_ أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن الكتابة والتفكير في الشأن الثقافي والمجتمعي تُعد محاولة مستمرة لبناء جسور من الوعي مع القراء الكرام _ غير أن هذه المحاولة لا تكتمل إلا حين تجد صداها لدى عقول تدرك كنه المكتوب وتتفاعل معه _ وهذا الاحتفاء والتفاعل المتزايد من القراء الكرام مع ما أكتب على وجه العموم ومع المقالات الثلاثة السابقة في هذه السلسلة (الثقافة والسلوك المجتمعي ) بالتحديد لم يكن عندي مجرد ثناء وتعليقات داعمة فحسب _ بل مثل عندي دليلاً قاطعاً على حيوية الأسئلة المثارة وشغف مجتمعنا بالبحث عن الرقي الأخلاقي والنضج المجتمعي – ومثل عندي كذلك استكمالاً لفكرة السلسلة بالانتقال بها من وجهة نظر فردية إلى حوار جماعي مثمر _ ودافعاً أكبر لمواصلة البحث والتفكير في أسئلة العمران والثقافة والسلوك .
وما يمنح هذا السجال عمقاً استثنائياً هو أن يتوافق مع رؤى القامات الأكاديمية والفكرية التي تزن الكلمات بميزان المنهج والخبرة .
وفي هذه المساحة يسعدني أن أنشر في هذا المقال تعليقاً نقدياً تحليلياً رفيعاً وردني حول المقال الثالث _ كتبه الأخ العزيز والصديق البروفيسور طارق الصادق عبدالسلام _ منسق الدراسات العليا بقسم الاجتماع بجامعة القصيم بالمملكة العربية السعودية _ ورئيس مركز البحوث الاجتماعية والدراسات الأسرية _ وأمين الشؤون العلمية بمجمع الفقه الإسلامي السابق بالسودان – والمفكر الذي قدم للمكتبة العربية عدداً من الكتب آخرها إصداره المرجعي (علم الاجتماع.. الاستخلاف العمراني السنني ، أسسه ونظرياته ومناهجه وقواعد النظم الاجتماعية )
_ وقد جاء في نص تعليقه ما يلي :
الأخ العزيز موفق
قرأت هذا المقال الثالث من سلسلة الثقافة والسلوك المجتمعي ، وأراه حتى الآن الأكثر إثارة للأسئلة ، ليس لأنه انتقل بنا من الشارع الواقعي إلى الفضاء الافتراضي فحسب ، وإنما لأنه وضع إصبعه على مسألة أعمق : ماذا يبقى من الثقافة حين تسقط الرقابة الخارجية؟
وأظن أن هذه هي النقطة التي تمنح السلسلة كلها قيمتها .
فالثقافة ، في معناها العميق لا تظهر فقط فيما يقوله الإنسان عندما يكون تحت نظر الآخرين ، وإنما تظهر بصورة أكثر صدقاً عندما يستطيع أن يفعل أو يقول ما يشاء دون أن يراه أحد ، ودون أن يدفع كلفة اجتماعية مباشرة .
ولهذا كان تشبيهك للفضاء الافتراضي بالشارع الرقمي تشبيهاً موفقاً ، فالإنسان لم يغادر المجال الاجتماعي عندما دخل إلى هاتفه ، وإنما انتقل إلى مجال اجتماعي جديد ، له قواعده وأدواته وسرعته وتأثيره ،
وربما يكون الفضاء الرقمي أكثر قدرة على كشف البنية الثقافية للفرد من الشارع التقليدي ، لأن الشارع تحكمه رقابة الأسرة والمجتمع والقانون ونظرات الآخرين ، بينما تمنح الشاشة قدراً أكبر من التخفي والمسافة ، فيصبح السؤال الحقيقي: هل يحمل الإنسان قيمَهُ معه ، أم أنه لا يمارسها إلا عندما تكون هناك عين تراقبه ؟
وهنا أتفق معك في أن القوانين وحدها لا تكفي لصناعة فضاء رقمي راقٍ .
والقانون يستطيع أن يعاقب على بعض صور التجاوز ، لكنه لا يستطيع أن يجعل الإنسان يمتنع عن الإساءة في كل لحظة ، ولا يستطيع أن يراقب ملايين التفاعلات ، ولا أن يصنع في داخل الفرد ذلك الصوت الذي يقول له : لا تفعل ، حتى وإن استطعت .
ومن هنا تصبح الثقافة أقرب إلى الرقابة الداخلية منها إلى مجرد المعرفة أو العادات .
فالإنسان المثقف بالمعنى العميق ليس هو الذي يعرف ماذا ينبغي أن يفعل فقط ، وإنما هو الذي أصبح ما يعرفه جزءاً من تكوينه السلوكي .
وأظن أن هذه نقطة تستحق أن تتوسع فيها في مقالات قادمة: هناك فرق بين أن تكون الثقافة معلومة في عقل الإنسان ، وأن تصبح قيمه في وجدانه ، ثم أن تتحول القيمة إلى سلوك مستقر . وبين المعرفة والسلوك مسافة كبيرة ، وهذه المسافة هي في تقديري واحدة من أخطر مشكلاتنا المعاصرة .
فالذي يعرف أن التنمر خطأ ثم يمارسه ، والذي يعرف حرمة التشهير ثم يعيد نشره ، والذي يتحدث عن احترام الآخر ثم يسحق مخالفه في الحوار ، لم تنقصه المعلومة ، وإنما لم تتحول المعلومة عنده إلى بناء قيمي ضابط للسلوك .
ومن هنا أعجبني انتقالك إلى مفهوم المواطنة الرقمية ، لكنني أظن أن المفهوم يمكن أن يأخذ مدى أوسع : المواطنة الرقمية ليست فقط كيف نستخدم التقنية، وإنما كيف نكون إنساناً صالحاً عندما نستخدمها.
وهذا يقودني إلى فكرة أرى أنها كامنة في مقالاتك الثلاث ، وربما تستحق أن تصبح هي السؤال الأكبر للسلسلة كلها :
هل نحن الذين نصنع المكان والثقافة ، أم أن المكان والثقافة يعيدان تشكيلنا ؟
فالشارع الجميل لا يعبر فقط عن ذوق مجتمع جميل ، وإنما يمكن أن يسهم هو نفسه في تهذيب السلوك. والفضاء الرقمي لا يعكس فقط أخلاق مستخدميه ، وإنما تستطيع خوارزمياته وآليات التفاعل فيه أن تعيد تشكيل أذواقهم وانفعالاتهم وطريقة تفكيرهم .
وهنا تصبح العلاقة دائرية : الثقافة تنتج السلوك ، والسلوك يعيد إنتاج الثقافة ، والبيئة المادية والرقمية تتدخل في هذه العملية فتدعم بعض القيم أو تضعفها .
وهذه في رأيي هي المنطقة الأكثر ثراءً في مشروعك .
ومن زاوية مشروعنا في علم الاجتماع الاستخلافي السنني ، يمكن أن نذهب بالفكرة خطوة أخرى .
نحن لا ننظر إلى الإنسان باعتباره مجرد مستهلك للثقافة أو متلقٍ سلبي للبيئة الاجتماعية ، وإنما باعتباره فاعلاً مستخلفاً ، وأن العمران الذي يصنعه الإنسان يعود فيؤثر في الإنسان نفسه .
وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى الشارع ، والمدينة ، والمؤسسة، ووسائل الإعلام ، والمنصة الرقمية ، كلها بوصفها أجزاءً من العمران الذي يصنعه الإنسان ثم يعيش داخله .
ومن هنا فالفضاء الرقمي ليس خارج العمران ، بل هو صورة جديدة من صوره .
وكما أن العمران المادي يمكن أن يكون عمراناً صالحاً أو عمراناً مفسداً ، فإن العمران الرقمي كذلك يمكن أن يكون مجالاً للتعارف والتعاون وإنتاج المعرفة والجمال ، أو أن يتحول إلى مجال للتنمر والتحريض والتضليل والاستقطاب وإهدار الكرامة الإنسانية .
وهنا يظهر مفهوم أعمق من السلوك الرقمي يمكن أن نسميه مؤقتاً العمران الرقمي : أي مجموع العلاقات والقيم والممارسات والقواعد والآثار التي ينتجها الإنسان في الفضاء الرقمي .
وفي هذه الحالة لا يعود السؤال فقط: كيف نحمي الناس من سوء استخدام التكنولوجيا ؟
بل يصبح السؤال:
أي إنسان نريد أن ننتج داخل هذا العمران الجديد ؟ وأي عمران نريد أن ينتج هذا الإنسان؟
وهذا هو موضع الالتقاء الحقيقي بين فكرتك ومشروعنا ، لأن الاستخلاف لا يعني فقط أن الإنسان يستخدم الأرض والموارد والتقنية ، وإنما يعني أن تكون ممارسته لها محكومة بمسؤولية أخلاقية وعمرانية ، وأن يتحول العلم والتقنية والثقافة إلى أدوات للبناء لا إلى وسائل لإفساد المجال الذي يعيش فيه الإنسان .
ولذلك ربما تكون الخلاصة الأبعد لمقالاتك الثلاث هي أن الثقافة ليست زينة اجتماعية، وإنما بنية تحتية للعمران .
فإذا صلحت الثقافة ، أمكن أن تنتج سلوكاً راقياً ، وإذا ارتقى السلوك أمكن أن ينتج عمران راقياً، وإذا كان العمران راقياً عاد بدوره ليغذي السلوك ويثبت القيمة.
أما إذا انفصلت التقنية عن الثقافة ، والقانون عن الضمير ، والعمران عن القيم ، فقد نبني مدناً ذكية ومنصات شديدة التطور ، لكننا قد نجد أنفسنا أمام إنسان أكثر قدرة على التأثير وأقل قدرة على ضبط نفسه .
وهنا بالتحديد تصبح عبارتك عن المرساة مهمة جداً ، لأن التحدي الحقيقي في العصر الرقمي ليس أن نمنع الإنسان من استخدام القوة التقنية، وإنما أن نبني فيه من الوعي والقيم ما يجعله جديراً باستخدامها .
وأخيراً أحييك على هذه السلسلة يا موفق ، وأسأل الله أن يجعلك موفقاً دوماً ، وأعتقد أنها يمكن أن تتجاوز الحديث عن الثقافة والسلوك المجتمعي إلى سؤال أكثر عمقاً : كيف نصنع ثقافة تنتج إنساناً صالحاً .
(انتهى تعليق البروفيسور)
والذي أتقدم له بالشكر وكامل التقدير والمحبة على ما أفاض وجمل به هذه المساحة بمثاقفة راقية وواعية وجزلة .
وأقول :
_ تضعنا قراءة البروفيسور طارق أمام المسار الحقيقي الذي يجب أن تتجه إليه بوصلتنا اليوم _ فالمسألة لم تعد مجرد توصيف للسلوك الرقمي أو تعقب لآليات التفاعل عبر الشاشات _ بل أضحت تتعلق بـ العمران الرقمي بأسره ومدى قدرته على صون كرامة الإنسان واستخلافه بالحق .
إن الانتقال من الثقافة كـ معلومة إلى الثقافة كـ بناء قيمي مجسد هو الخيط الناظم الذي يربط الشارع الواقعي بالمجال الافتراضي .
وحين يلتقي الوعي الفردي بالمشروع العمراني الرشيد حينها ننتقل من مجرد صياغة قوانين تضبط السلوك الخارجي ، إلى استزراع قيم تهيئ الإنسان ليكون صانعاً لجمال محيطه ومسؤولاً عنه .
ومن هذا المنطلق ستكون الإجابة عن سؤال _ كيف نصنع ثقافة تنتج إنساناً صالحاً ومستخلفاً ؟ هي المحور الركين الذي سنبني عليه أطروحاتنا القادمة بإذن الله .


