في المشهد السوداني من زاوية مختلفة: الحوار في الداخل، الحرب في الميدان، الحدود في الإقليم، والضغوط الدولية في الخارج، وصولاً إلى السؤال الأكبر:
هل بدأت الحرب تقترب من لحظة إعادة تشكيل المعادلة السياسية والعسكرية، أم أن السودان يتجه إلى مرحلة أطول من الاستنزاف الإقليمي والدولي؟
أولاً: الحوار السوداني–السوداني يدخل مرحلة الاختبار
أصبح الحوار الذي أطلقته القيادة السودانية أحد أهم التطورات السياسية في المشهد الداخلي.
فالقضية لم تعد مجرد الإعلان عن حوار، وإنما أصبحت مرتبطة بمسألة شرعية التمثيل السياسي ومن يحق له المشاركة في صناعة مستقبل السودان.
وتكشف قائمة المشاركين التي أُعلنت للحوار عن محاولة للاستفادة من شخصيات أكاديمية وإعلامية وقانونية وسياسية ومدنية ذات خلفيات مختلفة، وهو أمر يمكن أن يمنح الحوار فرصة للابتعاد عن الاستقطاب التقليدي.
لكن نجاح الحوار لن يقاس بعدد الأسماء المشاركة، وإنما بقدرته على الوصول إلى مخرجات وطنية قابلة للتنفيذ.
والسؤال هنا:
هل يستطيع الحوار أن ينتقل من حوار النخب إلى حوار المجتمع السوداني بكل مكوناته؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل المبادرة.
ثانياً: لماذا أصبح حوار الداخل ضرورياً؟
خلال سنوات الحرب، تعددت المبادرات والمنابر الخارجية:
جدة، أديس أبابا، المنامة، القاهرة، واشنطن، وغيرها.
لكن المشكلة أن تعدد المنابر لم يؤد حتى الآن إلى إنهاء الحرب.
بل إن تعدد المبادرات أدى أحياناً إلى تعدد التصورات حول مستقبل السودان.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار الداخلي.
فالسودانيون هم أصحاب المصلحة الأولى في:
وحدة الدولة.
شكل النظام السياسي.
مستقبل القوات المسلحة.
إعادة بناء المؤسسات.
العدالة والمحاسبة.
إعادة الإعمار.
العلاقة بين المركز والأقاليم.
الانتخابات والدستور.
ولهذا فإن أي تسوية تُفرض من الخارج ستظل بحاجة إلى شرعية سودانية داخلية حتى تستمر.
ثالثاً: معركة الشرعية داخل القوى المدنية
يواجه الحوار تحدياً أساسياً يتمثل في موقف بعض القوى المدنية التي ترى أن المبادرة الحالية لا تمثلها أو أنها تجري في ظل ظروف الحرب.
وفي المقابل، ترى قوى أخرى أن استمرار الحرب يجعل الحوار الداخلي ضرورة لا يمكن تأجيلها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
رفض الحرب شيء، ورفض الحوار شيء آخر.
فمن حق أي قوة سياسية أن تعارض الحرب وأن ترفض سياسات الحكومة أو الجيش، لكن السؤال السياسي هو:
ما البديل؟
إذا كان البديل هو استمرار التفاوض عبر العواصم الأجنبية، فإن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف الإرادة السياسية السودانية.
أما إذا كان البديل هو حوار سوداني شامل، فإن الخلاف يجب أن يكون حول آليات الحوار وضماناته ومخرجاته، لا حول مبدأ الحوار نفسه.
رابعاً: الحوار لا يعني التسوية بلا شروط
الحوار السوداني لا ينبغي أن يكون مجرد تسوية بين النخب.
بل يجب أن يضع في مقدمته:
وحدة السودان.
سيادة الدولة.
رفض إنشاء كيانات موازية.
توحيد القوات المسلحة والقوات النظامية.
نزع سلاح المليشيات.
حماية المدنيين.
العدالة والمحاسبة.
إعادة النازحين واللاجئين.
إعادة الإعمار.
الانتقال السياسي المتفق عليه.
ومن دون هذه المبادئ، قد يتحول الحوار إلى مجرد هدنة سياسية مؤقتة.
خامساً: الحرب تدخل مرحلة جديدة
على المستوى العسكري، لا تبدو الحرب في نهايتها بعد.
لكن المؤشرات تشير إلى تغير طبيعة المواجهة.
فقد أصبحت الحرب تعتمد بصورة متزايدة على:
المسيّرات، والدفاع الجوي، والاستطلاع، والضربات بعيدة المدى، وشبكات الإمداد العابرة للحدود.
وهذا يعني أن السيطرة على الأرض لم تعد العامل الوحيد في تحديد ميزان القوة.
بل أصبح السؤال:
من يمتلك القدرة على الاستمرار في الحرب؟
ومن يمتلك التمويل والسلاح والإمداد والتكنولوجيا يستطيع إطالة الصراع حتى لو خسر بعض المواقع.
سادساً: كردفان ودارفور والنيل الأزرق
تشكل هذه المناطق الآن أهم مسارح الحرب.
ففي دارفور، ما زالت الفاشر تمثل مركز الثقل العسكري والسياسي.
وفي كردفان، تتزايد أهمية الأبيض وشبكة الطرق التي تربط غرب البلاد بوسطها.
أما النيل الأزرق، فيكتسب أهمية مضاعفة بسبب موقعه الحدودي مع إثيوبيا واتصاله بممرات استراتيجية في جنوب شرق السودان.
وبالتالي فإن أي تغير في هذه الجبهات ستكون له آثار تتجاوز الجانب العسكري إلى المعادلة السياسية والإقليمية.
سابعاً: الحدود التشادية… من العمق الخلفي إلى عامل تصعيد
أثبتت التطورات الأخيرة أن الحدود السودانية–التشادية لم تعد مجرد منطقة حدودية.
لقد أصبحت جزءاً من الحرب نفسها.
والاتهامات المتبادلة حول دخول قوات أو إمدادات عسكرية إلى الأراضي التشادية أو عبرها تجعل المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر.
وهنا تظهر خطورة انتقال الحرب من:
حرب داخل السودان
إلى:
حرب سودانية ذات امتدادات حدودية.
وهذا السيناريو إذا تطور سيكون بالغ الخطورة على تشاد والسودان معاً.
ثامناً: إثيوبيا والجبهة الشرقية
الجبهة الشرقية لا تقل أهمية.
فالسودان يواجه بيئة أمنية معقدة على الحدود الإثيوبية، في ظل التوترات السياسية والعسكرية داخل إثيوبيا نفسها.
كما أن ملف النيل الأزرق وسد النهضة والأمن المائي يضيف بعداً استراتيجياً آخر.
وتتزايد المخاوف من استخدام الأراضي الحدودية كممرات للإمداد أو النشاط العسكري.
لكن التعامل مع هذه الاتهامات يجب أن يستند إلى أدلة قابلة للتحقق، حتى لا يتحول الملف إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة بين الخرطوم وأديس أبابا.
تاسعاً: الإمارات وملف الدعم الخارجي
يبقى الدور الإماراتي أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.
فالحكومة السودانية وجهت اتهامات مباشرة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي هذه الاتهامات.
لكن الاتهام السوداني لم يعد منفرداً؛ فقد ظهرت تقارير أممية وحقوقية وإعلامية دولية تبحث في مسارات السلاح والتمويل والمتعاقدين الأجانب.
وتكمن أهمية هذه التقارير في أنها تنقل النقاش من مستوى:
الخطاب السياسي
إلى مستوى:
الأدلة ومسارات الإمداد والمسؤولية القانونية المحتملة.
عاشراً: ماذا تعني التقارير الدولية؟
التقارير الدولية لا تعني بالضرورة أن دولة ما أصبحت مدانة قضائياً.
لكنها قد تكون مهمة في بناء ملف التحقيق.
وهناك فرق بين:
الاتهام السياسي
والتحقيق الدولي
والإسناد القانوني
والحكم القضائي النهائي.
وهذا التفريق مهم جداً في قضية السودان، لأن الحرب أصبحت ساحة ضخمة لتضارب المعلومات والحرب الإعلامية.
ولهذا ينبغي للسودان أن يبني ملفه الخارجي على:
الوثائق، والأدلة، وشهادات الشهود، ومسارات الطيران، وأرقام الشحنات، والعقود، وصور الأقمار الصناعية، وتقارير المنظمات الدولية.
الحادي عشر: محكمة العدل الدولية… من القضية إلى مسارات المساءلة
رفع السودان قضية ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية في مارس 2025، متهماً إياها بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
لكن المحكمة قضت في مايو 2025 بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، ولم تدخل في أصل الاتهامات.
وهذا يعني أن القرار لا ينبغي تفسيره باعتباره حكماً ببراءة الإمارات من الوقائع محل الاتهام.
وفي الوقت ذاته، لا يعني ظهور تقارير جديدة أن القضية نفسها عادت تلقائياً إلى المحكمة.
لكن هذه التطورات يمكن أن تكون ذات قيمة في مسارات قانونية وسياسية أخرى، خصوصاً إذا ظهرت أدلة جديدة ومستقلة على:
نقل الأسلحة.
تمويل العمليات العسكرية.
تجنيد المرتزقة.
تدريب القوات.
استخدام أراضي دول الجوار.
استهداف المدنيين.
وهنا قد يصبح ملف المسؤولية الدولية أكثر أهمية في المستقبل.
الثاني عشر: هيومن رايتس ووتش والمتعاقدون الكولومبيون
من أبرز الملفات التي تستحق المتابعة قضية المتعاقدين الكولومبيين.
فالتقارير الحقوقية تحدثت عن مشاركة مقاتلين ومتعاقدين كولومبيين في الحرب، وعن أدوار مرتبطة بالمسيّرات والمدفعية والتدريب.
وهذه القضية تفتح سؤالاً بالغ الأهمية:
هل أصبح السودان مسرحاً لسوق دولية للمرتزقة والمتعاقدين العسكريين؟
إذا ثبت ذلك، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالدعم السريع، وإنما بشبكة دولية تستفيد من استمرار النزاعات المسلحة.
ولهذا يجب أن يكون ملف المرتزقة جزءاً أساسياً من أي تحقيق دولي حول الحرب.
الثالث عشر: واشنطن… وسياسة الضغط المتوازن
تواصل الولايات المتحدة الضغط باتجاه وقف الحرب وحماية المدنيين.
لكن السياسة الأمريكية تواجه معضلة حقيقية:
كيف يمكن الضغط على الطرفين دون خلق اختلال في ميزان القوة؟
وكيف يمكن حماية المدنيين دون إضعاف قدرة الدولة على مواجهة المليشيات المسلحة؟
وهنا تبرز الانتقادات السودانية لبعض المقترحات الأمريكية المتعلقة بحظر الطيران والسلاح.
فإذا أدى الحظر إلى تقييد قدرة القوات النظامية على استخدام الطيران والمسيّرات في الوقت الذي تمتلك فيه المليشيا مصادر إمداد خارجية، فإن النتيجة قد تكون تغيير ميزان القوة عسكرياً دون إنهاء الحرب.
ولهذا فإن أي قرار دولي يجب أن يراعي طبيعة الحرب على الأرض.
الرابع عشر: مسعد بولس… الوساطة تحت الاختبار
أثارت تصريحات وتحركات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس جدلاً واسعاً في السودان.
والانتقاد الأساسي الذي يوجه إليه هو أن الوسيط يجب أن يحافظ على قدر من التوازن والثقة لدى الأطراف.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن الضغط على الأطراف ضروري لإنهاء الحرب.
لكن الوساطة الناجحة تحتاج إلى:
الثقة + التوازن + معرفة دقيقة بالواقع السوداني + التعامل مع مصادر الحرب الخارجية.
وإذا شعر أحد الأطراف بأن الوسيط يتبنى رواية خصمه، فإن قدرة الوسيط على التأثير تتراجع.
الخامس عشر: لماذا يصبح الدور السعودي مهماً؟
تحتفظ المملكة العربية السعودية بموقع خاص في الملف السوداني.
فهي الدولة التي استضافت مفاوضات جدة، وهي من أكثر الدول اهتماماً باستقرار السودان والبحر الأحمر.
كما أن مصالحها ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الإفريقي.
ولهذا فإن الدور السعودي يمكن أن يكون مهماً في الجمع بين:
الضغط الدبلوماسي + الوساطة + دعم الدولة السودانية + المساعدات الإنسانية.
والأهم أن السعودية تستطيع أن تكون جسراً بين السودان والولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية.
السادس عشر: مصر… الأمن القومي المشترك
لا يمكن فصل أمن السودان عن الأمن القومي المصري.
فالحدود المشتركة، ونهر النيل، والبحر الأحمر، والأمن الغذائي، والهجرة، كلها ملفات تجعل استقرار السودان مصلحة مصرية مباشرة.
كما أن أي تفكك للدولة السودانية سيخلق تداعيات تتجاوز السودان إلى المنطقة بأكملها.
ومن هنا تأتي أهمية التنسيق المصري–السوداني في مواجهة مخاطر:
التقسيم، والكيانات الموازية، وتدويل الحدود، وتدفقات السلاح.
السابع عشر: إريتريا… أهمية الجبهة الشرقية
تكتسب زيارة رئيس مجلس السيادة إلى أسمرا أهمية سياسية واستراتيجية.
فالعلاقة بين السودان وإريتريا ترتبط بأمن البحر الأحمر والحدود الشرقية.
كما أن إريتريا تمثل إحدى الدول التي حافظت على موقف واضح من أهمية وحدة الدولة السودانية.
وتأتي هذه العلاقة في وقت يشهد فيه القرن الإفريقي تنافساً متزايداً حول:
الموانئ، والبحر الأحمر، والنفوذ الإقليمي، وسلاسل الإمداد.
ومن ثم فإن تعزيز العلاقات السودانية مع إريتريا يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة بناء الأمن الإقليمي.
الثامن عشر: فرنسا ومجلس الأمن
مع تولي فرنسا رئاسة مجلس الأمن خلال سبتمبر، يصبح من المهم مراقبة كيفية تعاملها مع الملف السوداني.
ففرنسا تمتلك مصالح واسعة في إفريقيا ومنطقة الساحل، ولها علاقات مع دول الجوار السوداني.
وهنا تبرز ثلاثة احتمالات:
الأول: دعم المسار الإنساني
الضغط لوقف استهداف المدنيين وفتح الممرات الإنسانية.
الثاني: الضغط السياسي
دعم مفاوضات جديدة وفرض عقوبات إضافية.
الثالث: توسيع تدويل الملف
وهو السيناريو الذي ينبغي للسودان أن يتعامل معه بحذر، حتى لا يتحول مجلس الأمن إلى أداة لإدارة الصراع بدلاً من إنهائه.
التاسع عشر: الاقتصاد… الخطر الصامت
بينما ينشغل الجميع بالمعارك والسياسة، يتقدم خطر آخر بصمت:
الاقتصاد.
ارتفاع سعر الدولار، تراجع قيمة الجنيه، ارتفاع أسعار الغذاء، ضعف الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية كلها تهدد المجتمع السوداني.
والخطر الأكبر أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة أمن قومي.
فالمواطن الذي يواجه:
الجوع + البطالة + النزوح + انعدام الخدمات
قد يصبح أكثر عرضة للهجرة أو التجنيد أو الجريمة أو الاحتجاج.
ولهذا فإن إنقاذ الاقتصاد يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية الحرب والسلام معاً.
العشرون: الأمن الغذائي أولوية عاجلة
يمتلك السودان إمكانات زراعية هائلة.
لكن الحرب أضعفت الإنتاج وسلاسل الإمداد.
وفي ظل ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، فإن من الضروري أن تعمل الحكومة على:
استيراد الحبوب بصورة عاجلة.
بناء مخزون استراتيجي.
دعم الإنتاج المحلي.
توفير المدخلات الزراعية.
تأمين مناطق الإنتاج.
فتح طرق النقل.
دعم المزارعين.
فالاستقرار الغذائي قد يكون أحد أهم أدوات تثبيت الدولة في المرحلة القادمة.
الحادي والعشرون: هل الحرب تقترب من الحسم؟
المؤشرات العسكرية والسياسية لا تسمح بالجزم بأن الحرب انتهت أو أنها ستنتهي قريباً.
لكن يمكن القول إن الصراع دخل مرحلة إعادة تشكيل.
فكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل أي تفاوض مقبل.
ولهذا فإن التحركات العسكرية الحالية قد تكون جزءاً من:
معركة تحسين شروط التفاوض.
ومن هنا نفهم أهمية كل جبهة، وكل مدينة، وكل طريق إمداد.
الثاني والعشرون: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الحسم العسكري
استمرار تقدم القوات المسلحة وتراجع الدعم السريع قد يفرض واقعاً جديداً يؤدي إلى مفاوضات من موقع أقوى للدولة.
السيناريو الثاني: حرب الاستنزاف
استمرار تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود قد يؤدي إلى إطالة الحرب لسنوات.
السيناريو الثالث: التسوية السياسية
توافق أمريكي–سعودي–مصري–إقليمي على وقف الإمداد الخارجي، بالتزامن مع حوار سوداني شامل.
السيناريو الرابع: التدويل المتزايد
تصاعد العقوبات والقرارات الدولية والتدخلات الخارجية بما يجعل السودان ساحة صراع دولي مفتوح.
وأخطر السيناريوهات هو الرابع إذا ترافق مع استمرار الحرب العسكرية.
الثالث والعشرون: ما الذي يحتاجه السودان الآن؟
السودان بحاجة إلى استراتيجية متكاملة تقوم على خمسة مسارات متزامنة:
1. المسار العسكري
حماية الدولة والمواطنين وتأمين الحدود.
2. المسار السياسي
إطلاق حوار سوداني شامل.
3. المسار الدبلوماسي
كشف التدخلات الخارجية بالأدلة والوثائق.
4. المسار الاقتصادي
إنقاذ العملة وتأمين الغذاء والإنتاج.
5. المسار القانوني
بناء ملفات موثقة حول الانتهاكات والتدخلات الخارجية.
الرابع والعشرون: القراءة الاستراتيجية
المشهد السوداني الحالي لا يمكن تفسيره من خلال معركة واحدة أو مبادرة واحدة.
هناك أربعة مستويات متداخلة:
المستوى الأول: الحرب الداخلية.
المستوى الثاني: الصراع الإقليمي.
المستوى الثالث: التنافس الدولي.
المستوى الرابع: الصراع على مستقبل الدولة السودانية.
والأخير هو الأهم.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط:
من سينتصر عسكرياً؟
بل:
أي سودان سيخرج من الحرب؟
هل سيكون سوداناً موحداً بمؤسسات دولة قوية؟
أم سوداناً ضعيفاً متعدد مراكز القوة؟
أم سوداناً تحكمه تسوية خارجية؟
هذه هي المعركة الأكبر.
الخاتمة
دخل السودان مرحلة لا يكفي فيها الانتصار العسكري وحده، ولا تكفي فيها الوساطة الخارجية وحدها.
فالانتصار الحقيقي هو أن تنتهي الحرب دون أن تنتهي الدولة السودانية.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الصراع أصبح مرتبطاً بشبكات إقليمية ودولية معقدة، وأن ملف التدخل الخارجي أصبح جزءاً أساسياً من أي تسوية مستقبلية.
لكن في الوقت ذاته، يجب ألا يتحول التركيز على الخارج إلى إغفال المسؤولية السودانية الداخلية.
فالسودانيون هم الذين يجب أن يصنعوا:
السلام، والدستور، والنظام السياسي، ومستقبل الدولة.
أما المجتمع الدولي، فينبغي أن يساعد على إنهاء الحرب لا أن يحل محل السودانيين في تقرير مستقبلهم.
ومن هنا فإن المرحلة القادمة ستدور حول ثلاثة أسئلة حاسمة:
هل يستطيع الجيش والقوى الوطنية تغيير المعادلة الميدانية؟
هل يستطيع الحوار السوداني–السوداني إنتاج تسوية وطنية حقيقية؟
وهل تستطيع الدبلوماسية السودانية تحويل ملف التدخل الخارجي من مجرد اتهامات سياسية إلى ملفات موثقة أمام المؤسسات الدولية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد مستقبل السودان خلال المرحلة المقبلة.
والخلاصة الأهم:
السودان لا يحتاج إلى سلام يُفرض عليه من الخارج، ولا إلى حرب مفتوحة بلا نهاية؛ وإنما يحتاج إلى سلام سوداني يحفظ الدولة والسيادة ويعالج جذور الأزمة، ويغلق في الوقت نفسه أبواب التدخل الخارجي التي جعلت الحرب أطول وأعقد وأشد كلفة.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات.
سلسلة مقالات الحرب على السودان (65)السودان بين الحوار الداخلي وضغوط الخارج: هل اقتربت الحرب من إعادة تشكيل المعادلة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة

