مقدمة:
السودان أمام لحظة سياسية وعسكرية مختلفة دخلت الحرب السودانية مرحلة أكثر تعقيداً؛ فلم يعد المشهد محصوراً في خطوط القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما أصبح السودان ساحة تتقاطع فيها الحرب العسكرية، والدبلوماسية الدولية، والصراع الإقليمي، والضغوط الاقتصادية، ومحاولات إعادة تشكيل المسار السياسي.
وفي المقابل، يبرز تطور مهم يتمثل في عودة الحوار السوداني–السوداني إلى واجهة المشهد، بالتزامن مع تحركات للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية، ووصول المبعوث الأممي إلى الخرطوم، واتصالات إفريقية مباشرة مع قيادة الدولة. وقد وصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، إلى الخرطوم لإجراء مشاورات بشأن وقف التصعيد وحماية المدنيين. �
Sudan Tribune
لكن السؤال الأهم ليس: هل سيبدأ الحوار؟
بل:
أي حوار؟ ومن يملك شروطه؟ ومن يحدد أطرافه؟ وهل يستطيع أن يكون سودانياً فعلاً، أم سيظل جزءاً من صراع المحاور الدولية والإقليمية؟
أولاً: الحوار السوداني–السوداني يدخل مرحلة الاختبار الحقيقي
التحرك الجديد للحوار يمثل في ذاته تطوراً مهماً، خصوصاً مع ترحيب الاتحاد الإفريقي بالمبادرة، واتصالات قياداته برئيس مجلس السيادة، إلى جانب التحرك الأممي.
لكن ردود الفعل السودانية كشفت منذ البداية عن انقسام عميق حول مفهوم الحوار نفسه.
فالقوى المؤيدة للحوار ترى أن استمرار الحرب لن يؤدي إلى حسم سريع، وأن البلاد تحتاج إلى مسار سياسي يعيد بناء الدولة ويهيئ لمرحلة ما بعد الحرب.
أما القوى الرافضة للمبادرة فتخشى أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج النخب السياسية نفسها، أو إلى مدخل لمنح شرعية سياسية لقوى أو أطراف مرتبطة بالحرب.
وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في اعتراض تحالف «صمود» على ترحيب الاتحاد الإفريقي بالمبادرة التي طرحتها السلطات السودانية، في حين أن الاتحاد الإفريقي يرى أن الحوار الداخلي يمكن أن يمثل مدخلاً لمعالجة الأزمة. �
The National +١
وهنا تكمن القضية الجوهرية:
الحوار الناجح لا ينبغي أن يكون حواراً بين النخب فقط، ولا حواراً بين أطراف الحرب فقط، ولا حواراً تصنعه العواصم الخارجية.
بل يجب أن يكون حواراً حول:
مستقبل الدولة السودانية.
وحدة السودان وسيادته.
إنهاء الحرب.
إعادة بناء القوات النظامية والمؤسسات.
العدالة والمحاسبة.
عودة النازحين واللاجئين.
إعادة الإعمار.
الانتقال السياسي.
العلاقة بين المركز والأقاليم.
معالجة جذور النزاعات التاريخية.
ثانياً: هافيستو في الخرطوم… الأمم المتحدة تعود من بوابة الحوار
وصول المبعوث الأممي إلى الخرطوم في هذه اللحظة يحمل دلالة مهمة.
فالأمم المتحدة تدرك أن استمرار الحرب يعني اتساع الكارثة الإنسانية، ولذلك تحاول إعادة فتح نافذة سياسية بالتوازي مع الضغوط الإنسانية.
لكن نجاح المسار الأممي سيظل مرتبطاً بقدرته على التعامل مع الواقع السوداني كما هو، وليس كما تريد بعض العواصم أن يكون.
فالوساطة التي تتجاهل موازين القوى الداخلية، أو تتعامل مع الدولة والميليشيا باعتبارهما طرفين متطابقين، ستواجه صعوبة كبيرة في اكتساب الثقة السودانية.
وفي المقابل، فإن أي عملية سياسية لا تتعامل مع قضايا المدنيين والانتهاكات والعدالة ستكون معرضة للفشل.
ثالثاً: مناوي… الرسائل السياسية خلف التصريحات الجديدة
التصريحات الإيجابية التي صدرت من حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بشأن الحوار تحمل أهمية خاصة.
فدارفور هي واحدة من أكثر المناطق تأثراً بالحرب، وبالتالي فإن موقف القوى المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة سيكون مؤثراً في أي تسوية قادمة.
والرسالة الأهم هنا أن الحوار المقبل ينبغي ألا يكون محصوراً في الخرطوم والنخب المركزية.
السودان بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها.
لقد تغيرت الخريطة السياسية والاجتماعية والأمنية، وأصبحت الأقاليم، والقوى المسلحة، والمجتمعات المحلية، والشباب، والنازحون، والقوى المدنية الحقيقية، جميعها أطرافاً لا يمكن تجاوزها.
ومن هنا يمكن فهم تصريحات مناوي باعتبارها دعوة إلى حوار أكثر شمولاً، وليس مجرد تسوية بين النخب السياسية.
رابعاً: الحرب تنتقل إلى جبهة النيل الأزرق
في الوقت الذي تتحرك فيه الدبلوماسية، يتصاعد القتال في الميدان.
ويبدو أن النيل الأزرق أصبح إحدى أخطر الجبهات الجديدة في الحرب.
فخلال الأيام الأخيرة اندلعت مواجهات عنيفة بين القوات المسلحة السودانية وتحالف يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال، مع تهديدات بالتقدم باتجاه الدمازين.
وأفادت تقارير بأن القوات الحكومية تمكنت من صد هجمات في منطقة الكرمك وتدمير عدد من المركبات القتالية، بينما وصلت تعزيزات إلى الدمازين. كما تحدثت المصادر العسكرية عن اعتراض مسيّرات هجومية استهدفت المنطقة. �
Sudan Tribune
وهذه الجبهة ليست عسكرية فقط.
إنها ذات أهمية استراتيجية بسبب:
أولاً: قربها من الحدود الإثيوبية.
ثانياً: اتصالها بجنوب السودان.
ثالثاً: قرب بعض مناطق القتال من منطقة سد النهضة.
رابعاً: إمكانية استخدامها كجسر لفتح محور جديد ضد العمق السوداني.
ولهذا فإن معركة النيل الأزرق قد تكون واحدة من أهم معارك المرحلة المقبلة.
خامساً: لماذا النيل الأزرق مهم في الحسابات الإقليمية؟
إذا توسعت الحرب في النيل الأزرق، فإن السودان سيكون أمام سيناريو شديد الخطورة:
دارفور غرباً + كردفان وسطاً + النيل الأزرق جنوباً شرقياً.
أي محاولة لتثبيت جبهات متعددة في هذه المناطق قد تؤدي إلى استنزاف القوات الحكومية وتشتيت الموارد العسكرية.
والأخطر أن النيل الأزرق يقع على تماس مباشر مع البيئة الأمنية الإثيوبية.
وهذا يجعل الحرب السودانية أكثر ارتباطاً بالتوازنات في القرن الإفريقي.
وتشير تقارير حديثة إلى تصاعد القتال قرب الحدود الإثيوبية، في الوقت الذي تتهم فيه الخرطوم أطرافاً إقليمية بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، بينما تنفي إثيوبيا هذه الاتهامات. كما أن تقارير أممية وإعلامية تحدثت عن شبكات خارجية تنقل السلاح والمرتزقة والمسيّرات إلى أطراف النزاع. �
Reuters +١
سادساً: التقرير الأممي الجديد… الحرب لم تعد سودانية خالصة
من أخطر التطورات السياسية في المرحلة الحالية ما كشفته التقارير الدولية عن حجم التدخل الخارجي في الحرب.
فالتقرير الأخير لبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة يتحدث عن شبكات خارجية توفر السلاح والمسيّرات والكوادر العسكرية، ويشير إلى أدوار مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا وكولومبيا وغيرها، مع استمرار التحقيقات بشأن مصادر الدعم الخارجي للطرفين. �
Reuters +١
وهذه نقطة بالغة الأهمية.
فالحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة.
إنها أصبحت حرباً تتداخل فيها:
القوة المحلية + التمويل الخارجي + السلاح الأجنبي + المرتزقة + الطائرات المسيّرة + الحدود المفتوحة + المصالح الاقتصادية.
وهذا يفسر جزئياً لماذا طال أمد الحرب رغم كل المبادرات السياسية.
سابعاً: الإمارات أمام ضغط متزايد… ولكن بين الاتهام والإثبات
الإمارات تنفي دعمها العسكري لأي طرف في الحرب السودانية.
لكن الاتهامات الموجهة إليها لم تعد صادرة من مصدر واحد.
فمنظمات حقوقية دولية، وتقارير إعلامية، وتحقيقات صحفية، وتقارير أممية، تناولت بصورة متكررة مسألة الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع وشبكات نقل السلاح والمرتزقة.
ومن أبرز ذلك تقرير هيومن رايتس ووتش الذي تناول دور الإمارات في نشر مقاتلين كولومبيين ودعم قوات الدعم السريع، إضافة إلى ملفات السلاح والدعم اللوجستي. �
مراقبة حقوق الإنسان
كما كشفت تحقيقات رويترز أن طائرات بوينغ مرتبطة بشبكات تجارية نقلت مقاتلين ومرتزقة وأسلحة ومسيّرات لصالح الدعم السريع، وهو ما وجد خبراء أمميون أدلة عليه في مسودة تقرير. �
Reuters
وهنا يجب التفريق علمياً بين:
الاتهام السياسي،
والقرائن والتحقيقات،
والإثبات القانوني أمام القضاء الدولي.
وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول الملف السوداني إلى حرب إعلامية بلا نهاية.
ثامناً: نيويورك تايمز والأسلحة الكيميائية… أخطر ملف في الحرب
من أكثر الملفات حساسية الآن قضية الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية.
فقد نشرت تقارير حديثة، استناداً إلى معلومات ووثائق قالت إنها حصلت عليها، مزاعم عن إنتاج واستخدام ذخائر كيميائية من جانب القوات المسلحة السودانية.
كما تحدثت التقارير عن مواد استخباراتية وصور ووثائق واتصالات اعترضتها جهات استخباراتية، وربطت بينها وبين إنتاج ذخائر تعتمد على الكلور. �
The National
لكن هذه القضية يجب التعامل معها بمنتهى الحذر.
فالولايات المتحدة كانت قد أعلنت سابقاً أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وهو ما نفته القوات المسلحة السودانية. �
Reuters
ومن هنا فإن السؤال ليس:
هل نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً؟
بل:
هل توجد أدلة قابلة للتحقق ومستقلة تكفي لإثبات استخدام السلاح الكيميائي وفق المعايير الدولية؟
وهذا يحتاج إلى تحقيق فني مستقل، وليس إلى الاعتماد على التسريبات أو المصادر الاستخباراتية وحدها.
تاسعاً: لماذا أصبحت قضية الكيميائي جزءاً من الصراع السياسي؟
هناك احتمال كبير أن تتحول قضية الأسلحة الكيميائية إلى أداة ضغط سياسي ودبلوماسي على الحكومة السودانية.
فإذا ثبت الاستخدام، فستكون القضية شديدة الخطورة من الناحية القانونية والسياسية.
لكن إذا ثبت أن المعلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها، فإن مصداقية الجهات التي نشرتها ستتعرض لضربة كبيرة.
وهنا تظهر ضرورة أن تطالب الخرطوم بتحقيق دولي فني مستقل، وأن تتعامل مع الملف بشفافية، لأن مجرد ترك القضية للمصادر الإعلامية والاستخباراتية سيجعلها ورقة سياسية قابلة للاستخدام ضد السودان.
عاشراً: واشنطن بين حظر السلاح وحماية المدنيين
الولايات المتحدة تدفع باتجاه توسيع القيود المتعلقة بالسلاح والطيران في السودان.
لكن المشكلة التي تواجه السياسة الأمريكية هي سؤال جوهري:
هل يمكن تحقيق حماية المدنيين عبر تقييد قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها، في الوقت الذي يستمر فيه وصول السلاح إلى الجماعات المسلحة عبر الحدود؟
إذا كان حظر السلاح شاملاً ومتساوياً على الجميع، فقد يكون له منطق قانوني وسياسي.
أما إذا أدى عملياً إلى:
تقييد القوات النظامية + استمرار تدفق السلاح عبر الحدود + بقاء شبكات الدعم الخارجي،
فإن النتيجة قد تكون إطالة الحرب بدلاً من إنهائها.
ولهذا فإن أي حظر فعال يجب أن يستهدف شبكات التهريب ومصادر التمويل ومسارات النقل والدول التي تنتهك الحظر، وليس مجرد إصدار قرار دولي جديد.
الحادي عشر: الإمارات وتأييد حظر السلاح… المفارقة السياسية
الموقف الإماراتي الذي يؤيد توسيع حظر السلاح، مع استمرار نفي أبوظبي دعم أي طرف، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار مهم.
فالسؤال هو:
إذا كان هناك حظر شامل للسلاح، فمن الذي سيخضع له عملياً؟
وكيف ستتم مراقبة الحدود؟
ومن سيتولى التحقيق في الرحلات الجوية؟
ومن سيراقب المطارات والقواعد والممرات البرية؟
وكيف ستتم محاسبة أي دولة أو شركة أو شبكة تهرب السلاح؟
إذا لم توجد إجابات واضحة، فإن الحظر قد يتحول إلى قرار سياسي أكثر منه آلية عملية لإنهاء الحرب.
الثاني عشر: إعادة تشكيل البعثة الدبلوماسية السودانية
التغييرات الأخيرة في السفراء والتمثيل الدبلوماسي السوداني تحمل دلالة مهمة.
فالسودان يحتاج في المرحلة المقبلة إلى دبلوماسية حرب وسلام في الوقت نفسه.
دبلوماسية تستطيع:
شرح الموقف السوداني.
توثيق التدخلات الخارجية.
التواصل مع مراكز القرار الدولي.
الدفاع عن سيادة الدولة.
دعم المسار السياسي.
التعامل مع المنظمات الدولية.
كشف شبكات تمويل وتسليح الحرب.
بناء تحالفات إقليمية ودولية جديدة.
لم يعد كافياً أن تكون السفارات مجرد واجهات بروتوكولية.
السودان يحتاج إلى دبلوماسية استراتيجية نشطة.
الثالث عشر: السفير الجديد في القاهرة… لماذا مصر تحديداً؟
اختيار اللواء هارون محمد سفيراً للسودان في القاهرة يحمل أهمية سياسية وأمنية خاصة، بالنظر إلى ثقل العلاقات السودانية المصرية.
مصر بالنسبة للسودان ليست مجرد دولة جارة.
إنها:
أمن قومي مشترك + نيل + حدود + أمن البحر الأحمر + قضية سد النهضة + علاقات شعبية وتاريخية + ملفات إقليمية مشتركة.
ولذلك فإن السفارة السودانية في القاهرة ستكون إحدى أهم نقاط الاتصال الدبلوماسي السوداني في المرحلة المقبلة.
الرابع عشر: هل تتغير موازين الحرب؟
على المستوى العسكري، لا يزال المشهد مفتوحاً.
لكن هناك مؤشرات على أن الحرب تدخل مرحلة جديدة:
اتساع جبهة النيل الأزرق.
استمرار القتال في كردفان ودارفور.
تصاعد استخدام المسيّرات.
زيادة التدخل الخارجي.
ارتفاع أهمية الحدود.
الضغط الدولي على الطرفين.
التحرك السياسي المتزامن مع العمليات العسكرية.
والأخطر أن السودان قد يدخل مرحلة حرب استنزاف طويلة إذا لم يحدث اختراق سياسي حقيقي.
الخامس عشر: السيناريوهات الثلاثة المقبلة
السيناريو الأول: اختراق سياسي
يتمكن الحوار السوداني الداخلي من استقطاب القوى الرئيسية، ويُفتح مسار تفاوضي يؤدي إلى هدنة ثم وقف إطلاق النار.
احتماله: متوسط.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب مع حوار موازٍ
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير.
تستمر العمليات العسكرية، بينما يستمر الحوار والوساطات في الوقت نفسه.
وهنا يصبح السؤال: أيهما سيفرض شروطه أولاً، الميدان أم طاولة التفاوض؟
السيناريو الثالث: تدويل أكبر للحرب
إذا توسعت الجبهات الحدودية، وازداد تدفق السلاح والمرتزقة، فقد تتحول الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح.
وهذا أخطر السيناريوهات.
السادس عشر: الرؤية الاستراتيجية
من الواضح أن السودان أمام لحظة مفصلية.
فالحوار السوداني–السوداني أصبح ضرورة وليس خياراً.
لكن نجاحه يتطلب خمسة شروط أساسية:
1. أن يكون الحوار سودانياً في جوهره.
2. أن يكون شاملاً ولا يستبعد القوى الاجتماعية والأقاليم المتضررة.
3. ألا يتحول إلى منصة لإعادة إنتاج النخب القديمة.
4. أن يتزامن مع معالجة حقيقية لتدفق السلاح والمرتزقة من الخارج.
5. أن تكون وحدة السودان وسيادته خطاً أحمر لا يخضع للمساومة.
وفي المقابل، يجب على المجتمع الدولي أن يتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة دولة ومجتمع، وليس مجرد منافسة بين شخصين أو مؤسستين.
الخلاصة
السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق:
الميدان يتصاعد، والدبلوماسية تتحرك، والحوار يعود، والتدخل الخارجي يتكشف أكثر، والضغوط الدولية تتزايد.
وفي الوقت نفسه، تكشف التقارير الدولية أن الحرب أصبحت مرتبطة بشبكات عابرة للحدود من السلاح والمال والمرتزقة والمسيّرات. �
Reuters +١
أما أخطر ما في المرحلة فهو أن يتحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية.
لذلك فإن المعادلة الحقيقية للسلام ليست فقط:
الجيش والدعم السريع إلى طاولة التفاوض.
بل:
السودانيون إلى طاولة الحوار، والدول الخارجية إلى طاولة الالتزام بوقف التدخل.
وإذا نجح السودان في الجمع بين الحسم السياسي، والحوار الداخلي، وحماية سيادة الدولة، وتجفيف مصادر الحرب الخارجية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، فقد تتحول المرحلة الحالية من أخطر مراحل الحرب إلى بداية النهاية.
أما إذا استمرت الأطراف الخارجية في تغذية الحرب، واستمرت القوى السودانية في انتظار الحل من الخارج، فقد يصبح الحوار مجرد هدنة سياسية مؤقتة، بينما تواصل الحرب صناعة واقع جديد على الأرض.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع القادمة ليس فقط: من سيتقدم عسكرياً؟
بل:
من سيملك القدرة على صياغة السودان بعد الحرب؟
وهنا تحديداً تبدأ المعركة الأكبر: معركة الدولة، لا معركة السلطة.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
باحث في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات


