> أحيانًا لا تكون المشكلة في أن شيئًا لم يحدث بعد… بل في أننا أوقفنا حياتنا في انتظار حدوثه.
في مقال أول الأمس تحدثنا عن صناعة الكراهية، وكيف يمكن للحرب أن تعيد تشكيل الإنسان حتى يصبح الآخر مشروع اتهام.
لكن للحرب صناعة أخرى لا تقل خطورة، وربما أكثر هدوءًا:
> صناعة الانتظار.
السوداني اليوم ينتظر نهاية الحرب، وينتظر السلام، وينتظر الحسم، وينتظر الخدمات، والأسواق، والرواتب، وينتظر خبرًا يقول له إن الغد أصبح أكثر وضوحًا ، لكن حين يطول الانتظار، يظهر فراغ وفي هذا الفراغ تعمل آليتان بالغتا التأثير:
● اقتصاد الانتباه…
● واقتصاد الإشاعة.
لم تعد المعلومة في زمن الحرب مجرد معلومة؛ أصبحت سلعة تتنافس عليها المنصات والأصوات. والخبر الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر صحة، بل الأكثر قدرة على اقتناص انتباه الإنسان القلق.
■ولعل أزمة أسعار الخبز تقدم مثالًا حيًا.
حين أصبح سعر الخبزة في بعض المناطق نحو ٤٠٠ جنيه، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار زيارات والي الخرطوم لوكلاء توزيع الدقيق والمطاحن، ثم جاء قرار بإعفاء المخابز من بعض الرسوم المحلية حتى نهاية العام، مع التزامها بالتسعيرة السابقة.
هنا هدأ القلق مؤقتًا.
لكن السؤال الذي يبدو بسيطًا يكشف جوهر القضية:
ماذا بعد انتهاء العام؟
هل تنتهي المشكلة بانتهاء الإعفاء؟
أم أننا فقط نقلنا الأزمة إلى موعد جديد؟
> هنا يصبح السودان أمام مفارقة العنوان: أزمة الانتظار… أم انتظار الأزمة؟
فإذا كانت المعالجة مرتبطة بنهاية العام، فإن المواطن لا ينتظر الحل فقط؛ بل يبدأ في انتظار عودة المشكلة ، وهكذا يتحول الزمن نفسه إلى جزء من الأزمة.
ولا يختلف المشهد كثيرًا في سوق العملة ، يتداول الناس خبرًا عن وقوع أحد كبار تجار العملة في ضاحية الرياض في قبضة السلطات، ثم يلتحق به خبر آخر عن استقبال السودان وديعة دولارية ضخمة، فتبدأ التوقعات بأن الدولار سيتراجع، والأسعار ستتهاوى، وأن انفراجًا اقتصاديًا وشيكًا قادم.
قد يكون الخبر صحيحًا، وقد يكون ناقصًا، وقد يكون مجرد تداول لمعلومة لم تكتمل.
لكن اللافت ليس الخبر وحده ، اللافت هو سرعة انتقال المجتمع من المعلومة إلى التوقع، ومن التوقع إلى الانتظار.
ننتظر أن ينخفض الدولار، فنؤجل قرار الشراء.
ننتظر أن تنخفض الأسعار، فنؤجل البيع.
ننتظر انفراجًا قريبًا، فنؤجل التخطيط.
وهنا لا تعود الإشاعة مجرد كلام عابر إنها تدخل السوق وتؤثر في السلوك. وهذا هو اقتصاد الإشاعة حين يجد بيئة مثالية: قلق مرتفع، معلومات ناقصة، وثقة منخفضة.
أما اقتصاد الانتباه فيتكفل بالباقي؛ إذ يصبح كل «عاجل»، وكل تسجيل صوتي، وكل توقع، وكل خبر مجهول المصدر قادرًا على سحب انتباه المجتمع بعيدًا عن السؤال الأهم:
ما الذي نعرفه يقينًا؟ وما الذي نبني عليه قرارًا؟
وهنا تتصل صناعة الكراهية بصناعة الانتظار.
الكراهية تقول: لا تثق في الآخر.
والإشاعة تقول: صدّق ما يوافق خوفك أو أملك.
واقتصاد الانتباه يقول: انشغل بما يثيرك.
ثم يأتي الانتظار ليقول لا تفعل شيئًا الآن.
وهكذا قد ينشغل المجتمع بالأزمة أكثر مما يعمل على تجاوزها.
ومن منظور رؤية الجسر والمورد ، فإن التحدي ليس أن ننتظر نهاية الحرب، وإنما أن نبني القدرة على الحركة أثناء انتظارها.
نحتاج إلى معلومة موثوقة، لا مجرد معلومة سريعة.
وإلى سياسات تعالج أصل المشكلة، لا تؤجلها إلى نهاية العام.
وإلى اقتصاد يستطيع أن يخطط، لا اقتصادًا يعيش على التوقع.
وإلى مجتمع يميز بين الخبر والقرار، وبين التوقع والحقيقة، وبين الأمل والوهم.
فربما لا تكون أخطر نتائج الحرب أنها تطول…
بل أن نتعلم كيف نعيش على موعد الأزمة القادمة.
لذلك، ليس السؤال فقط:
متى تنتهي الأزمة؟
بل:
ماذا نفعل حتى لا يصبح انتظارها هو طريقتنا في الحياة؟
فالأمم لا تخسر مستقبلها فقط حين تفشل في صناعته…
أحيانًا تخسره حين تقضي حاضرها كله في انتظاره.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.


