قرأت مقال السفير الصادق المقلي بعنوان ( من أين تستمد اللجنة تفويضها والصلاحيات الكاملة والشرعية السياسية؟ ) وهو سؤال يبدو في ظاهره قانونيا وسياسيا لكنه في جوهره يقوم على خلط بين أمرين مختلفين صلاحية السلطة القائمة في إنشاء آلية للحوار والشرعية النهائية التي ستنتج عن الحوار ومخرجاته السؤال الأول الذي يجب أن يطرح قبل سؤال ( من فوّض اللجنة؟ ) هو من الذي يملك أصلا سلطة إنشاء لجنة للحوار الوطني؟ الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليس شخصا عاديا في المشهد السوداني حتى يقال إن تفويضه للجنة لا يعدو أن يكون تفويضا شخصيا من أحد أطراف الأزمة فهو بحكم موقعه الدستوري والسيادي وبصفته القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة يمثل إحدى مؤسسات الدولة القائمة كما أن سلطاته لا تستمد فقط من شخصه وإنما من الموقع الذي يشغله والقوانين المنظمة له والأهم من ذلك أن قانون القوات المسلحة لا ينظر إلى القائد العام باعتباره مجرد قائد ميداني للجنود وإنما يرتب له اختصاصات وسلطات تتصل بحماية الدولة وأمنها واستقرارها في إطار المنظومة الدستورية والقانونية القائمة ثم إن السؤال عن ( التفويض الشعبي ) لا ينبغي أن يُستخدم بصورة انتقائية فالبرهان لم يصنع وجوده السياسي من فراغ ولم يأت إلى موقع القيادة باعتباره فردا اختار نفسه وقد ظل طوال هذه الحرب قائدا عاما للقوات المسلحة في مواجهة تمرد مسلح استهدف مؤسسات الدولة وتكون حول القوات المسلحة وقيادتها التفاف شعبي واسع تجلى في مواقف قطاعات كبيرة من السودانيين التي رأت في الجيش مؤسسة الدولة الوطنية في مواجهة الانهيار والحرب وهنا ينبغي أن نفرق بين التفويض القانوني والتأييد الشعبي التفويض القانوني مصدره النصوص والاختصاصات الدستورية والقانونية أما التأييد الشعبي فهو عنصر من عناصر الشرعية السياسية ولا يجوز إسقاط الأول بحجة أن الثاني ليس إجماعا وطنيا كاملا لأن الديمقراطية نفسها لا تقوم على الإجماع المطلق أما القول إن البرهان لا يملك تفويضا لأنه ( طرف في الأزمة ) فهو منطق يفضي إلى نتيجة عبثية إذا كانت كل سلطة قائمة طرفا في الأزمة فمن الذي سيقوم بإدارة الدولة؟ ومن الذي يملك صلاحية إصدار القرارات المتعلقة بالحوار والسلام والمؤسسات؟ إن وجود حرب لا يعني سقوط الدولة ووجود خصوم سياسيين لا يعني سقوط المؤسسات وكون القائد العام طرفا في النزاع العسكري لا يعني تجريده تلقائيا من كل سلطاته القانونية بل إن العكس هو الصحيح في ظروف الحرب تصبح المحافظة على مؤسسات الدولة واستمرارها الدستوري والقانوني أكثر ضرورة لا أقل أما اللجنة فإن التفويض الممنوح لها ينبغي فهمه في سياق المهمة التي أُنشئت من أجلها فإذا كان المقصود أنها تملك ( الصلاحية الكاملة ) في إدارة عملية الحوار فهذه صلاحية تفويضية تستمد مصدرها من الجهة التي أنشأتها أما إذا أريد بهذه العبارة أنها تملك سلطة فوق الدولة أو فوق الشعب أو فوق أي تسوية سياسية لاحقة فهنا يمكن الاعتراض وهذا هو الفارق الذي أغفله المقال اللجنة لا تحتاج إلى أن تنتخبها كل القوى السياسية حتى تكون لجنة رسمية كما أن تشكيل لجنة حكومية لا يعني أنها أصبحت حكومة منتخبة الخلط بين الأمرين هو الذي يصنع الأزمة الوهمية أما القول إن ( الشرعية السياسية لا تمنح بعبارة في خطاب ) فانا نتفق معه تماما لكنها كذلك لا تسقط بعبارة في مقال الشرعية السياسية في السودان اليوم ليست صفحة بيضاء يمكن لأي طرف أن يدعي احتكارها هناك مؤسسات قائمة وهناك جيش وهناك قيادة للدولة وهناك واقع دستوري وسياسي وهناك شعب يخوض حربا وهناك قوى سياسية ومدنية ومجتمعية متعددة ولذلك فإن الحديث عن الشرعية يجب أن يكون واقعيا لا مثاليا
ثم إن الحوار الوطني بطبيعته لا يستمد شرعيته من أن جميع المتحاورين وافقوا مسبقا على اللجنة وإلا فما الحاجة إلى الحوار أصلا؟ الحوار هو الوسيلة التي يبحث من خلالها عن التوافق وليس التوافق شرطا سابقا لإنشاء وسيلة الحوار
وهنا تتهاوى الحجة المركزية في المقال
فإذا كان البرهان قد أنشأ لجنة لتقريب السودانيين من بعضهم فليس معنى ذلك أنه منحها سلطة فوق الشعب وإذا فوضها بإدارة مسار الحوار فليس معنى ذلك أنها أصبحت صاحبة السيادة وإذا منحها صلاحيات واسعة لإنجاز مهمتها فليس معنى ذلك أن مخرجاتها لا تحتاج إلى اعتماد سياسي ودستوري أما عبارة ( الحق الحصري ) فإن كانت تعني أن اللجنة هي الجهة المكلفة حصرا بتيسير هذا المسار الذي أنشأته القيادة فهذا لا يمثل اغتصابا لحق الشعب وإنما تنظيما للاختصاص ومنعا لتعدد المنابر المتناقضة المشكلة الحقيقية ليست في أن نسأل ( من فوّض اللجنة؟ ) فهذا سؤال مشروع
لكن السؤال الأهم هو هل نريد دولة لها مؤسسات وصلاحيات أم نريد أن تصبح كل مؤسسة عاجزة عن اتخاذ قرار حتى تحصل أولا على موافقة جميع خصومها؟
إذا قبلنا بهذا المنطق فلن تبقى سلطة قادرة على إدارة الدولة في زمن الحرب إن البرهان سواء اتفقنا معه أو اختلفنا لا يستمد سلطته من شخصه وإنما من الموقع الذي يشغله ومن القوانين المنظمة لمؤسسات الدولة ومن صفته قائدا عاما للقوات المسلحة ومن موقعه في رأس مؤسسة السيادة فضلا عن التأييد الشعبي الواسع الذي أحاط بالقوات المسلحة وقيادتها خلال الحرب وهذا لا يعني أن البرهان يملك تفويضا أبديا أو شيكا على بياضبل يعني شيئاً أبسط وأدق
له أن ينشئ لجنة ويفوضها في حدود اختصاصه لكن ليس له ولا للجنة أن يستبدلا الإرادة الوطنية النهائية
وهذه نقطة جوهرية لأن الاعتراف بصلاحية إنشاء اللجنة لا يعني منحها سلطة تأسيسية مطلقة فالحوار يقود إلى التوافق والتوافق يقود إلى الترتيبات السياسية وهذه الترتيبات لا تصبح شرعية نهائية إلا عبر الآليات الدستورية والسياسية التي يقرها السودانيون
إذن، بدلا من تصوير الأمر وكأن البرهان منح اللجنة شرعية لا يملكها علينا أن نسأل السؤال الصحيح هل تجاوزت اللجنة حدود التفويض الممنوح لها؟ هذا هو السؤال القانوني الحقيقي أما مجرد إنشاء اللجنة وتفويضها فليس في ذاته اغتصابا للشرعية ولا خروجا على القانون والأخطر من ذلك أن تحويل كل خطوة تتخذها مؤسسات الدولة إلى سؤال عن ( من فوّضكم؟ ) قد ينتهي بنا إلى نتيجة خطيرة إسقاط الدولة نفسها بحجة الدفاع عن شرعيتها
نحن نحتاج إلى مساءلة السلطة نعم
ونحتاج إلى نقد اللجنة نعم ونحتاج إلى ضمان تمثيل الشباب والنساء والقوى المدنية والمجتمعية نعم لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى أن نعرف الفرق بين نقد السلطة وإلغاء السلطة وبين مراقبة التفويض وإنكار مصدره وبين البحث عن التوافق وتحويل التوافق إلى شرط لتعطيل الدولة فالشرعية لا تعني أن يتفق الجميع معك والتفويض لا يعني أن يبايعك الجميع
والحوار لا يعني أن يتخلى صاحب الاختصاص عن اختصاصه والسؤال عن مصدر سلطة اللجنة مشروع لكن السؤال عن مصدر سلطة من أنشأ اللجنة يجب ألا يكون أقل مشروعية ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست مع لجنة الحوار وإنما مع أي محاولة لتحويل الخلاف السياسي إلى فراغ دستوري أو تحويل الحرب إلى ذريعة لإلغاء مؤسسات الدولة أو تحويل مفهوم ( التوافق ) إلى حق فيتو يمنح لكل طرف القدرة على تعطيل أي مبادرة وطنية
نريد حوارا واسعا نعم نريد مشاركة الجميع نعم نريد لجنة مستقلة ونزيهة نعم
لكننا نريد أيضا دولة تعرف من يملك الاختصاص ومن يمنح التفويض ومن يحاسب صاحب التفويض وأين تنتهي صلاحية اللجنة وأين تبدأ سلطة الشعب
فالشرعية ليست أن نسأل فقط من فوّض اللجنة؟ بل أن نسأل أيضا من يملك وفق القانون حق تفويضها؟ وعندما نجيب عن السؤال الثاني يصبح كثير من الجدل حول السؤال الأول أقل ضجيجا وأكثر وضوحا
من أين يستمد البرهان تفويضه؟ حين يراد إسقاط شرعية الدولة باسم البحث عن الشرعية .. المستشار هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


