Popular Now

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي (4) وقفة مع تعليق وقراءة البروفيسور طارق الصادق عبدالسلام على مقالي السابق .. موفق عبدالرحمن

سلسلة مقالات الحرب على السودان (65)السودان بين الحوار الداخلي وضغوط الخارج: هل اقتربت الحرب من إعادة تشكيل المعادلة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

السودان وإفريقيا بعد الحرب: من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

عن «عقلية المؤقت».. وضريبة التغرب، وأين يكمن الاستثمار الحقيقي؟ .. محمد الخاتم تميم

وصلتني مؤخراً رسالة وقراءة تأملية كريمة من أخي وابن عمتي، البروفيسور مكي الطيب، أستاذ الفيزياء بجامعة الجزيرة ومؤسس مدارس مكي الطيب بالجزيرة.

وقد اضطرته ــ مثل كثير من قاماتنا العلمية والتربوية ــ ظروف الحرب القاسية إلى النزوح والهجرة إلى الخارج مع أطفاله، منتظراً فرصة الاستقرار، وحاملاً معه حلم العودة والمساهمة في إعادة البناء.

أعادتني رسالته إلى شريط طويل من الذكريات والمراجعات الذاتية حول تجربة التغرب والهجرة، وإلى سنوات ممتدة عشتها في بيئات أكاديمية ومهنية مختلفة.

ومن هذا الواقع، أشارككم بعض الإضاءات؛ لعلها تفيد شاباً يفكر في السفر، أو أكاديمياً يرسم خارطة مستقبله.

أولاً: ليس كل راتب كبير ثروة، وليس كل راتب متواضع فقراً.

في المنظومة الغربية، كإنجلترا مثلاً، ليست المسألة بالضرورة طريقاً لجمع الثروة المادية. الضرائب مرتفعة، وتكاليف المعيشة عالية، والراتب الأكاديمي قد ينتهي به الأمر إلى تغطية الاحتياجات الأساسية أكثر مما يصنع ثروة.

لكن المقابل شيء آخر: نظام واضح، وخبرة عملية وبحثية، وتعليم جيد، ومنظومة خدمية وقانونية توفر للفرد والأسرة قدراً من الاستقرار والحماية، وهو أمر تزداد قيمته خصوصاً عندما تكون لدى الأسرة احتياجات تعليمية أو صحية خاصة.

أما الخليج، فيمكن أن يكون خياراً مختلفاً تماماً لمن كان هدفه الأساسي بناء قاعدة مالية. الإعفاءات الضريبية، وبدلات السكن، وتذاكر السفر، وغيرها من المزايا، قد تتيح للإنسان فرصة جيدة للادخار وتكوين رأس مال وتأمين مستقبله.

وفي الوطن، كالسودان، ظل الراتب الأكاديمي والجامعي لسنوات طويلة أقل بكثير من أن يوفر للأكاديمي مستوى الحياة الذي يتناسب مع مكانته العلمية والاجتماعية؛ ولذلك كان كثير من الأكاديميين يجمعون بين التدريس والعمل المهني والميداني، وربما العمل الخاص، لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار.

ثانياً: العلم قيمة، والمال وسيلة.

إذا كنت ذاهباً إلى الغرب، فاذهب من أجل المعرفة والخبرة وبناء الإنسان والأثر.

وإذا كانت أولويتك الاستقرار المالي وتكوين رأس المال، فاختر البيئة التي تساعدك على ذلك.

فالعلم والخبرة والشهادة المرموقة تفتح الأبواب، وتمنح الإنسان قيمة مهنية واحتراماً لذاته، بينما المال ــ مهما كثر ــ يظل وسيلة تتناقص أمام الفواتير والالتزامات وتغير الظروف.

لكن هناك درساً أعمق من كل ذلك: فخ «المؤقت».

أعتقد أن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المغترب أن يعيش سنواته كلها بذهنية:

«أنا هنا مؤقتاً.. سأعود قريباً.»

ثم تمر خمس سنوات، فعشر، فعشرون.

وخلال ذلك يظل الإنسان عالقاً في منطقة وسطى؛ لا هو استثمر في المكان الذي يعيش فيه، ولا هو بنى في وطنه ما يكفي ليكون مشروع عودة حقيقياً.

لا بيت مستقر بالقدر الكافي، ولا استثمار جاد، ولا اندماج مهني كامل، ولا تخطيط طويل المدى للأسرة والأبناء؛ لأن كل شيء مؤجل إلى ذلك اليوم الذي سيعود فيه.

ثم تأتي الأقدار بما لم يكن في الحسبان.

حرب، أو اضطراب، أو تغير سياسي، أو ظروف أسرية، أو مجرد مرور العمر.

وفجأة يصبح ذلك «المؤقت» هو واقعاً امتد لعقود، بينما لم يعد خيار العودة بالسهولة التي تخيلناها يوماً.

وهنا تكون ضريبة عقلية المؤقت قد أصبحت باهظة.

💡 لذلك، نصيحتي لكل شاب أو أكاديمي في بداية طريقه:

إذا وطئت قدماك أرضاً جديدة، فعِش فيها بعقلية الاستقرار، حتى لو كانت نيتك أن تعود يوماً.

ابنِ نفسك مهنياً.

اسكن كما لو أنك مستقر.

استثمر كما لو أن السنوات القادمة مهمة.

اندمج في المجتمع والنظام من حولك.

وابنِ لأبنائك أساساً لا يتوقف على احتمال عودة قد تأتي، وقد تتأخر، وقد لا تأتي بالطريقة التي تتصورها.

هذا لا يعني أن تنسى وطنك، ولا أن تتخلى عن حلم العودة.

بل يعني أن تعيش حاضرك كاملاً، وألا تجعل مستقبلك رهينة لظرف لم يأتِ بعد.

فالاستثمار الحقيقي ليس دائماً في العقار أو الحساب البنكي.

أحياناً يكون الاستثمار الحقيقي في العلم، والخبرة، والأسرة، والاستقرار، وبناء الإنسان.

وإذا جاءت لحظة العودة يوماً، عدْ وأنت تحمل معك ما بنيته في سنوات الغربة، لا سنوات ضاعت وأنت تنتظر العودة.

المقالة السابقة

من أين يستمد البرهان تفويضه؟ حين يراد إسقاط شرعية الدولة باسم البحث عن الشرعية .. المستشار هشام محمود سليمان

المقالة التالية

السودان وإفريقيا بعد الحرب: من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *