Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (8) بين ضغط الاقتصاد وتصعيد الحرب وإعادة تشكيل المواقف الدولية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

قراءة وتوصيف .. الدولار وعجز القادرين .. احمد الزبير محجوب

السيد الرئيس.. حكومة الأزمة.. فريضة اللحظة .. المسلمي البشير الكباشي

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (8) بين ضغط الاقتصاد وتصعيد الحرب وإعادة تشكيل المواقف الدولية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة
يدخل السودان مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع الأزمة الاقتصادية والضغط الإنساني والتحركات الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي تشهد فيه جبهات كردفان تطورات ميدانية جديدة، يتعرض الجنيه السوداني لضغوط حادة انعكست بصورة مباشرة على أسعار السلع وحركة الأسواق، وظهرت احتجاجات مرتبطة بالغلاء وتدهور القدرة الشرائية.
وفي المقابل، تتواصل التحركات العربية والإقليمية لدعم مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار، بالتزامن مع تجدد الخطاب الأمريكي بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية، وهو ملف يحمل تداعيات سياسية وقانونية ودبلوماسية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
ومن ثم فإن قراءة أحداث 18 سبتمبر لا ينبغي أن تتم باعتبارها مجموعة أخبار منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات مترابطة في مرحلة يعاد فيها تشكيل المعادلة العسكرية والاقتصادية والسياسية والإقليمية للسودان.
أولاً: الاقتصاد وسعر الصرف.. عندما تتحول الحرب إلى أزمة معيشية
شهد سعر صرف الجنيه السوداني تراجعاً حاداً خلال الأيام الأخيرة، حيث أفادت تقارير سوقية بأن الدولار تجاوز 8,200 جنيه في السوق الموازية، مع ارتفاع أسعار العملات الأخرى، وترافق ذلك مع إغلاق عدد كبير من المحال في بعض الأسواق بسبب صعوبة تحديد أسعار مستقرة للسلع.
وكان وزير المالية جبريل إبراهيم قد أرجع التراجع المتسارع للجنيه إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية في الخليج ومضيقي هرمز وباب المندب تؤثر أيضاً في الطلب على العملات الأجنبية.
وهنا تظهر خطورة اقتصادية تتجاوز مجرد انخفاض سعر العملة؛ فاستمرار التدهور يؤدي إلى:
ارتفاع تكلفة السلع الأساسية.
اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار.
زيادة المضاربة على العملات.
اضطراب النشاط التجاري.
تراجع الثقة في السوق.
انتقال الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية وسياسية.
ولهذا فإن الاحتجاجات المرتبطة بالغلاء يجب قراءتها باعتبارها مؤشراً اجتماعياً على ضغط اقتصادي متراكم، وليس باعتبارها ظاهرة منفصلة عن الحرب.
ثانياً: احتجاجات أم درمان.. الاقتصاد يدخل مباشرة إلى المشهد السياسي
تزامن تدهور سعر الصرف مع تقارير عن مظاهرات في أم درمان وحالات عصيان أو إغلاق للأسواق احتجاجاً على ارتفاع الأسعار.
وهذه التطورات تحمل دلالة استراتيجية مهمة: فالحرب عندما تستمر لفترة طويلة لا تبقى في الجبهة العسكرية، وإنما تنتقل تدريجياً إلى المائدة والأسواق والعملة والخدمات العامة.
والتحدي أمام الدولة هنا مزدوج:
المحافظة على الاستقرار الأمني.
تخفيف الضغط الاقتصادي عن المواطنين.
والتعامل الأمني وحده مع احتجاجات المعيشة لا يعالج جذور المشكلة؛ لأن العامل الاقتصادي سيظل قائماً ما لم تتم معالجة أسباب التضخم وسعر الصرف وتوفير السلع الأساسية.
ومن هنا تصبح المعالجة الاقتصادية جزءاً من إدارة الحرب نفسها.
ثالثاً: مسعد بولس وملف الأسلحة الكيميائية.. عودة القضية إلى الواجهة
جدد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، اتهاماً للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، وقال إن إدارة الرئيس دونالد ترامب خلصت، بعد مراجعة الملف، إلى وجود أدلة على ذلك، وهو ما ربطه بتجديد العقوبات الأمريكية. كما تحدث عن وجود دعم عسكري خارجي لأطراف الحرب، وقال إن واشنطن تعمل على مبادرة لهدنة إنسانية.
وهنا ينبغي التمييز بين الادعاء السياسي الأمريكي وبين إثبات المسؤولية بصورة مستقلة ونهائية.
فالولايات المتحدة سبق أن وجهت اتهامات مماثلة، بينما رفض السودان هذه الاتهامات. ولذلك فإن القضية تحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق وآليات تحقيق مستقلة وشفافة قبل تحويلها إلى حقيقة قضائية نهائية.
الأبعاد الاستراتيجية للملف
إعادة فتح ملف السلاح الكيميائي في هذا التوقيت قد تؤدي إلى:
زيادة الضغط السياسي على الحكومة السودانية.
تعزيز مبررات العقوبات.
التأثير في المواقف الدولية من القوات المسلحة.
ربط الملف الإنساني بالملف العسكري.
استخدام القضية في مفاوضات الهدنة والحل السياسي.
كما أن الملف يأتي في بيئة دولية سبق أن شهدت نقاشاً حول توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان.
وبالتالي فإن ملف السلاح الكيميائي لا يمكن فصله عن معركة أوسع حول طبيعة التعامل الدولي مع مؤسسات الدولة والأطراف المتحاربة.
رابعاً: الكوليرا.. صراع الروايات حول الإنجاز الإنساني
في المقابل، برز خلاف حول أسباب تراجع معدلات الإصابة بالكوليرا.
فقد نسب مسعد بولس جانباً من التراجع إلى الدعم الأمريكي، بينما رد مستشار رئيس مجلس السيادة أمجد فريد بأن الانخفاض جاء نتيجة جهود الحكومة السودانية والدعم الفني لمنظمة الصحة العالمية، مشيراً إلى حملات تطعيم واسعة.
وبعيداً عن الجدل السياسي، فإن الدرس الأهم هو أن الملف الصحي أصبح جزءاً من الصراع على الشرعية والرواية الدولية.
فالطرف الذي يثبت قدرته على حماية السكان وتوفير المياه والصحة والغذاء والخدمات يستطيع تعزيز صورته أمام المجتمع الدولي، بينما يؤدي انهيار الخدمات إلى زيادة الضغوط السياسية والإنسانية.
ومن هنا فإن إدارة الملف الصحي يجب أن تكون مهنية وشفافة، مع توثيق النتائج والأرقام ومصادر الدعم، حتى لا تتحول الأزمة الإنسانية إلى ساحة إضافية للصراع السياسي.
خامساً: التطورات العسكرية في كردفان.. تغيير مهم في ميزان العمليات
على المستوى العسكري، أعلن الجيش السوداني استعادة 11 منطقة في شمال كردفان، من بينها مناطق حول المزروب، وقال إن قواته والقوات المتحالفة معه تواصل عمليات التمشيط غرب الأبيض.
كما أفادت مصادر عسكرية بتطورات في جنوب كردفان، من بينها السيطرة على الفرشاية والممسوكة، وهما تقعان على محاور ذات أهمية بالنسبة لحركة القوات والإمداد بين شمال وجنوب كردفان.
لكن هذه الأخبار يجب التعامل معها بحذر تحليلي؛ فبعض التفاصيل الميدانية ما زالت قائمة على بيانات عسكرية ومصادر طرفية ولم تحصل جميعها على تحقق مستقل.
الدلالة الاستراتيجية
أهمية كردفان لا ترتبط بالمساحة وحدها، وإنما بموقعها الذي يربط:
وسط السودان ← كردفان ← دارفور
ومن ثم فإن أي تغيير مستمر في السيطرة على الطرق والمحاور الرئيسية قد يؤثر في:
خطوط الإمداد.
حركة القوات.
القدرة على المناورة.
العلاقة بين جبهات كردفان ودارفور.
مستقبل التوازن العسكري غرب السودان.
ولهذا فإن تطورات كردفان قد تكون من أهم المؤشرات العسكرية في المرحلة المقبلة.
سادساً: جهود الداخل.. جبريل إبراهيم نموذجاً للحوار والدولة
في المسار السياسي الداخلي، جدد جبريل إبراهيم تمسكه بالحوار السوداني الشامل وبأن تكون العملية السياسية ذات إرادة وملكية سودانية، مع الحفاظ على سيادة البلاد ووحدتها.
كما شدد في حديثه للآلية الخماسية على ضرورة الفصل بين المسار الأمني الخاص بالحرب والمسار السياسي الخاص بالحوار السوداني، باعتبار أن السلام المستدام يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة.
هذه الرؤية تطرح مسألة أساسية في الأزمة السودانية:
هل يكون الحوار السياسي مدخلاً لإنهاء الحرب، أم يأتي بعد التوصل إلى ترتيبات أمنية؟
والإجابة العملية قد تتطلب مسارين متوازيين:
مسار تفاوضي أمني يوقف القتال.
مسار سياسي سوداني واسع يضع أسس المرحلة التالية.
وبذلك لا يتحول الحوار السياسي إلى بديل عن وقف الحرب، ولا يتحول وقف إطلاق النار إلى اتفاق مؤقت دون معالجة جذور الأزمة.
سابعاً: السعودية وإعادة الإعمار.. من الدعم الإنساني إلى الشراكة الاقتصادية
في الجانب الإقليمي، تبرز السعودية بصورة متزايدة في ملف التعافي وإعادة الإعمار.
فقد بحث وزير البنى التحتية والنقل السوداني مع السفير السعودي فرص التعاون في النقل والبنية التحتية والموانئ والنقل البحري والخدمات اللوجستية، مع بحث فرص الاستثمار في مشروعات ذات أولوية.
كما سبقت ذلك مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل مصفاة الخرطوم وإنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان، بما يشير إلى اهتمام بالتعاون في قطاع الطاقة.
وأعلنت السعودية أيضاً منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم عدد من الوزارات السودانية، بينها المالية والزراعة والصحة والتعليم والتعليم العالي والثقافة والإعلام.
وهنا تبرز أهمية الدور السعودي من زاوية اقتصادية واستراتيجية:
الدعم لا يقتصر على الإغاثة، بل بدأ يأخذ شكل دعم لاستمرارية مؤسسات الدولة وإعادة بناء البنية التحتية.
كما أن توقيع السودان مذكرات تفاهم مع شركات ماليزية وإسبانية في المياه والنقل والطاقة يؤشر إلى بداية تحرك أوسع نحو شراكات إعادة الإعمار.
ثامناً: هل تتجه الأزمة إلى صراع بين مسارين؟
يمكن ملاحظة مسارين متزامنين:
المسار الأول: الضغط
ويتضمن:
الأزمة الاقتصادية.
تدهور سعر الصرف.
ارتفاع الأسعار.
الاحتجاجات.
الضغوط الدبلوماسية.
ملف الأسلحة الكيميائية.
الدعوات إلى توسيع حظر السلاح.
المسار الثاني: إعادة بناء الدولة
ويتضمن:
التحركات الداخلية للحوار.
الدعم السعودي.
مشروعات البنية التحتية.
استعادة الخدمات.
التعاون الإقليمي.
التحرك الاقتصادي والاستثماري.
استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها.
والصراع الحقيقي في هذه المرحلة قد لا يكون فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول من يستطيع الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وتقديم الخدمات للسكان وبناء شرعية سياسية واقتصادية مستدامة.
تاسعاً: التحليل الاستراتيجي
يمكن استخلاص خمس ملاحظات رئيسية من تطورات 18 سبتمبر:
أولاً: الاقتصاد أصبح جبهة مركزية في الحرب.
فاستمرار تدهور العملة وارتفاع الأسعار يمكن أن يضاعفا الضغط على الدولة والمجتمع.
ثانياً: كردفان أصبحت محوراً عسكرياً بالغ الأهمية.
والتقدم المعلن في عدد من المناطق يحتاج إلى تثبيت ميداني وتأمين خطوط الإمداد، وليس مجرد السيطرة المؤقتة.
ثالثاً: الملف الإنساني أصبح جزءاً من التنافس السياسي الدولي.
ومن هنا يجب أن تكون بيانات الدولة دقيقة وشفافة ومدعومة بالأرقام.
رابعاً: التحرك السعودي والعربي في إعادة الإعمار يمثل مساراً مختلفاً عن مسار الضغط السياسي.
ويمكن لهذا المسار أن يدعم استمرار مؤسسات الدولة والخدمات والاقتصاد إذا تحول من مذكرات تفاهم إلى مشروعات تنفيذية.
خامساً: المعركة القادمة ليست عسكرية فقط.
فالميدان والاقتصاد والدبلوماسية والخدمات والحوار الداخلي أصبحت جميعها أجزاء من معادلة واحدة.
عاشراً: خاتمة عملية قابلة للتنفيذ
لمواجهة المرحلة الحالية، يحتاج السودان إلى حزمة متزامنة من الإجراءات:
تشكيل غرفة اقتصادية طارئة تضم المالية وبنك السودان والجهات المختصة، لمتابعة سعر الصرف والأسواق بصورة يومية.
تأمين السلع الأساسية عبر مخزون استراتيجي وآليات رقابة تمنع الاحتكار والمضاربة.
توحيد الخطاب الإعلامي الرسمي بشأن الملفات الدولية الحساسة، خصوصاً السلاح الكيميائي والملف الإنساني.
فتح مسار تحقيق مهني وشفاف في أي اتهامات تتعلق بالأسلحة المحظورة، مع المطالبة بأن تستند الاتهامات الدولية إلى أدلة قابلة للفحص.
تسريع المسار العسكري في كردفان مع حماية المدنيين وتأمين الطرق والمناطق التي يتم استردادها قبل الانتقال إلى محاور جديدة.
تحويل الدعم السعودي والعربي إلى مشروعات تنفيذية محددة في الطاقة والموانئ والنقل والصحة والمياه.
توسيع الحوار السوداني الداخلي ليشمل القوى السياسية والمجتمعية والنازحين واللاجئين والمتضررين، مع الحفاظ على الملكية السودانية للعملية السياسية.
الفصل بين المسار الإنساني والمسار السياسي؛ فالإنسان السوداني يحتاج إلى الغذاء والدواء والمياه بصرف النظر عن موقعه السياسي أو العسكري.
الخلاصة
تكشف تطورات 18 سبتمبر 2026 أن السودان يقف أمام مرحلة مركبة: تقدم عسكري في بعض محاور كردفان، ضغط اقتصادي متزايد، احتجاجات مرتبطة بالمعيشة، تصعيد في الخطاب الأمريكي حول السلاح الكيميائي، وفي الوقت نفسه تحرك عربي وإقليمي متزايد باتجاه دعم مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار.
والتحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة هو منع تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية أوسع، ومنع تحول الضغط الدولي إلى عامل إضافي لإضعاف مؤسسات الدولة، وفي المقابل تحويل التحركات العربية والدولية الإيجابية إلى برامج عملية في الاقتصاد والخدمات وإعادة الإعمار.
إن معادلة السودان القادمة لن تحسمها الجبهة العسكرية وحدها؛ وإنما ستتحدد أيضاً بقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، حماية المجتمع، استعادة الخدمات، توسيع الحوار الوطني، وإدارة علاقاتها الإقليمية والدولية بما يحفظ وحدة السودان ومؤسساته وسيادته.

المقالة السابقة

قراءة وتوصيف .. الدولار وعجز القادرين .. احمد الزبير محجوب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *