Popular Now

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي (4) وقفة مع تعليق وقراءة البروفيسور طارق الصادق عبدالسلام على مقالي السابق .. موفق عبدالرحمن

سلسلة مقالات الحرب على السودان (65)السودان بين الحوار الداخلي وضغوط الخارج: هل اقتربت الحرب من إعادة تشكيل المعادلة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

السودان وإفريقيا بعد الحرب: من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي (4) وقفة مع تعليق وقراءة البروفيسور طارق الصادق عبدالسلام على مقالي السابق .. موفق عبدالرحمن

_ أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن الكتابة والتفكير في الشأن الثقافي والمجتمعي تُعد محاولة مستمرة لبناء جسور من الوعي مع القراء الكرام _ غير أن هذه المحاولة لا تكتمل إلا حين تجد صداها لدى عقول تدرك كنه المكتوب وتتفاعل معه _ وهذا الاحتفاء والتفاعل المتزايد من القراء الكرام مع ما أكتب على وجه العموم ومع المقالات الثلاثة السابقة في هذه السلسلة (الثقافة والسلوك المجتمعي ) بالتحديد لم يكن عندي مجرد ثناء وتعليقات داعمة فحسب _ بل مثل عندي دليلاً قاطعاً على حيوية الأسئلة المثارة وشغف مجتمعنا بالبحث عن الرقي الأخلاقي والنضج المجتمعي – ومثل عندي كذلك استكمالاً لفكرة السلسلة بالانتقال بها من وجهة نظر فردية إلى حوار جماعي مثمر _ ودافعاً أكبر لمواصلة البحث والتفكير في أسئلة العمران والثقافة والسلوك .
وما يمنح هذا السجال عمقاً استثنائياً هو أن يتوافق مع رؤى القامات الأكاديمية والفكرية التي تزن الكلمات بميزان المنهج والخبرة .
وفي هذه المساحة يسعدني أن أنشر في هذا المقال تعليقاً نقدياً تحليلياً رفيعاً وردني حول المقال الثالث _ كتبه الأخ العزيز والصديق البروفيسور طارق الصادق عبدالسلام _ منسق الدراسات العليا بقسم الاجتماع بجامعة القصيم بالمملكة العربية السعودية _ ورئيس مركز البحوث الاجتماعية والدراسات الأسرية _ وأمين الشؤون العلمية بمجمع الفقه الإسلامي السابق بالسودان – والمفكر الذي قدم للمكتبة العربية عدداً من الكتب آخرها إصداره المرجعي (علم الاجتماع.. الاستخلاف العمراني السنني ، أسسه ونظرياته ومناهجه وقواعد النظم الاجتماعية )
_ وقد جاء في نص تعليقه ما يلي :
الأخ العزيز موفق
قرأت هذا المقال الثالث من سلسلة الثقافة والسلوك المجتمعي ، وأراه حتى الآن الأكثر إثارة للأسئلة ، ليس لأنه انتقل بنا من الشارع الواقعي إلى الفضاء الافتراضي فحسب ، وإنما لأنه وضع إصبعه على مسألة أعمق : ماذا يبقى من الثقافة حين تسقط الرقابة الخارجية؟
وأظن أن هذه هي النقطة التي تمنح السلسلة كلها قيمتها .
فالثقافة ، في معناها العميق لا تظهر فقط فيما يقوله الإنسان عندما يكون تحت نظر الآخرين ، وإنما تظهر بصورة أكثر صدقاً عندما يستطيع أن يفعل أو يقول ما يشاء دون أن يراه أحد ، ودون أن يدفع كلفة اجتماعية مباشرة .
ولهذا كان تشبيهك للفضاء الافتراضي بالشارع الرقمي تشبيهاً موفقاً ، فالإنسان لم يغادر المجال الاجتماعي عندما دخل إلى هاتفه ، وإنما انتقل إلى مجال اجتماعي جديد ، له قواعده وأدواته وسرعته وتأثيره ،
وربما يكون الفضاء الرقمي أكثر قدرة على كشف البنية الثقافية للفرد من الشارع التقليدي ، لأن الشارع تحكمه رقابة الأسرة والمجتمع والقانون ونظرات الآخرين ، بينما تمنح الشاشة قدراً أكبر من التخفي والمسافة ، فيصبح السؤال الحقيقي: هل يحمل الإنسان قيمَهُ معه ، أم أنه لا يمارسها إلا عندما تكون هناك عين تراقبه ؟
وهنا أتفق معك في أن القوانين وحدها لا تكفي لصناعة فضاء رقمي راقٍ .
والقانون يستطيع أن يعاقب على بعض صور التجاوز ، لكنه لا يستطيع أن يجعل الإنسان يمتنع عن الإساءة في كل لحظة ، ولا يستطيع أن يراقب ملايين التفاعلات ، ولا أن يصنع في داخل الفرد ذلك الصوت الذي يقول له : لا تفعل ، حتى وإن استطعت .
ومن هنا تصبح الثقافة أقرب إلى الرقابة الداخلية منها إلى مجرد المعرفة أو العادات .
فالإنسان المثقف بالمعنى العميق ليس هو الذي يعرف ماذا ينبغي أن يفعل فقط ، وإنما هو الذي أصبح ما يعرفه جزءاً من تكوينه السلوكي .
وأظن أن هذه نقطة تستحق أن تتوسع فيها في مقالات قادمة: هناك فرق بين أن تكون الثقافة معلومة في عقل الإنسان ، وأن تصبح قيمه في وجدانه ، ثم أن تتحول القيمة إلى سلوك مستقر . وبين المعرفة والسلوك مسافة كبيرة ، وهذه المسافة هي في تقديري واحدة من أخطر مشكلاتنا المعاصرة .
فالذي يعرف أن التنمر خطأ ثم يمارسه ، والذي يعرف حرمة التشهير ثم يعيد نشره ، والذي يتحدث عن احترام الآخر ثم يسحق مخالفه في الحوار ، لم تنقصه المعلومة ، وإنما لم تتحول المعلومة عنده إلى بناء قيمي ضابط للسلوك .
ومن هنا أعجبني انتقالك إلى مفهوم المواطنة الرقمية ، لكنني أظن أن المفهوم يمكن أن يأخذ مدى أوسع : المواطنة الرقمية ليست فقط كيف نستخدم التقنية، وإنما كيف نكون إنساناً صالحاً عندما نستخدمها.
وهذا يقودني إلى فكرة أرى أنها كامنة في مقالاتك الثلاث ، وربما تستحق أن تصبح هي السؤال الأكبر للسلسلة كلها :
هل نحن الذين نصنع المكان والثقافة ، أم أن المكان والثقافة يعيدان تشكيلنا ؟
فالشارع الجميل لا يعبر فقط عن ذوق مجتمع جميل ، وإنما يمكن أن يسهم هو نفسه في تهذيب السلوك. والفضاء الرقمي لا يعكس فقط أخلاق مستخدميه ، وإنما تستطيع خوارزمياته وآليات التفاعل فيه أن تعيد تشكيل أذواقهم وانفعالاتهم وطريقة تفكيرهم .
وهنا تصبح العلاقة دائرية : الثقافة تنتج السلوك ، والسلوك يعيد إنتاج الثقافة ، والبيئة المادية والرقمية تتدخل في هذه العملية فتدعم بعض القيم أو تضعفها .
وهذه في رأيي هي المنطقة الأكثر ثراءً في مشروعك .
ومن زاوية مشروعنا في علم الاجتماع الاستخلافي السنني ، يمكن أن نذهب بالفكرة خطوة أخرى .
نحن لا ننظر إلى الإنسان باعتباره مجرد مستهلك للثقافة أو متلقٍ سلبي للبيئة الاجتماعية ، وإنما باعتباره فاعلاً مستخلفاً ، وأن العمران الذي يصنعه الإنسان يعود فيؤثر في الإنسان نفسه .
وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى الشارع ، والمدينة ، والمؤسسة، ووسائل الإعلام ، والمنصة الرقمية ، كلها بوصفها أجزاءً من العمران الذي يصنعه الإنسان ثم يعيش داخله .
ومن هنا فالفضاء الرقمي ليس خارج العمران ، بل هو صورة جديدة من صوره .
وكما أن العمران المادي يمكن أن يكون عمراناً صالحاً أو عمراناً مفسداً ، فإن العمران الرقمي كذلك يمكن أن يكون مجالاً للتعارف والتعاون وإنتاج المعرفة والجمال ، أو أن يتحول إلى مجال للتنمر والتحريض والتضليل والاستقطاب وإهدار الكرامة الإنسانية .
وهنا يظهر مفهوم أعمق من السلوك الرقمي يمكن أن نسميه مؤقتاً العمران الرقمي : أي مجموع العلاقات والقيم والممارسات والقواعد والآثار التي ينتجها الإنسان في الفضاء الرقمي .
وفي هذه الحالة لا يعود السؤال فقط: كيف نحمي الناس من سوء استخدام التكنولوجيا ؟
بل يصبح السؤال:
أي إنسان نريد أن ننتج داخل هذا العمران الجديد ؟ وأي عمران نريد أن ينتج هذا الإنسان؟
وهذا هو موضع الالتقاء الحقيقي بين فكرتك ومشروعنا ، لأن الاستخلاف لا يعني فقط أن الإنسان يستخدم الأرض والموارد والتقنية ، وإنما يعني أن تكون ممارسته لها محكومة بمسؤولية أخلاقية وعمرانية ، وأن يتحول العلم والتقنية والثقافة إلى أدوات للبناء لا إلى وسائل لإفساد المجال الذي يعيش فيه الإنسان .
ولذلك ربما تكون الخلاصة الأبعد لمقالاتك الثلاث هي أن الثقافة ليست زينة اجتماعية، وإنما بنية تحتية للعمران .
فإذا صلحت الثقافة ، أمكن أن تنتج سلوكاً راقياً ، وإذا ارتقى السلوك أمكن أن ينتج عمران راقياً، وإذا كان العمران راقياً عاد بدوره ليغذي السلوك ويثبت القيمة.
أما إذا انفصلت التقنية عن الثقافة ، والقانون عن الضمير ، والعمران عن القيم ، فقد نبني مدناً ذكية ومنصات شديدة التطور ، لكننا قد نجد أنفسنا أمام إنسان أكثر قدرة على التأثير وأقل قدرة على ضبط نفسه .
وهنا بالتحديد تصبح عبارتك عن المرساة مهمة جداً ، لأن التحدي الحقيقي في العصر الرقمي ليس أن نمنع الإنسان من استخدام القوة التقنية، وإنما أن نبني فيه من الوعي والقيم ما يجعله جديراً باستخدامها .
وأخيراً أحييك على هذه السلسلة يا موفق ، وأسأل الله أن يجعلك موفقاً دوماً ، وأعتقد أنها يمكن أن تتجاوز الحديث عن الثقافة والسلوك المجتمعي إلى سؤال أكثر عمقاً : كيف نصنع ثقافة تنتج إنساناً صالحاً .
(انتهى تعليق البروفيسور)
والذي أتقدم له بالشكر وكامل التقدير والمحبة على ما أفاض وجمل به هذه المساحة بمثاقفة راقية وواعية وجزلة .
وأقول :
_ تضعنا قراءة البروفيسور طارق أمام المسار الحقيقي الذي يجب أن تتجه إليه بوصلتنا اليوم _ فالمسألة لم تعد مجرد توصيف للسلوك الرقمي أو تعقب لآليات التفاعل عبر الشاشات _ بل أضحت تتعلق بـ العمران الرقمي بأسره ومدى قدرته على صون كرامة الإنسان واستخلافه بالحق .
إن الانتقال من الثقافة كـ معلومة إلى الثقافة كـ بناء قيمي مجسد هو الخيط الناظم الذي يربط الشارع الواقعي بالمجال الافتراضي .
وحين يلتقي الوعي الفردي بالمشروع العمراني الرشيد حينها ننتقل من مجرد صياغة قوانين تضبط السلوك الخارجي ، إلى استزراع قيم تهيئ الإنسان ليكون صانعاً لجمال محيطه ومسؤولاً عنه .
ومن هذا المنطلق ستكون الإجابة عن سؤال _ كيف نصنع ثقافة تنتج إنساناً صالحاً ومستخلفاً ؟ هي المحور الركين الذي سنبني عليه أطروحاتنا القادمة بإذن الله .

المقالة السابقة

سلسلة مقالات الحرب على السودان (65)السودان بين الحوار الداخلي وضغوط الخارج: هل اقتربت الحرب من إعادة تشكيل المعادلة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *